العنوان الانتخابات التكميلية لمجلس الشعب المصري: إصرار على المضي في طريق الندامة!
الكاتب د. عصام العريان
تاريخ النشر السبت 03-يناير-2004
مشاهدات 59
نشر في العدد 1583
نشر في الصفحة 26
السبت 03-يناير-2004
حتى على مستوى مقاعد البرلمان أصبح هناك ترسيخ لمبدأ التوريث السياسي.. ذهب النواب المتهربون من أداء الخدمة العسكرية وجاء أبناؤهم، وإخوانهم، وأقاربهم.
الأغلبية المصنوعة للحزب الحاكم لا تتأثر بضياع ١٧ مقعدًا لو ذهبت جميعها للمعارضة ومع ذلك أصر النظام على إهدار أحكام القضاء والتزوير ليحصد كل المقاعد.
الانتخابات التكميلية الأخيرة أطاحت بكل وعود الإصلاح والتجديد التي أعلنها الحزب الحاكم واكتشفت أحزاب المعارضة أنها قد خدعت.
عندما سألني مراسل ومدير مكتب قناة أبو ظبي عن سبب عدم مشاركة الإخوان المسلمين في الأنتخابات التكميلية التي جرت يوم الخامس والعشرين من ديسمبر في عددمن الدوائر الانتخابية لشغل ۲۳ مقعدًا خلت في مجلس الشعب عن ۱۲ محافظة، لخصت إجابتي الموجزة في الأسباب التالية:
- لأنها باطلة دستوريًا وقانونيًا.
- لأنها مسرحية هزلية ينافس فيها الحزب الحاكم نفسه.
- لأنها تسد أبواب الأمل في الإصلاح وتدفع الشباب إلى التفكير في طرق أخرى للتغيير إما بالاستعانة بالاحتلال وإما العنف.
وتمت الانتخابات وسط عزوف شعبي كبير عن المشاركة حيث نقل المراسلون أن نسبة الإقبال لم تتجاوز على أكثر تقدير ٧% ووصلت إلى ٢% في كثير من الدوائر علمًا بأنه لابد- قانونًا- من حضور ٢٠% على الأقل حتى يمكن بدء الفرز وحساب النتائج، ومن المفارقات أن الصفحة الأولى بجريدة الأهرام الرسمية لم يقرأ ما بثه المراسلون فقال: إقبال كبير على الأنتخابات التكميلية، أو لعله يعتقد أن هذه النسب كبيرة قياسًا بما كان يتوقعه من عدم إقبال على الإطلاق.
القصة المحزنة كادت فصولها تكتمل بإعلان ق النتائج بعد تزوير الحضور والاستمارات، ليأتي نواب جدد ورثوا مقاعد السابقين من أهاليهم في تكريس لمبدأ التوريث السياسي، حتى في مقاعد البرلمان.
بدأت الحكاية مع ظهور طعون في استيفاء عدد من نواب الحزب الوطني الحاكم الشرط أداء الخدمة الوطنية «التجنيد»، مما يجعل عضويتهم في البرلمان باطلة، وهنا أول سؤال الم يكن من واجب قيادة الحزب أن تدقق عند الأختيار ثم تدقق حول استيفاء شروط الترشيح؟
جرى جدل طويل حسمه بعد سنتين حكم قاطع للمحكمة الدستورية العليا ببطلان عضوية أولئك النواب الذين ظهر منهم حتى الآن ۱۷ فقط وهناك شكوك جدية حول عدد كبير آخر منهم رئيس المجلس نفسه!!!
وطبقًا للنظرية التي يتبعها النظام في مصر، جری الالتفاف حول حكم المحكمة الدستورية وهنا تفتق ذهن سدنة النظام الذين ورثوا مواقع الذين زينوا لمجلس الثورة ١٩٥٢ حل الأحزاب وإلغاء البرلمان ووراثة البلاد والتحكم في (العباد عن مخرج باطل بقبول استقالة هؤلاء النواب بديلًا عن الحكم ببطلان عضويتهم باطلة أصلًا، والتقريب تصور أن التي هي شخصًا نجح بالتزوير في الإلتحاق بنقابة
الأطباء، وحصل زورًا على عضوية النقابة وعندما أكتشف المجتمع أمره قام بالاستقالة من النقابة بدلًا من القول ببطلان عضويته فهل يعقل أن يستقيل من لا يستحق العضوية أصلًا ويظهر أن الوعود قد بذلت لأولئك الذين دفعوا ثمن العضوية غاليًا ومقدمًا، وليسوا على استعداد لتقديم المزيد ويريدون إتمام عقد العضوية إلى نهاية المدة في الفصل التشريعي وقررت الحكومة ووزارة الداخلية فتح باب الترشيح من جديد في هذه الدوائر بعد أن قبل المجلس بأغلبيته المصنوعة استقالة النواب المتهربين من التجنيد ليفتح المجال لأولادهم وإخوانهم وأقاربهم للترشح لشغل هذه المقاعد.
ونظرًا لأن الحزب الوطني يجدد نفسه وأصبح له فكر جديد، فقد قررت القيادة الشابة أن تفعل «المجمع الأنتخابي»، في هذه الدوائر للتدقيق في الاختيار، وكانت مفاجات مضحكة حيث أنت المجمعات جميعًا تقريبًا، إما بأقارب النواب الباطلة عضويتهم أو بمن رشحوهم وزکوهم، أما شخص مثل د. محمد عبد اللاه رئيس جامعة الاسكندرية وعضو الأمانة العامة للحزب فلم ينجح في المجمع الأنتخابي لدائرة المنتزه بالإسكندرية بفارق صوت واحد قال عنه: إنه أتى به فجأة لحجب الترشيح عنه.
هذا ما يفعلونه فيما بينهم فما بالكم مع غيرهم؟!!!
وهكذا تحترم القواعد في أعلى هيئة في علمًا بأن د. عبد اللاه كان رئيس لجنة الحزب الشؤون الخارجية بمجلس الشعب الأربعة فصول تشريعية.
وحيث صدقت بعض فصائل المعارضة أن هناك حوارًا وطنيًا، وأن هذا الحوار جاد وأن الحزب الوطني سوف يعطيها فرصة لتصحيح وضعها وتحسين صورتها في البرلمان قام مرشحون حزبيون ومستقلون بالطعن على قرار فتح الترشيح وطالبوا أمام القضاء الإداري بأن تقتصر الأنتخابات على من كانوا مرشحين في عام ٢٠٠٠م لأن إضافة أسماء نواب التجنيد كان باطلًا وقد أكتسبوا العضوية الباطلة ومن ثم لا يجب فتح باب الترشيح من جديد.
وهذا ما قضت به أحكام القضاء الإداري (درجة أولى) ثم المحكمة الإدارية العليا (درجة نهائية قولًا واحدًا لا اختلاف فيه وظن البعض أن النظام سيحترم أحكام القضاء هذه المرة وأنه تاب عن إدمان العادة السيئة بعدم أحترام أحكام القضاء أو الألتفاف عليها، ولأن الصورة واضحة، ولأن أغلبية الحزب الوطني في البرلمان لن تتأثر بفقدان ۱۷ مقعدًا أو بعضها للمعارضة خاصة أن الإخوان المسلمين خارج
الصورة، فقد أعلنوا عدم ترشيح أحد وليس لهم مرشحون سابقون إلا قلة لا يتعدون الثلاثة إذا نفذت أحكام القضاء.
ومن المفارقات أن يظهر نائب متهرب من التجنيد قدم استقالته، ثم إذا به يعدل عن بعد أن استطاع أن يزور أوراقه الرسمية ليغير تاريخ ميلاده، وبذلك يصبح مكتسبًا شخصيتين إحداهما صدر ضدها حكم بالتهرب من التجنيد، والأخرى ليس لها ملف تجنيد أصلًا وتم إعفاؤها بسبب من الأسباب المعفية من الخدمة، وهكذا يتم الضحك على الناس في مصر والعجيب أن المجلس بعد أن قبل استقالته إذا به يعدل عن ذلك ويقرر استمرار عضويته في سابقة خطيرة جدًا، قد تفتح الباب للمستقيلين الآخرين للبحث عن حلول فردية بتزوير أوراق جديدة ثم يعودون إلى المجلس للعدول عن استقالتهم السابقة فيكون المجلس أمام أكثر من نائب يتنازعون على المقعد نفسه.
وهكذا تم وضع أعلى مؤسسة دستورية في البلد في مهب الريح وأمام أحكام قضائية ثابتة وفي نزاع ومواجهة مع المؤسسة القضائية.
وقد حاول حزب الوفد أن يقود حملة جريدته لبيان خطر الألتفاف حول الأحكام أو عدم إحترامها وكان الحزب يريد أن يكفر عن خطيئتين شوهنا صورته الليبرالية عندما قبل المشاركة في مهزلة إسقاط العضوية عن نائب الإخوان الأشهر د. محمد جمال حشمت ووراثة المقعد بالأتفاق مع الحزب الوطني، وعندما هاجم الإخوان، محرضًا عليهم ومطالبًا بعدم إعطائهم حقهم الدستوري في تشكيل حزب مدني خاص بهم متوهمًا صدق وعود الحزب الحاكم بأن الحوار الوطني جاد ومنتج وأن الإصلاح السياسي قادم لولا بعض الوعورة التي يتسبب فيها الإخوان والمستقلون.
وظن الوفد أن هذه لحظة إختبار، فإذا تنازل له الحزب الوطني عن بعض المقاعد التي خلت وترك الأنتخابات التكميلية تجري بنزاهة فإن صورة الحزب ستتحسن.
وجاءت الرياح بما لا تشتهي السفن، وأصر الحزب الحاكم والنظام على المُضي في طريق الندامة والإطاحة بكل وعود الإصلاح والتجديد والإصرار على صفع القضاء مرة بعد مرة منذ عام ۱۹۸۷م عندما حكمت المحكمة الإدارية العليا بضرورة تصحيح النتائج في ٨٧ حالة أخطأ كمبيوتر، وزارة الداخلية في حسابهم وخصم حوالي ١٨ مقعدًا من المعارضة لصالح الحزب الحاكم وأعطى الأولوية في مقاعد الفئات للحزب الحاكم بينما أعطى المعارضة مقاعد العمال والفلاحين، وكانت أزمة دستورية وقانونية قال وقتها رفعت المحجوب رئيس البرلمان السابق قولته التي صارت مثلًا: «المجلس سيد قراره ضارياً بأحكام القضاء عرض الحائط.
وجدير بالذكر أن كل المجالس النيابية في العهد الحالي قضى القضاء المصري ببطلانها دستوريًا وقانونيًا لعدم صلاحية قوانين الأنتخابات مرة بسبب حرمان المستقلين من حق الترشح (١٩٨٤) ومرة بسبب عدم تكافؤ الفرص بين المرشحين الحزبيين والمستقلين (۱۹۸۷) ومرة بسبب عدم إشراف القضاء على الأنتخابات (۹۹۰ - ۱۹۹۰) ولعلنا في الطريق البطلان جديد بسبب إحتلال نواب غير جديرين بالعضوية- لأسباب مختلفة- لمقاعد البرلمان.
وهنا نقول: إن الإصرار على المضي في هذا الطريق يعني إرسال رسائل إلى أطراف عدة.
أولًا: إلى الفاسدين والمفسدين: أنكم في حماية النظام وأنكم مطلقو اليد تفعلون ما تشاؤون.
ثانيًا: إلى قضاة مصر: أحكموا ما شئتم وسنفعل ما نشاء.
ثالثًا: إلى الشعب المصري أبحثوا عن وسيلة أخرى للإصلاح والتغيير، فالسعي إلى الإصلاح عبر الأحتكام إلى القضاء مسدود مسدود، والسعي إلى الإصلاح عبر المشاركة في الإنتخابات لا يؤدي إلى نتائج، وعلى الشباب أن ينادي كما فعلت شراذم من مجتمعات أخرى أنقذنا يا بوش، أو أن يلجأ
إلى العنف فلعله يفلح هذه المرة حيث لم يفلح سابقًا.
رابعًا: إلى الرئيس بوش إن مصر التي ناديتها أن تقود مسيرة الإصلاح الديمقراطي المنطقة نظامها غير مستعد للمضي في هذا في الطريق الذي أولى خطواته إنتخابات حرة العوامل عديدة، فهناك أخطار على الطريق تهدد مصالح المفسدين، أو هناك مغانم لم يتم استنزافها حتى الآن، وهناك «متربصون»
بالديمقراطية إذا تمت إنتخابات حرة فسيخطفون النتائج.
خامسًا: إلى أحزاب المعارضة التي قبلت مبدأ الحوار الوطني وجلست في الغرف المغلقة مع قيادات الحزب الحاكم بأنها قد خدعت فلا تنتظروا منا شيئًا، ولسنا جادين في أي حوار أو إصلاح.
أما الإخوان المسلمون فإنهم ثابتون على منهجهم وطريقهم، يعلمون أن الإصلاح المطلوب لابد أن يكون شاملًا، توعية للأمة بحقوقها، وتربية للشباب على المنهج السلمي المتدرج، وحوارًا حقيقيًا مع كل ألوان الطيف السياسي للوصول إلى مساحة واسعة من الأتفاق، وضغطًا مستمرًا على النظام
السياسي ليقبل بالمطالب الجادة ويبتعد عن المساومات الرخيصة، ولن يلجؤوا أبدًا إلى العنف الذي أثبتت كل التجارب أنه مدمر، ولا يحقق إلا مصالح أعداء الأمة، ولن يلجأوا إلى العدو الأجنبي الذي لا يسعى إلا إلى مصالحه فقط وهم صابرون ثابتون رغم الأعتقالات المتكررة والمحاكم العسكرية والتضييق الشديد ويعلمون أن النصر مع الصبر وأن مع العسر يسراً وأن الفرج بعد الشدة وأن الله لن يضيع جهادهم، ولن يترهم أعمالهم، ولن يحرمهم أجورهم، وأن الأمة تعلم علم اليقين من الصادق في نصحها ومن الذين يسيرون بها في طريق الندامة.