; الالتزام بالقوانين واجب ديني ووطني وحضاري | مجلة المجتمع

العنوان الالتزام بالقوانين واجب ديني ووطني وحضاري

الكاتب عبدالقادر بن محمد العماري

تاريخ النشر الثلاثاء 03-نوفمبر-1987

مشاهدات 61

نشر في العدد 841

نشر في الصفحة 38

الثلاثاء 03-نوفمبر-1987

يظن بعض الناس أن الأنظمة التي تضعها الدول لمصلحة المجتمع لا يجب الالتزام بها من الناحية الدينية، وأنه لا مسؤولية ديانة إذا قام الإنسان بمخالفتها وعدم تنفيذها، وهذا جهل بأحكام الدين وعدم وعي بفرائضه، ذلك لأن الله سبحانه وتعالى قد ربط طاعة أولي الأمر بطاعته وطاعة رسوله، قال تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (النساء: 59) وطاعة أولي الأمر تتمثل فيها يصدرونه من توجيهات تتعلق بمنع الضرر، وجلب المصلحة للمجموع، فولي الأمر من واجبه أن يضع من الأنظمة والقوانين ما يحفظ مصالح الناس، ويدفع الضرر عنهم، فيما لا نص فيه من جهة الشرع، ولا معصية فيه لله تعالى، وذلك لأن النصوص متناهية، ومشاكل الناس وحوادثهم غير متناهية، فوجود السيارات ووسائل النقل الحديثة اقتضت إيجاد أنظمة وقوانين للمرور، للمحافظة على السلامة العامة، فيجب شرعًا الالتزام بهذه الأنظمة، ومخالفتها تعتبر مخالفة للشرع، لأن المخالف يعرض حياته وحياة الآخرين للخطر، وذلك ممنوع في الشرع بنصوص واضحة قطعية، وكذلك أنظمة حماية الصحة والأنظمة الصادرة لحماية المال العام، وغير ذلك من القوانين والأنظمة التي سنت من أجل المصلحة العامة.

وقد كان في التاريخ الإسلامي نظام الحسبة، ومفهومه لا يخرج عن حدود حماية مصالح الناس، ودفع الضرر عنهم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، نظام شامل لكل هذه الأنظمة، فيجب على المسلم أن يحترمها وأن يلتزم بها، وكل الدول التي تحرص على مصالح شعوبها، وتسهر على سلامتهم تسن من الأنظمة والقوانين بين الحين والآخر ما يحقق مصالح الأمة، ويدفع الضرر عنها كلما اقتضى الحال ذلك، وتعتبر هذه الأنظمة جزءًا من قوانين الشرع مادامت في إطار الهدف العام في اتباع منهج الإسلام، أما تلك القوانين والنظم التعسفية التي تصدرها بعض الدول الظالمة، ويقصد بها حماية الظلم والظالمين، وإذلال الشعوب، كتلك التي تصدر عن الدول الدكتاتورية، فتكبل شعوبها بأنظمة وقوانين لا حصر لها، فالدول الشيوعية مثلًا تسن قوانين تمنع مواطنيها من السفر، وبعضها يمنع المواطن من أن يجتمع بأي شخص آخر من غير بلاده إلا بإذن، وتمنع دخول الكتب الدينية إلى البلاد، أو تلزم الناس بالسخرة كما أن بعض الدول تقوم بسن أنظمة ترحل بمقتضاها قرى بأكملها بالقوة من منطقة إلى منطقة أخرى، من غير سبب وجيه لمصلحتهم، غير مزاج الحكام الظلمة.

وقد حكى لنا التاريخ أن بعض الحكام المزاجيين يفرضون أوامر غريبة كالحاكم بأمر الله عندما منع المصريين من أكل الملوخية، ومن الأحكام التعسفية أن تلزم المرأة بخلع الحجاب، بحجة مسايرة العصر، كما فعل أتاتورك عندما أمر بإلغاء الحجاب والطربوش، ففرض على الرجال والنساء أن يلبسوا اللباس الأوروبي، وكذلك القوانين التي تبيح الربا والزنا، فكل قانون فيه مخالفة لأمر الله تعالى لا يجب طاعته لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وهنا يثور تساؤل وإن كان الجواب عليه يقتضي استطرادًا يبعد عن الموضوع قليلًا، وهو: ما حكم الذين يتبعون الرؤساء والزعماء والسادة، ويطيعونهم في الخطأ والصواب، والحلال والحرام، طاعة عمياء سببها الجهل أو الضعف، فيشرعون لهم تشريعات ما أنزل الله بها من سلطان؟ فهل يعذرون لهذا الجهل أو الضعف، ويتحمل زعماؤهم ورؤساؤهم المسؤولية أمام الله في حالة الاتباع فيما لا يرضي الله؟

والجواب على هذا التساؤل قد أوضحه القرآن في عدد من الآيات، قال تعالى: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا رَبَّنَا آَتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾ (الأحزاب: 66-68).

﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ  قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (سبأ: 31-33).

﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ﴾ (غافر: 47-48).

﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ وقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ (البقرة: 166-167).

فواضح من هذه الآيات أن التابعين والمتبوعين سواء في العذاب، ولا يعذر التابع بجهله أو بضعفه، والذين يقبلون تشريعات من زعمائهم ورؤسائهم تخالف نهج الله لا يستقونها بالاجتهاد من معين القرآن والسنة، فإنهم بذلك إنما يشركون بالله ويعبدون غيره، يوضح ذلك أنه لما نزل قوله تعالى ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ. يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (التوبة: 31-32). قال عدي بن حاتم للرسول صلى الله عليه وسلم وقد كان نصرانيًّا: إننا لا نعبدهم، فرد عليه الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: «ألم يكونوا يحلون لكم الحرام فتحلوه، ويحرمون عليكم الحلال فتحرموه؟ قال: نعم، قال: فتلك عبادتهم»، فهم يحلون ويحرمون من عند أنفسهم ولا يرجعون في ذلك.

والإسلام لا يمنع أن نأخذ من الأنظمة الحديثة ما فيها مصلحة لنا، بشرط ألّا تتعارض مع الكتاب أو السنة، ويكون النظام الذي نأخذه نظامًا شرعيًّا إسلاميًّا بدخوله في الإطار العام، إذا كان توجهنا إسلاميًّا، فالمهم هو التوجه العام، والأساس الذي يقوم عليه المجتمع، وقد أخذ عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو خليفة المسلمين بنظام الدواوين المأخوذ من الفرس، لأن فيه ضبطًا وحفظًا للمال العام، وفي هذا العصر فإن نظامًا كنظام المرور مأخوذ من الدول التي سبقت في الحضارة الحديثة، فلا ضير في تقليدها في هذا النظام من وجهة النظر الإسلامية، ويجب على المسلمين طاعته والامتثال له، ومن هذا المنطلق يمكننا أن نقول إن الالتزام بالأنظمة واجب ديني بالدرجة الأولى، إلى جانب كونه واجبًا وطنيًّا وحضاريًّا.

****

الشهادة لله.. صنع الرجال

يتعامل بعض الآباء مع أبنائهم بطريقة خاطئة، حيث يرى الأب ابنه شابًّا يافعًا لا يقوى على تحمل المسؤولية، اللهم إلا إذا تخرج وتزوج ورزق البنين، وبالتالي فمن العيب أن يتكلم الابن بحضور من هو أكبر منه، فيجب عليه أن يلوذ بالصمت.. هذه الطريقة في التربية عليها الكثير من المآخذ، ومن شأنها أن تخرج شبابًا لا يقوى على طرح وجهة نظره، وإذا كان الشاب من النوعية التي تحب التعبير عن نفسها من خلال طرح وجهة نظرها، واحترام الآخرين لها، فإن نفسه ستصاب بشيء من الإحباط واليأس، وفي تصوري أن من واجب الآباء تجاه أبنائهم أن يربوهم على الطريقة السليمة لطرح آرائهم ويشجعونهم على ذلك، بحيث يشعر الابن بالارتياح من الواقع الذي يعيشه، وينطلق في المجتمع الذي يعيش فيه بكل تفاعل وحيوية.. فالابن بحاجة لتربية تغرس فيه معاني الرجولة السامية التي يحوطها الإسلام بسياج متين يمنعها من التشتت والضياع، والرجولة بدون امتلاك الشجاعة الأدبية وطرح الرأي رجولة ناقصة منقوصة، إلا إذا كان بعض الآباء يريدون تكريس واقع العالم الثالث حيث لا مجال لتنوع الآراء واختلافها.

يجب أن يحرص الآباء في تربيتهم على «صنع الرجال» أمثال علي بن أبي طالب-كرم الله وجهه- ليلة الهجرة، وابني عفراء يوم بدر، وأسامة بن زيد بعد وفاة المصطفى- صلى الله عليه وسلم- عندما قاد الجيش وفيه كبار الصحابة.

ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد.

أبو أيوب

الرابط المختصر :