العنوان الانتخابات البلدية في كردستان العراق ومؤشرات نجاح التيار الاسلامي
الكاتب د. علي محيي الدين القرة داغي
تاريخ النشر الثلاثاء 29-فبراير-2000
مشاهدات 73
نشر في العدد 1390
نشر في الصفحة 41
الثلاثاء 29-فبراير-2000
أجريت مؤخرًا انتخابات المجالس البلدية في المحافظات التي تخضع لسلطة الاتحاد الوطني الكردستاني في كردستان العراق، وقد جرت المنافسة بين أحد عشر حزباً منها الحزب الحاكم، والاتحاد الإسلامي الكردستاني، وحركة الوحدة الإسلامية والأحزاب الشيوعية واليسارية وغيرها، وقد أسفرت نتائج الانتخابات عن أمور في غاية من الأهمية منها:
أ - نجاح الاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة الأستاذ جلال الطالباني في الانتخابات بنسبة ٦٩٪، وهذا شيء طبيعي، حيث إنه الحزب الحاكم، وله نضاله المعروف من عقود عدة، إضافة إلى أن أعضاء هم الذين يديرون تلك المناطق منذ سنوات عدة ويسيطر الاتحاد الوطني على محافظة السليمانية وعدد كبير من الأقضية والنواحي التابعة لمحافظة كركوك، بينما تسيطر على كركوك وبعض مناطقها الحكومة العراقية المركزية وأما محافظة أربيل «العاصمة» ودهوك، فهما تحت سيطرة الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة الأستاذ مسعود البرزاني، حيث لا يستبعد إجراء انتخابات مماثلة في القريب.
ب - نجاح التيار الإسلامي بحزبيه «الاتحاد الإسلامي الكردستاني وحركة الوحدة الإسلامية» بنسبة تقارب ٣٠٪، حيث حصل الاتحاد الإسلامي على ١٩.٥٪ من الأصوات والحركة على ١٠٪ من الأصوات وهي نسبة ممتازة بكل المعايير، سنقوم بتحليلها لاحقاً..
ج - فشل التيار اليساري، الشيوعي فشلًا ذريعًا إذ لم يحصد من الأصوات أكثر من ١٪ على الرغم من وجوده في المنطقة منذ عقود عدة وبقاء رموزه، وإتاحة الفرصة له، وخبرة أعضائه في المناورة والإعلام.
المؤشرات الإيجابية
1- من أهم هذه المؤشرات أن الشعب الكردي مثل بقية شعوب المنطقة شعب متحضر قادر على ممارسة دوره في الديمقراطية والشورى، وليست هذه هي المرة الأولى التي ينجح فيها في هذه الممارسة الحضارية، فقد سبقت له تجربة كانت أوسع وأكبر، وهي تجربة عام ۱۹۹۲م، حيث أجريت انتخابات تمخض عنها برلمان واحد وحكومة إقليمية مكونة من الحزب الديمقراطي والاتحاد الوطني.
2- إن الشعب الكردي مسلم بفطرته، وإن الصحوة الإسلامية ناشطة بين أفراده، وإن التيارات السياسية الحاكمة لا تعارض هذا التوجه، بل لا تعتبر نفسها بعيدة، أو خارجة عنه، بل تعد نفسها في إطار توعية الشعب وقيمه العليا.
3- إن المنطقة الكردية في شمال العراق التي يسيطر عليها الحزبان السابقان تتمتع بجانب كبير من الحرية والديمقراطية بجميع التيارات السياسية، بما فيها التيار الإسلامي، حتى نستطيع القول إن مثل هذه الحرية مفقودة في معظم بلادنا الإسلامية مع الأسف الشديد.
4- إن نجاح التيار الإسلامي بحزبيه «الحركة، والاتحاد»، وحصوله على هذه النسبة يعود إلى اعتبارات عدة من أهمها:
طبيعة الشعب الكردي وفطرته الإسلامية، واعتزازه بالإسلام عقيدة وشريعة ومنهج حياة، وتأثير الصحوة الإسلامية العالمية عليه، حتى برز التيار الإسلامي بهذا الشكل من الشعبية، وقد ساعد على ذلك، فشل التيارات اليسارية والعلمانية عن تحقيق أي خير أو رفاهية أو عزة للأمة على صعيد العالم الإسلامي أجمع، حيث أخفقت هذه التيارات الموالية لأفكار شرقية وغربية في تحقيق أي خير خلال القرن المنصرم، ويرى ذلك في العالم العربي بصورة واضحة.
دخول الإسلاميين على الساحة من خلال أعمال الخير والإغاثة، والمشاريع الخيرية، والبناء، وكفالة الأيتام والأرامل وغير ذلك بما يعني أن الإسلاميين لم ينسوا شعبهم، بل بذلوا كل جهودهم لتقديم كل دعم ممكن لهم، فقد تقدم الخير على الدعوة، وصحبها الإحسان والعمل الطيب، وقد قال الشاعر
أحسن إلى الناس تستعيد قلوبهمو
فطالما استعبد الإنسان إحسان
بل هذا هو منهج الإسلام، حيث قدم الدعوة إلى الخير وبني الفضل والإحسان على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقال تعالى: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران:104) ولا أحد ينكر دور الرابطة الإسلامية الكردية في هذا المجال، فقد قامت بواجباتها الخيرية والإغاثية والدعوية منذ فاجعة حلبجة عام ١٩٨٨م إلى يومنا هذا وقدمت الكثير والكثير للاجئين الأكراد في إيران وتركيا، وبلاد المهجر، قبل توفير المنطقة الآمنة، ثم دخولها في المنطقة بثقل كبير.
3- تضحيات الإسلاميين في سبيل الإسلام والقضية الكردية العادلة والجهاد في سبيل القضاء على المظالم، وذلك من خلال ما قامت به الحركة الإسلامية بقيادة الشيخ عثمان عبد العزيز -رحمه الله ثم بقيادة الشيخ المجاهد علي بن عبد العزيز الذي بذل جهوداً كبيرة في سبيل استقرار المنطقة، وتوحيد الجهود حتى وفقه الله تعالى مع أخيه فضيلة الشيخ المجاهد صديق بن عبد العزيز لتوحيد الحركة والنهضة في جماعة واحدة وحزب واحد سمي حركة الوحدة الإسلامية منذ نحو عام.
4- جهود الاتحاد الإسلامي الكردستاني وخطابه السياسي الحضاري بقيادة الأخ الفاضل الأستاذ صلاح الدين محمد بهاء الدين الذي قاد المسيرة بحكمة بالغة مع إخوانه في المكتب السياسي، حيث كان لخطاب الاتحاد الحضاري دور كبير في توعية الشعب، ولا سيما بين المثقفين والأحزاب السياسية، فأعطى صورة حضارية للإسلام كانت غائبة عن الساحة، فركزت أدبياته على أهمية الشورى، والممارسات الديمقراطية.
وينصب في هذا المضمار جهود الرابطة الإسلامية الكردية في الخارج منذ عام ۱۹۸۸م، حيث تبنت الدفاع عن قضايا الشعب الكردي في كل المؤتمرات والندوات والمحافل الإسلامية، وأصدرت كتبًا ونشرات عدة، من أهمها مجلة نداء الحق «يانكي حه ق» كما أنها قامت مع بعض الإخوة المخلصين بترتيب مؤتمر عالمي إسلامي حول القضية الكردية من المنظور الإسلامي شارك فيه معظم الأحزاب السياسية الإسلامية والكردية.
ومقصدي من ذلك أن الإسلاميين بجميع توجهاتهم لم يبتعدوا عن ضمير الشعب، ولا عن مشكلاته ومصائبه وقضاياه، فعاشوا معهم وعانوا وأوذوا ودافعوا بكل ما أوتوا عن هذا الشعب المظلوم، فقد قام الإسلاميون الأكراد في الخارج بتبني هذه القضايا، ولم يخافوا في الله لومة لائم.
5 - توحيد الجهود بين الاتحاد الإسلامي والحركة -وبالأخص في المناطق التي للحركة قوة عسكرية فيها أعطى مصداقية كبرى للإسلاميين ولتعاونهم البناء المثمر، ونتمنى مزيدًا من التعاون والتكامل والاتحاد في كل القضايا المصيرية. 6- تلك أهم المؤشرات التي تؤخذ من الانتخابات الأخيرة التي تدل من جانب آخر على التعايش التام بين الإسلاميين والأحزاب الرئيسة الأخرى وبالأخص الحزب الديمقراطي، والاتحاد الوطني، حيث أثبتا بالفعل وليس بالنظرية أن الساحة كبيرة تسع كل المخلصين الجادين، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.