الثلاثاء 18-مايو-1971
الخوف ونظام الأسئلة وسهولة الغشّ...
• كانت بداية الجولة على شاطئ الكورنيش والطلبة فرادى وجماعات قد هربوا من جو البيوت إلى الخارج، حيث يلتمسون جوا لا يغلبهم النعاس فيه ولا يؤثر جو التكييف الصناعي، ولا تشغلهم حركة البيت ورواده وزائروه..
• وفي منتصف الليل والناس هاجعون في أسرّتهم إلا هذا الفريق من أبنائنا الذين جلسوا تحت أضواء مصابيح الشارع يستذكرون دروسهم!.
• الأعصاب مشدودة، والأجساد مرهقة، وخاصةً كلما اقترب موعد الامتحان ترى الذبول يسري في نضرة الشباب، فيحيل الكثيرين منهم إلى هياكل آدمية تتحرك بثقل وتمشي ببطء سرعان ما تُلقي بنفسها على الأرض، وكل شيء فيهم يكاد يكون مخدرًا إلا هذا العقل الذي يعمل ٢٤ أربعًا وعشرين ساعة بلا راحة أو توقف؛ لأن نومهم أحلام مفزعة وخيالات مقلقة، وتصورات للنتائج رسوبًا أو نجاحًا!
«طالب يرفض الكلام»
• وشدني منظر لطالب أوقف سيارته على الرصيف، وأسند ظهره إليها وافترش الأرض، وأمامه «ترمس» ماء، وآخر لعل فيه شرابًا منبهًا شايًا أو قهوةً.
• اقتربت منه، وحييته بابتسامة، وأنا أخشى ألا يرد عليّ أو ينفعل، فبادرت الحديث قائلًا:
- معذرة يا أخي فلن آخذ من وقتك سوى دقيقتين، وفي مصلحتك إن شاء الله.
فقال: ولا دقيقتين، فأنا أحوج إلى أقل منها، ومصلحتي في تركك لي..!
عرفته بنفسي، فانفعل بغيظ:
أنا مقاطع كل الصحف، ولا تتركني إلى تداعي المعاني والأفكار التي تضيع عليّ الليلة كلها، فاحترمت رغبته وانصرفت عنه.
«حالنا كموج البحر»
· ووقفت مترددًا أمام مجموعة في نفس الشارع، لكن ابتسامة من أحدهم جعلتني أقترب منهم، قلت لهم:
كيف حال استذكاركم؟، وما مدى استيعابكم للدروس؟.
· وفي ضحكة قالوا بصوت واحد: أجب عنّا يا «حبيب»!.
فقال: حالنا قريب من أمواج هذا البحر، مد وجزر أو ثورة وسكون!.. وغضب وهدوء...
- ترتفع قدراتنا التحصيلية حتّى لنكاد نلتهم المواد التهامًا، ونشعر بأننا فوق مستوى الامتحان، وسرعان ما نهبط إلى قاع اليأس؛ لعجز الذاكرة عن الاستيعاب، بل تتجاوز الاستيعاب إلى مرحلة ضياع كل ما حصّلناه..!.
- كلما اقترب موعد الامتحان شعرنا بأن الساعة تدق بتوزيع الأسئلة، ونحن لم نستكمل بعد التحصيل المناسب، وليس هذا بحقيقي فنحن بحمد الله قد ذاكرنا، ولكنه مجرد شعور يلم بنا ساعات كثيرة من اليوم والليلة.
- ثمة أمر آخر.. وهو محاولة استغلال الوقت بصورة غير طبيعية، كأن الوقت ليس فيه متسع فنعمد إلى المنبهات بكثرة من شاي وقهوة في أحسن الحالات إلى الحبوب المنبهة في أسوئها رغم مضارها.
- والأرق الذي يُضيع علينا فترة الراحة إن وُجدت، وشريط قاتم مزعج لانتزاع المراقب أوراق الإجابة قبل أن نخطّ على صفحاتها كل ما نريد!
«الشكّوك القاتلة»
قلت له: يا أخي اعملوا ما في جهدكم، واتركوا النتائج لله فإنه لا يُضيع أجر من أحسن عملًا.
عیوب يجب أن تُعالج
· أطرق الفتى بحياء، وقال: أولًا: إننا لسنا على مستوى الطاعة لله، بل فينا معاصٍ كثيرة، ولو فكرنا في هذا الأمر فإن النتيجة ستكون تصوّر انتقام الله منّا بالرسوب.
ثانيًا: كثيرًا ما يشعر الإنسان حتى وهو يؤدي الصلاة أن فيها نوعًا من الرياء، وكان صوت الشاعر يريدنا
صلّى وصام لأمر كان يطلبه /// فلما انقضى الأمر لا صلّى ولا صام
ثالثًا: الحالة النفسية التي نمر بها في هذه الفترة تصيبنا بشيء من الضيق في الخلق، فتصدر منا تصرفات مستهجنة ومعيبة.
رابعًا: الشك في النجاح ترتسم صوره في أطياف من الشك في الناس، وكان الكل يضع لنا أسئلة، ويُمارس فينا تجربة.
· ولم أشأ أن أواصل الحديث مناقشةً أو سؤالًا، فانصرفت وأنا أقول لهم: اطمئنوا فلكل مجتهد نصيب، ورحمة الله أوسع من أن تضيق بكم، واستنشقوا عبير الأمل من نوافذ الرحمة.. والله معكم.
· وأصبحت أحمل هذه الصور التي رأيتها، وسمعت عنها إلى رجل مارس التدريس ثم التفتيش للغة الإنجليزية في بلاد عربية متعددة.
· ما رأيكم يا أستاذ في نظام الامتحانات المعمول به الآن في مراحل التعليم المختلفة؟! فأجاب قائلًا:
- الذي أعتقده أنه لا بد من وجود قياس لقدرات التلاميذ؛ لمعرفة الجاد من الهازل، أو الذي حصّل وأجهد نفسه من غيره، فليس البحث إذن هو أن يوجد امتحان أم لا، ولكن البحث في نظام الامتحان نفسه ومقدار توضيحه لقدرات التلاميذ وما حصّلوه...
«عيوب الامتحانات»
· هل ترون سيادتكم في النظام الحالي تعبيرًا صادقًا عن قدرات التلاميذ؟
- النظام الحالي في عمومه له عيوبه الآتية:
1- الرهبة التي تنتاب كثيرًا من الطلبة، بحيث يكون الطالب في وضع غير طبيعي لا يُبيّن قدرته الحقيقية.
۲- نظام الأسئلة يحتاج إلى معالجة دقيقة؛ لكي يكون شاملًا ومناسبًا.
3- نظام الأسئلة في المرحلة المتوسطة والثانوية بالنسبة لبعض المواد كالإنجليزية مثلًا يحتاج إلى نظر؛ لأنه يضع أمام الطالب ثلاث إجابات ليختار الإجابة الصحيحة منها، وعيوب ذلك في الآتي:
أ- يكون الطالب سلبيًّا؛ لأنه لا ينشئ شيئًا من عنده وإنما يضع خطًّا تحت الصواب.
ب- إذا اعتمد الطالب على مجرد التخمين فقط، ولم يكن له أيّ علم بالمادة قد يحصل على نسبة ٣٠٪ أو أكثر من الدرجات.
جـ- سهولة الغشّ عند من لا ضمير لهم..!!.
ولعلّه لو أخذ بنظام إنجلترا في هذا الموضوع، إذ يخصم من الطالب درجات إذا اختار إجابة غير صحيحة.
· والتقيت باثنين من المدرسين في المرحلة المتوسطة فقالا:
أولًا: الشخصية الوحيدة التي تستطيع تقييم التلميــذ تقييمًا صادقًا هي التي عاصرته في جميع أحواله، وهي بلا شك شخصيّة أستاذه فامنحوها الثقة والسلطة تمنحكم التقرير السليم.
ثانيًا: نؤكد لكم أن الامتحان بصورته الحالية في الكويت لا يعطي الصورة الحقيقية عن كفاءة الطالب، وحسبك أن تعلم الآتي:
كنت أراقب في إحدى لجان الامتحانات العامة ورأيت بعض الطلبة ينتقلون من أماكنهم، والغش على مستوى عال، فصحت زاجرًا وناهيًا، فصاحوا من ورائي، وذهبت إلى رئيس اللجنة، حيث قال لي: لا نريد إزعاجًا..!!.
والأدهى من ذلك ما يحدث في «الكونترول»، مثلًا يحصل الطالب على 8 درجات، فتأتي لجنة الرأفة لترفعها إلى ۱۲ درجة، ثم تأتي النسبة العامة ۲0 ٪ مثلًا، فتأتي الأوامر بزيادة 4 درجات لكل تلميذ، حيث تصمد النسبة إلى ٥٠٪ مثلًا أو أكثر.
· أليس من الأولى أن يُلغى هذا النظام الذي لا يؤمن بجدارة المسؤولين، ويتحايلون على الإفلات منه..!!، إفلات على حساب الجيل الذي سيتحمل المسؤولية في عصر لا تنفع فيه الشهادات بجوار الكفاءات..!!.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل