; الانتخابات الأوروبية: تكريس نزعة الانكماش على الذات وعودة اليمين المتصلّب | مجلة المجتمع

العنوان الانتخابات الأوروبية: تكريس نزعة الانكماش على الذات وعودة اليمين المتصلّب

الكاتب د. محمد الغمقي

تاريخ النشر الثلاثاء 28-يونيو-1994

مشاهدات 73

نشر في العدد 1105

نشر في الصفحة 42

الثلاثاء 28-يونيو-1994

انتهت الانتخابات الأوروبية يوم ١٢ يونيو الجاري في العديد من بلدان أوروبا الغربية بتكريس النزعة نحو الانكماش على الذات في ظروف اقتصادية عصيبة متأزمة وحياة سياسية محكومة بمواعيد انتخابية ومهتزّة بفضائح مالية وأخلاقية. فقد كان هذا الموعد الانتخابي فرصة لتمحيص درجة حرارة تفاعل الرأي العام الأوروبي الغربي مع حكوماته، وبيّنت النتائج أن الحِس الأوروبي ليس حاضرًا بقوة لدى شعوب البلدان الغربية، وذلك إنه على مجموع ٣٤٠ مليون ساكنًا لم يذهب إلى أداء واجبه الانتخابي سوى عدد محدود، بالإضافة إلى أنه من بين هذا العدد من الناخبين احتفظت نسبة كبيرة منهم بأصواتهم.

وهذا يعني أن الخطاب الرافض لاتفاقية ماستريخت التي من المفروض أن تدخل أوروبا في وحدة حقيقية عبر توحيد العملة النقدية وإقامة الوحدة الاقتصادية ووضع سياسة خارجية للأمن المشترك واستكمال البناء الأوروبي الذي بدأ باتفاقية روما عام ١٩٥٧م. هذا الخطاب وجد صدى لدى الشعوب الأوروبية التي لم تتحمس لانتخاب نواب البرلمان في ستراز يورغ لشعورها بمفارقات كبيرة بين النظريات والواقع.

أزمة مصداقية

فهناك أزمة اقتصادية واجتماعية حقيقية فالإحصائيات تشير إلى وجود حوالي ٢٠ مليون عاطل عن العمل في أوروبا، وأكثر المتضررين من أزمة البطالة هم الشباب، فهؤلاء يمثلون 25% من القوة العاملة لكن نسبة البطالة في صفوفهم تتجاوز 40% ومعلوم أن هذه المعُضلة أقضت مضاجع الساسة والخبراء في أوروبا وحتى خارجها في البلدان التي تطبق النموذج الاقتصادي الغربي - عواقبها خطيرة على تماسك النسيج الاجتماعي وعلى التوازن النفسي والعقلي للإنسان، الشيء الذي يفسر انتشار المخدرات والانتصارات والأمراض الجنسية، خاصة في ظل فراغ عقائدي وانهيار قيمي.

وفي المقابل، تشهد الحياة السياسية الغربية سلسلة من الفضائح المالية والأخلاقية تورط فيها مسئولون كبار وموظفون في أجهزة الدولة في الوقت الذي تتنافس فيه الأحزاب السياسية على كسب أصوات لفائدة مرشحيها في انتخابات داخلية وبلدية أو تشريعية أو رئاسية وترفع شعارات بالتقدم والنمو وتقدم وعوًدا بحل أزمة البطالة والتخفيض من الضرائب، لكن شعور الإحباط لدى قسم هام من الرأي العام يدفع هؤلاء إلى التشكيك في مصداقية الخطاب السياسي وفي مدى نجاعة البعد الأوروبي في حل القضايا الداخلية. 

من هنا فإن الخطاب المتنامي التأثير هو الذي يركز على البعد المحلي القومي، وأنصاره في تزايد بطيء ولكن مستمر بحيث تمكنت الأحزاب اليمينية «المحافظة» أو العنصرية المتصلبة من سحب عدد من الأصوات من الأحزاب الاشتراكية أو التي تنادي بأوروبا فيدرالية، وبدأ التنافس شديدًا بين النزعة الفيدرالية المنفتحة على بعضها والنزعة الانكماشية والمنغلقة التي مع إيمانها بالوحدة الأوروبية فإنها تحذر بقوة من تلاشي سيادة البلدان الأوروبية في إطار الاتحاد الأوروبي وهياكله التي ستتجاوز قراراتها سلطة القرار على المستوى الوطني ويدعو هذا الشق المتصاعد إلى أوروبا الأمم القائمة على احترام القوميات وتكمن في طياته النعرة العرقية والعنصرية.

الاعتبارات القومية

وتوضح القراءة المفصلة لنتائج الانتخابات في مختلف بلدان الاتحاد الأوروبي طغيان الاعتبارات القومية والمحلية على المناخ الذي ساد هذه الانتخابات. 

ففي فرنسا، حيث كانت نسبة المشاركة أعلى بقليل من (55%) مقابل (49%) في الانتخابات السابقة عام ١٩٨٩م، كانت السِمة البارزة هي تعنُت الخريطة السياسية وتراجع الأحزاب الكبرى من اليمين واليسار بالرغم من التفوق النسبي لقائمة بوديس التي تمثل خط الحكومة اليمينية على قائمة روكار رئيس الحكومة الاشتراكية سابقًا، وبرزت قائمتان: الأولى برئاسة دوفيليه، والثانية برئاسة برنارد تابي تحصلنا على 12% لكل قائمة، ولئن كانت القائمة الأولى قد سحبت أصواتًا لقائمة الحكومة فهي تصب في النزعة الانكماشية المتصلبة إلى حدّ اعتبارها نسخة قريبة من الطروحات «لوبان» زعيم «الجبهة الوطنية» العنصرية والتي حصلت على ١٠٪ من الأصوات.

أما قائمة تأبي فيرجع نجاحها إلى شخص هذا الأخير - رجل أعمال يهودي وإلى السند الذي لقيه من الإليزيه «الرئاسة» رغم الفضائح التي لحقت بهذا الرجل قبل وأثناء الحملة الانتخابية، وأستطاع بأسلوبه الخاص كسب أصوات العديد من الشباب علمًا بأنه كان وزيرًا للمدينة ومطلعًا على مشاكل الضواحي والأحياء الحساسة، وبذلك سيلعب الورقة الاشتراكية في الانتخابات الرئاسية القادمة في مارس «آذار» ۱۹۹۰م. 

والملفت للنظر أن «قائمة سراييفو» أو بالتحديد «أوروبا تبدأ من سراييفو» حصلت على نسبة ضعيفة جدًا بعد أن كانت الإحصائيات تشير إلى إمكانية حصولها على 12% عند بروزها إلى الساحة، ولعل تراجع الفيلسوف اليهودي ليفي الذي كان وراء هذه المبادرة بحجة عدم إحداث اضطراب داخل شعبية الأحزاب الكبرى والاكتفاء بإثارة قضية البوسنة والتذكير بأهميتها ضمن البعد الأوروبي، كل هذه العوامل كانت وراء فشل هذه القائمة مما يؤكد أن الحسابات السياسية كانت هي الطاغية على أصحاب المبادرة وليست القناعات العميقة بعدالة نضال المسلمين البوسنويين في الدفاع عن أنفسهم ضد جرائم الصِرب وحملات التطهير العرقي التي يقومون بها على مرأى ومسمع العالم.

20 مليون عاطل في أوروبا أكثرهم من الشباب وهذه المشكلة أقضت مضاجع الساسة والخبراء في داخل أوروبا وخارجها.

تنامي اليمين المتطرف

وبالمقارنة إلى فرنسا، فإن حكومة كول الألمانية أثبتت أنها أكثر شعبية ومصداقية حيث فاجأت نتائج الانتخابات في ألمانيا المراقبين وأرجع بعضهم هذا النجاح إلى تماسك الاقتصاد الألماني بالمقارنة بالوضع الاقتصادي في بقية الدول الغربية، الشيء الذي يؤكد دور البلد مستقبلًا في القارة الأوروبية. 

أمّا في بريطانيا وإسبانيا، فقد سجلت الانتخابات الأوروبية تراجعًا كبيرًا لحكومة المحافظين برئاسة ميجور والحكومة الاشتراكية برئاسة غونزلاس بعد 12 سنة من الحكم.

وتعكس هزيمة المحافظين احتجاجًا شعبيًا على سياسة ميجور الذي تعدّ حكومته الأقل شعبية منذ ١٩٤٥م وهو من أنصار أوروبا «ذات مستويات عديدة» وأستفاد الحزب العمالي البريطاني من هذا التراجع «التاريخي» المشابه لتراجع الحزب الاشتراكي في إسبانيا الذي خسر لأول مرة انتخابات على الصعيد الوطني منذ وصوله إلى الحكم في أكتوبر ١٩٨٢م. لكن الملاحظ أن هزيمة الاشتراكيين تخفي صعودًا لليمين المتصلّب متمثلًا في الحزب الشعبي وذلك منذ وفاة فرانسكو في ٢٠ أكتوبر «تشرين الأول» 1975م، وهذا الحزب يحنّ إلى أطروحات هذا العسكري الذي ذاق منه الشعب الإسباني الأمرِّين. 

وقد شهدت بلجيكا أيضًا تصاعدًا لليمين المتطرف حيث استفادت «الجبهة الوطنية» من الاحتجاج الشعبي على سياسة الحكومة، أما في إيطاليا فإلى جانب تحقيق رئيس الحكومة اليمينية حاليًا برليسكوني انتصارًا كبيرًا فقد استطاعت الأحزاب الفاشية والجهوية التقدم في شعبيتها، الشيء الذي زاد من المخاوف الأوروبية لدى بعض صانعي القرار من تحالف الأحزاب اليمينية العنصرية والفاشية في البرلمان الأوروبي وتكوين لوبي معرقل للانفتاح الأوروبي ومكرس للنزعة القومية الانغلاقية.

وتجدر الإشارة إلى أن اليونان تشهد -حسب نتائج الانتخابات- تصاعد اليسار المتطرف، حيث حصل حزب «الربيع السياسي» على 8,5% من الأصوات مقابل 4,9% في انتخابات داخلية في أكتوبر الماضي.

ومعلوم أن هذا الحزب أنسحب من حزب «الديمقراطية الجديدة» الذي يعتبره متساهلًا في المسألة المقدونية، ذلك أن اليونان تريد فرض سيطرتها وديانتها الأرثوذكسية على مقدونيا المسلمة - وهي المرحلة المقبلة التي يتوقعها الخبراء في منطقة البلقان بعد محاصرة مسلمي البوسنة وتقسيم أراضيهم وفرض الهيمنة الصربية المدعومة من الغرب ومن اليونان وروسيا بالخصوص.

ومن خلال استعراض نتائج الانتخابات في أهم بلدان الاتحاد الأوروبي يتبيّن بأن الاتجاه الرسمي الأوروبي الدافع إلى التوحد المنافسة القوى الأخرى يصطدم براي عام متشائم ومكيل بالأزمات الداخلية ومائل إلى الانكماش على الذات تخوفًا من المستقبل.

الرابط المختصر :