; الانتخابات الجماعية تنتهي بتكافؤ بين القوى السياسية | مجلة المجتمع

العنوان الانتخابات الجماعية تنتهي بتكافؤ بين القوى السياسية

الكاتب إبراهيم الخشباني

تاريخ النشر الثلاثاء 24-يونيو-1997

مشاهدات 57

نشر في العدد 1255

نشر في الصفحة 39

الثلاثاء 24-يونيو-1997

عاش المغرب طيلة السنة الماضية على إيقاع سلسلة من الاتفاقات والتعهدات بين الفرقاء السياسيين والحكومة طبعها ما عرف في الإعلام المغربي بـ «التوافق»، و«التراضي»، وتوجت بدستور جديد صوت عليه المغاربة بالإجماع يوم 13 سبتمبر ١٩٩٦م، وأصبحت بموجبه المؤسسات المنتخبة وفقًا للدستور السابق مؤسسات لاغية، مما دعا إلى إجراء انتخابات سابقة لأوانها، «كان المفروض أن تجرى الانتخابات في السنة القادمة ١٩٩٨م».

وقد تم التهييئ لهذه الانتخابات بسلسلة من الإجراءات سعيًا لضمان أكبر قدر من النزاهة وأقل قدر من الطعون وهكذا تم التوقيع بين جميع الفاعلين السياسيين على مدونة الانتخابات، وهذه المدونة التي وافق عليها جميع الأحزاب قبل عرضها على البرلمان الذي صادق عليها يوم ٣١ مارس ۱۹۹۷م تعطي ضمانات جديدة تهم كافة المراحل الانتخابية انطلاقًا من التسجيل في اللوائح إلى إعلان النتائج ودراسة المنازعات الانتخابية والطعون، كما تم التوقيع على ما سمي بميثاق الشرف الذي يتعهد من خلاله الجميع بتقبل النتائج كيفما كانت وفقًا لبنود «المدونة».

وهكذا عرف المغرب يوم ١٣ يونيو الجاري أول الاستحقاقات الدستورية في المسلسل الديمقراطي الجديد ممثلًا في الانتخابات الجماعية البلدية على أن يختم المسلسل بالانتخابات التشريعية في شهر سبتمبر المقبل قبل أن يفتتح جلالة الملك الدورة الأولى للبرلمان الجديد وفقاً للدستور في الجمعة الأولى من شهر أكتوبر.

لقد كانت الانتخابات الجماعية يوم ١٣ يونيو الجاري الأولى من نوعها في المغرب، بحيث أسفرت عن ملامح جديدة للعمل الجماعي والممارسة الديمقراطية وتميزت لأول مرة باعتراف الجميع بأن الإدارة قد لزمت الحياد ولم يسجل عليها أي تدخل في العملية الانتخابية، وإن كانت صحف المعارضة لم يفتها أن تسم حياد الإدارة بالسلبية في إشارة منها إلى سلوك الإدارة السلبي تجاه الخروقات التي مارسها بعض المرشحين سواء في يوم الانتخاب أو خلال الحملة التي سبقته.

وهكذا كان يوم إجراء العملية الانتخابية هو موعد لدخول مصطلح جديد على العقل السياسي للمعارضة المغربية هو الحياد السلبي للإدارة عوضًا عن المصطلح القديم الذي كانت تستعمله صحف المعارضة للتعبير عن نظرتها لسلوك الإدارة في السابق وهو مصطلح «تدخل الإدارة».

ومع ذلك فحياد الإدارة لا يعني أن هذه الانتخابات الجماعية لم تعرف أي خروقات إذ بشهادة الجميع - معارضة وأغلبية وإدارة - شابت هذه العملية عدة سلوكات منافية لمقتضيات النزاهة - كرشوة الناخبين أو اللجوء إلى العنف، الشيء الذي يعرفه المغرب لأول مرة في تاريخه السياسي الحديث، حيث سجل مقتل أربعة أشخاص وجرح - أكثر من عشرة أو تدخل بعض أعوان السلطة الذين تم بالفعل اعتقال من ضبط منهم يتدخل لصالح هذا المرشح أو ذاك.

والحقيقة أن الخروقات وأعمال العنف التي تعرض لها بعض المرشحين أو من يناصرهم كانت بفعل منافسين لهم ولم يكن للسلطة يد فيها، وذلك باعتراف كل الأحزاب بما فيها المعارضة التي دعاها أحد أقطابها إلى «استخلاص الدروس من نتائج الانتخابات الجماعية استعدادًا للاستحقاقات المقبلة، وانتصارًا للتناوب الديمقراطي».

أما أحزاب الأغلبية اليمينية، فقد استمرت في التأكيد فقط على الطابع الإيجابي للأجواء التي أجريت فيها هذه الانتخابات سواء خلال الحملة الانتخابية أو يوم الاقتراع، وإن كان أحد أحزاب تكتل الوفاق ، الحركة الشعبية، قد أشار إلى أن جميع الخروقات التي عرفتها هذه الانتخابات ارتبطت بتصرفات يقوم بها الناخبون والمرشحون أما الإدارة فقد التزمت الحياد، كما تميز عمل اللجنة الوطنية لتتبع العمليات الانتخابية باليقظة وحافظ القضاء على استقلاله.

وعلى الرغم من تصريحات المعارضة فإنها قد قبلت بنتائج الاقتراع مادامت الإدارة قد التزمت الحياد وإن كان برأيها حيادًا سلبيًا.

وكما هو معلوم فقد شارك من التيار الإسلامي بعض أعضاء من «حركة التوحيد والإصلاح» بصفة لا منتمي بعد أن تعذر عليهم الغطاء القانوني، إثر قرار الأمين العام لحزب «الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية» الانسحاب في آخر لحظة من الانتخابات ككل، مما جعل حجم مشاركتهم محدودا «لم يتجاوز الألف مرشح»، وقد فاز عدد منهم ببعض المقاعد، ويمكن من خلال هذه النتائج تقديم عدة قراءات وإن كانت لا تعطي صورة واضحة عن الخريطة السياسية في المغرب.

فأحزاب الكتلة الديمقراطية قد فازت مجتمعة بـ ٣٤.71 % من أصوات الناخبين، بينما فازت أحزاب الوفاق الوطني بـ ٢٦% وأحزاب الوسط بـ ٢٥% في حين حصلت باقي الأحزاب ومعها اللامنتمون على حوالي ١٥%.

وهكذا فإن الانتخابات الأخيرة لم تحدث تغييرًا مؤثرًا على موازين القوى في الخريطة السياسية المغربية، فرغم تقدم أحزاب المعارضة «الكتلة الديمقراطية»، على أحزاب الأغلبية الوفاق الوطني حوالي 3٤% من أصوات الناخبين مقابل ٢٦ % فقط الأحزاب «الوفاق»، فإن أمر الحسم يبقى في يد أحزاب وسط اليمين التي حصلت على ٢٥ من الأصوات ، وكذلك الأحزاب الأخرى التي دخلت الانتخابات خارج التكتلات والتي حصلت ومعها المرشحون اللامنتمون على حوالي ١٥% وهي كلها أحزاب لها مرجعية وميول يمينية، وهي أقرب إلى أحزاب «الوفاق الوطني»، منها إلى أحزاب «الكتلة الديمقراطية»، مما يعني أنه إذا ما أفرزت الانتخابات التشريعية المقررة في سبتمبر المقبل نفس النتائج، فإن التناوب الذي ظل يأمله الجميع منذ بداية عقد التسعينيات لن يحصل، ولن تتولى المعارضة إدارة شؤون البلاد في هذا القرن على الأقل، إلا إذا قرر أكبر أحزاب الوسط «التجمع الوطني للأحرار» الانضمام إلى أحزاب المعارضة وعدم الاستمرار في دعم أحزاب الأغلبية السابقة وهذا احتمال جد وارد في نظر أغلب متتبعي الشأن السياسي المغربي، أو إذا ما حدثت المفاجئة وحصلت أحزاب الكتلة على أغلبية تخولها إمكانية تشكيل الحكومة، دون حاجة إلى دعم الوسط.

وهو احتمال أيضًا وارد بما أن الانتخابات الجماعية البلدية التي لها طابع اجتماعي خدماتي أكثر منه طابعًا سياسيًا لا يعطي حقيقة الخريطة السياسية بوضوح، كما تجليها الانتخابات التشريعية التي هي المقياس الحقيقي لموازين القوى السياسية.

ففي الأولى يصوت الناس عادة للشخص الذي يعرفونه في حيهم ويثقون فيه أكثر من تصويتهم على البرنامج السياسي أو الهيئة السياسية ، بينما يصوتون في الثانية للهيئة السياسية والبرنامج الذي تقترحه عليهم، وهذا ما حصل بالفعل في الانتخابات السابقة، حيث لم يحصل حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية مثلًا في الانتخابات الجماعية إلا على 7% من الأصوات بينما حصل على حوالي الثلاثين في المائة في الانتخابات التشريعية في ١٩٩٣م.

يبقى إذن أمر معرفة الخريطة السياسية المغربية بوضوح مرجًأ إلى الانتخابات التشريعية المقبلة.

الرابط المختصر :