; الانتخابات الرئاسية اليمنية (2 من 3) | مجلة المجتمع

العنوان الانتخابات الرئاسية اليمنية (2 من 3)

الكاتب مالك الحمادي

تاريخ النشر الثلاثاء 14-سبتمبر-1999

مشاهدات 51

نشر في العدد 1367

نشر في الصفحة 30

الثلاثاء 14-سبتمبر-1999

الإسلاميون والرئيس: اتفاق الحرب.. واختلاف السلم

  • محطات صعبة مع: تمرد الشيوعيين.. إعلان الوحدة والانفصال. قضايا الدستور والتعليم
  • الإسلاميون فضلوا الخروج إلى المعارضة على تحمل مساوئ برنامج الإصلاح الاقتصادي 

في زمن مبكر من موعد الانتخابات الرئاسية في اليمن أعلن «التجمع اليمني للإصلاح» - حزب المعارضة الأول - ترشيحه للرئيس علي عبد الله صالح ليكون مرشحه في الانتخابات المقبلة، ومنذ ذلك الحين - في أكتوبر الماضي - قامت الدنيا ولم تقعد وثارت واحدة من أكبر الزوابع السياسية والإعلامية المتصلة بالانتخابات الرئاسية.

 إذا كنا سنتحدث في الحلقة المقبلة - بإذن الله تعالى - عن أسباب هذا الموقف، إلا أنه من الضروري - لفهم خلفياته التاريخية والسياسية - أن نستعرض تاريخ العلاقة بين التيار الإسلامي في اليمن والرئيس علي عبد الله صالح.. فطوال العشرين سنة الماضية أدى اتفاق الطرفين إلى تحقيق نتائج مهمة حاسمة أثرت على التطورات السياسية في المجتمع اليمني، وحسمت قضايا خطيرة ظلت معلقة بلا حلول فترة طويلة.

نهاية الترقب: عندما جاء الرئيس علي الله صالح إلى السلطة في يوليو 1978م لم يكن الإسلاميون حينها قد صاروا رقمًا صعبًا في الحياة السياسية اليمنية، وباستثناء بعض الشخصيات الشهيرة - مثل الشيخ عبد المجيد الزنداني -  فإن الحركة الإسلامية لم تتعامل مع السلطة بشكل جماعي يعبر عن تنظيم.

وبعد هزيمة «الشمال اليمني» في حرب 1979م مع النظام الشيوعي في «عدن» قرر الإسلاميون حينها أنه حان زمن التخلي عن موقف المترقب، بعد أن ثبت عجز الدولة عن مواجهة التمرد الشيوعي الذي ازداد زخمًا وعنفوانًا في تلك الفترة التي شهدت أسوأ مراحل تدهور الأوضاع السياسية في الشمال «سابقًا».

كما كان من نتائج حرب 1979م قبول السلطة في «صنعاء» الدخول في مفاوضات ندية مع قيادة التمرد الشيوعي عقدت في أحد الفنادق الشهيرة في صنعاء، وأسفرت عن اتفاق بين الطرفين يقضي بمنح الشيوعيين حقائب وزارية عدة وقبولهم كطرف أساسي في السلطة. 

وقبيل التوقيع النهائي على الاتفاق الذي عرف باتفاق فبراير 1980م كان وفد يمثل الحركة الإسلامية يلتقي بقيادة الدولة رسميًا، ويبلغها بقرار الإسلاميين القيام بمواجهة التمرد الشيوعي عسكريًا.. ويطلب- في المقابل - من الدولة تقديم الدعم المادي، وإيقاف الاتفاق مع الشيوعيين. 

لم يكن قرار مواجهة المد الشيوعي من قبل الإسلاميين سهلًا، لكن تطورات الأوضاع لم تترك أمامهم مفرًا من ذلك.. خاصة أن الإسلاميين من أبناء المناطق الواقعة تحت سيطرة الشيوعيين كانوا يرون بأعينهم ماذا يعني سيطرة الشيوعيين الذين كانوا يرون في «الإخوان» العدو الرئيس لهم!

مجموعات مقاتلة

كان الإسلاميون قد بدأوا في تكوين مجموعات مقاتلة في المناطق الملتهبة، ونظموا المواطنين والمتضررين من المتمردين الشيوعيين في إطار عسكري أطلق عليه فيما بعد اسم «الجبهة الإسلامية»، كما شنوا حملات توعية ضد الفساد من جهة وضد الشيوعيين من جهة أخرى، مما أكسبهم قبولًا لدى المواطنين، فقد وضع الإسلاميون أيديهم على الجرح الحقيقي، وهو فساد الإدارة والظلم الذي عانى منه المواطنون. 

وفي المقابل فقد كان لزامًا على الإسلاميين أن يوضحوا للشعب أن الحل ليس في الشيوعية ولكن في إقامة العدل على أساس الإسلام. 

نجحت خطة الإخوان في مواجهة الشيوعيين وحققوا انتصارات في مواجهتهم معهم، واتسعت ميادين الجهاد لتشمل أكثر من منطقة يسيطر عليها المتمردون.. وبدأ الشيوعيون يستيقظون على حقائق جديدة لم يصدقوا أنها سوف تبرز أمامهم منذ إعلان تمردهم ضد السلطة في صنعاء عام 1970م وخسروا - للمرة الأولى - مواقع حصينة الواحدة تلو الأخرى حتى أوشكوا على الهزيمة الكاملة عام 1982م، وبدأت السلطة في صنعاء تغير من خططها مع الأحداث، وصار اتفاق فبراير 1980م «في خبر كان» وبدأت على الفور عملية تنمية في المناطق التي تخلصت من سيطرة الشيوعيين، واستعادت الدولة سيطرتها على مناطق شاسعة لم تطأها أقدام رجالها سنوات طويلة.

وبالطبع انعكست انتصارات الإسلاميين على علاقتهم مع الرئيس علي صالح، وبدأ نجم الحركة الإسلامية في البزوغ منذ ذلك الحين، ووجد الرئيس في الإخوان حلفاء يحرصون على مراعاة حقائق الواقع السياسي المحلي والخارجي، ولا يفرضون شروط المغرور بقوته.

وأكثر من ذلك، فعندما طالبت السلطة الإسلاميين - بعد هزيمة التمرد الشيوعي - بتصفية معسكراتهم وتسليمها بما فيها للدولة، استجاب الإخوان للطلب وعادوا إلى مواقعهم المدنية السابقة، مكتفين بما حققوه من مكاسب للوطن.. لكنهم ضمنوا حرية الدعوة والاعتراف بهم كقوة سياسية مؤثرة.

 وانخرط الإسلاميون في تنظيم «المؤتمر الشعبي العام» الذي أعلن عن تأسيسه في أغسطس 1982م وشكلوا أقوى تيار سياسي منظم داخله، لكن سنوات الثمانينيات اتسمت بأنها سنوات الصراع غير المعلن للحفاظ على مكتسبات الحركة الإسلامية التي تمثلت حينها في انتشار «المعاهد العلمية» التي كانت مناهجها تقدم جرعة قوية من الثقافة والعلوم الإسلامية، مما جعل مراكز النفوذ المعادية للإسلاميين تحرص على تحريض الدولة ضدهم وتخويفها من انتشار نفوذهم وازدياد نفوذهم الشعبي الذي تمثل في عدد من المجالات مثل الاتحادات الطلابية والتعاونيات، وآخرها انتخابات مجلس الشورى عام 1988م التي برز فيها الإسلاميون كأقوى تيار سياسي منظم بالبلاد. 

وعلى الرغم من أن التيار المعادي للإسلاميين فشل في تحقيق هدفه الرئيس في إلغاء المعاهد العلمية والإيقاع بين الإخوان والرئيس علي صالح، إلا أنه حقق بعض الأهداف الجزئية مثل تقليص نفوذ الإسلاميين في وزارة الأوقاف التي كانوا يتولون فيها قطاع الدعوة والإرشاد، ونجحوا من خلاله في بث الوعي الإسلامي من خلال المحاضرات واستضافة رموز الفكر الإسلامي.

سنوات القلق

لا شك في أن الإعلان عن الاتفاق بين «صنعاء وعدن» لتحقيق الوحدة الاندماجية كان مفاجئًا للإسلاميين الذين كانت معلوماتهم أن هناك نية لتحقيق نوع من الكونفدرالية على الأقل وبتحقيق وحدة شطري اليمن، دخل الإسلاميون جولة جديدة من الصراع الفكري والسياسي مع خصومهم الاشتراكيين الذين صاروا شركاء في السلطة الحاكمة بصنعاء.

وقد أدى قيام دولة الوحدة في اليمن إلى قيام حاكم ثنائي يجمع بين المؤتمر الشعبي العام والحزب الاشتراكي اليمني، واضطر الإخوان إلى تنظيم سياسي جمع بينهم وبين عدد من المشايخ ورجال الأعمال والمثقفين والعلماء، وتمكنوا في خلال أشهر عدة - بعد الوحدة - من ترتيب صفوفهم، والخروج إلى العلنية بحزب جماهيري واسع تبوأ صدارة المعارضة بزعامة الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر.

 وأثبت الإسلاميون من خلال الطور السياسي الجديد الذي ظهروا به، جدارتهم السياسية، وحجزوا لأنفسهم موقعًا متقدمًا بين الأحزاب الحاكمة والمعارضة على السواء.. وظلوا طوال المرحلة الانتقالية «1990 - 1993م» يواجهون استحقاقات صعبة متعددة فرضتها ظروف التحالف بين الرئيس علي صالح والاشتراكيين الذين - وإن كانوا أعلنوا تخليهم عن الشيوعية - إلا أنهم ما كانوا ليقبلوا بأن تكون دولة الوحدة اليمنية إسلامية وفق ما يريده الإسلاميون أو حتى وفق النمط التقليدي الذي كانت عليه دولة «اليمن الشمالي» سابقًا.

وقد واجه الإسلاميون بعد الوحدة عددًا من التحديات التي جعلتهم يستنفرون كل طاقات التحدي الكامنة في كوادرهم.. وخاضوا مواجهات فكرية وسياسية يمكن إيجازها كالتالي:

  • كان التحدي الأول مواجهتهم لعملية تهميشهم، إذ نجحوا - كما أسلفنا - في تكوين تنظيم جماهيري كاسح استطاعوا من خلاله تحريك الشارع اليمني تأييدًا لأطروحاتهم ومواقفهم، وفرضوا به وجودهم في الشارع السياسي.
  • التحدي الثاني تمثل فيما يعرف بمعركة الدستور، إذ أبدى الإسلاميون منذ ما قبل إعلان الوحدة جملة من الاعتراضات عليه، واعتبروا أن الدستور بصيغته تلك عبارة عن وثيقة توفيقية بين النظامين السابقين لا تصلح لأن تكون دستورًا ا لدولة وشعب مسلم.

وخاض الإسلاميون مواجهة سلمية طويلة لشرح مواقفهم ومحاولة دفع الائتلاف الثنائي الحاكم لتعديل الدستور قبل الاستفتاء عليه، وكانت ذروة هذه المواجهة تنظيم مسيرة سلمية سار فيها مئات الآلاف من المواطنين، والعلماء، والمشايخ.. تدفقوا من جميع المناطق اليمنية وتجمعوا أمام بوابة رئاسة الجمهورية للتعبير عن تضامنهم مع المطالب المنادية بتعديل الدستور قبل الاستفتاء عليه، ولا سيما المادة الثالثة لتجعل الشريعة الإسلامية المصدر الوحيد للتشريع.

  • التحدي الثالث كان يتعلق بقانون التعليم، ويشكل هذا التحدي مع تحدي الدستور محورًا مهمًا للخلاف بين الإسلاميين والعلمانيين تركز حول هوية الدولة وهوية التعليم، إذ كان الإسلاميون يحرصون على أن تكون الهوية الإسلامية واضحة في كل ذلك، لكن الحزب الاشتراكي نجح في فرض مشروعه الخاص بقانون التعليم، وفشلت كل محاولات الإسلاميين في إدخال تعديلات جذرية.

وقد ساعد على ذلك أن حزب الرئيس على صالح نفسه كان منقسمًا على نفسه تجاه الأمر، ودعم التيار المعادي للإخوان مساعي الحزب الاشتراكي لإقرار قانون التعليم وخاصة إلغاء «المعاهد العلمية».

ولأن القضية كانت أخطر مما يتصوره الاشتراكيون وحلفاؤهم، فقد عمل الرئيس على عبد الله صالح على تجميد إصدار القانون بعد إقراره في مجلس النواب، بعد أن بدا أن إلغاء «والمعاهد العلمية» لن يمر بسلام أبدًا.

وطوال الفترة الانتقالية ظلت علاقة الإسلاميين قائمة مع الرئيس علي عبد الله صالح، لكن صالح كان متحالفًا علنًا مع شركائه الاشتراكيين، وعملية التنسيق معهم ملزمة له بحكم اتفاقية إعلان الوحدة، ولذلك وجد الإسلاميون حينها أنه ليس أمامهم من سبيل إلا إلغاء المعادلة السياسية التي حصرت القرار في حزبين اثنين يهيمنان على مقاليد الأمور في اليمن، ويقتسمان كل شيء فيه. 

ولم يكن من سبيل لتحقيق ذلك إلا إحراز نتيجة قوية في أول انتخابات نيابية، واعتبارها موقعة مصيرية لمستقبل الحركة الإسلامية في اليمن، يمكنها من فرض وجودها بجانب أصحاب القرار.

إحياء التحالف

شهدت الفترة الأخيرة من عمر المرحلة الانتقالية بروز الخلافات بين الحزبين الحاكمين في اليمن، وفشلت قياداتهما في دمجهما لأسباب عدة، ومهد ذلك الخلاف لإحياء التحالف بين الرئيس اليمنى والإسلاميين، وبدا أنه يستقوي بهم في مواجهة «الاشتراكي» الذي كان يستقوي - هو الآخر - بمجموعة من الأحزاب اليسارية. 

وفي مايو 1993م فرضت نتائج الانتخابات النيابية الأولى في الجمهورية اليمنية على الحزبين الرئيسين الائتلاف مع التجمع اليمني للإصلاح الذي دخل طرفًا ثالثًا في مجلس الرئاسة والوزارة ورئاسة مجلس النواب، وكان ذلك يعني أن الإسلاميين نجحوا في تجاوز عنق الزجاجة التي وضعوا فيها منذ إعلان الوحدة، وطوال المرحلة الانتقالية التي ظلوا فيها في موقع المدافع الذي يتلقى الضربات من خصمه دون أن يستطيع إيقافها.

وعندما انفجرت الأزمة السياسية الشهيرة في أغسطس 1993م، وبدأ نائب الرئيس السابق «علي سالم البيض» يقود مشروع التراجع عن الوحدة الاندماجية، التحم «الرئيس» والإسلاميون في خندق واحد ضد فكرة الانفصال، وخاض الجانبان الحرب الأهلية ضد مشروع الانفصال حتى نجحا في إفشاله في يوليو 1994م.

 ووصل التحالف بين الطرفين إلى ذروته في تلك الشهور الصعبة التي سبقت الحرب وأثناءها عندما ظهر أن وقوف الإسلاميين إلى جانب استمرار الوحدة وإصلاحها من الداخل، وبالتالي رفضهم لسياسة الاشتراكيين تدعم موقف الرئيس اليمني بقوة، في وقت كان يبدو فيه أن الحزب الاشتراكي نجح في تكوين جبهة عريضة تضم كل المعارضين لعلي صالح، وتقف وراءهم آلة إعلامية وسياسية وعسكرية تعرف ما تريد.

وضرب الإسلاميون المثل في التفاني، وتدفق المئات من الإسلاميين للقتال مع الجيش الرسمي ضمن كتائب شعبية انتشر صيت أعمالها القتالية بين أفراد الشعب.

عهد جديد

وبالطبع أدت النتائج الباهرة لتحالف ميين مع علي صالح إلى فكرة تكوين ائتلاف في أكتوبر 1994م وبدأ عهد جديد من التحالف كان الإسلاميون يعولون كثيرًا على نجاحه في تجاوز اليمن لمشكلاته العويصة، لكن عددًا جديدًا من القضايا أثار خلافات حادة بين الطرفين، وأدى إلى هبوط تدريجي لمستوى التحالف حتى انتهى الأمر في انتخابات 1997م بخروج الإسلاميين إلى صفوف المعارضة وفي حلوقهم مرارة سياسية لا تخطئها عين.

كانت أبرز نقاط الخلاف بين الحزبين المتحالفين تتعلق ببرنامج الإصلاح الاقتصادي، الذي أصر الإسلاميون أن يشمل إصلاحات إدارية ومالية بجانب الإصلاحات السعرية، لكن تطبيق المرحلة الأولى كشف أن حزب المؤتمر الشعبي - الذي يسيطر على الحكومة - غير جاد في اتخاذ إجراءات حقيقية للتخفيف من الاختلالات الإدارية والمالية التي تحبط أي خطوة لإصلاح أوضاع البلاد، وظل هذا الخلاف يسهم في توتير العلاقة بين القطبين السياسيين في اليمن، ولا سيما بعد أن ظهرت الآثار السيئة على المستوى الاجتماعي والاقتصادي.

وبالإضافة إلى ذلك، شهدت العلاقة الثنائية بين الإصلاح والمؤتمر خلافات حول بعض القضايا مثل المشاركة في مؤتمر عمان الاقتصادي، والخلاف الشهير حول مرحلة تسجيل الناخبين عام 1996م الذي أوصل الأمر إلى مستوى خطير تمثل في فتح الإسلاميين لقنوات حوار وتعاون مع الحزب الاشتراكي وحلفائه.

 ولعل مما أسهم في إضعاف العلاقة بين الإسلاميين والرئيس علي صالح هو نجاح تيار د. الإرياني والعميد يحيى المتوكل في السيطرة على قيادة حزب المؤتمر أثناء انعقاد المؤتمر العام الخامس للمؤتمر الشعبي العام 1995م، إذ وضع هذا التيار خطة لتحقيق الأغلبية المريحة في انتخابات 1997م لتمكين حزب المؤتمر من الانفراد بتشكيل الحكومة وإخراج «الإصلاح» إلى المعارضة.

توتر جديد

وعلى الرغم من خروج الإسلاميين من السلطة عام 1997م إلا أنهم ظلوا حريصين على علاقتهم مع الرئيس علي صالح، لعلمهم أنه صاحب القرار الأول في الدولة.. وفي المقابل ظل «الرئيس» حريصًا على ألا تنقطع علاقته بالإسلاميين، فدعم إعادة انتخاب الشيخ عبد الله الأحمر رئيسًا لمجلس النواب للمرة الثانية، بما يعني ذلك من أن «شيخًا» سيكون صاحب دور أساسي في السلطة. 

وليس سرًا أن الإسلاميين عانوا من عملية استئصال إداري بعد خروجهم للمعارضة، فقد كان واضحًا أن التيار المعادي لهم لن يترك الفرصة لتصفية مواقعهم داخل أجهزة الحكومة. 

ومع ذلك حصل الإسلاميون على أوامر من «الرئيس» بإعادة «كوادرهم» المقصية.. لكن بلدًا كاليمن لا يكفي فيه صدور أوامر عليا لإعادة الأمور إلى نصابها! 

والحقيقة - أيضًا - أنه لا يمكن القول إن «الرئيس» غير قادر على إيقاف الإجراءات المتعنتة ضد الإسلاميين، لكن سياسة التوازن التي تتبعها القيادات التي حكمت اليمن، ثم وجود تيار سياسي في قمة الحزب الحاكم معادٍ للإسلاميين، ثم سياسة المعارضة التي يشنها الإسلاميون ضد الحكومة وسياساتها الاقتصادية والاجتماعية، كل هذا يقوي من سياسة تحجيم الإسلاميين خاصة أنهم فضلوا المعارضة على المشاركة في السلطة. 

ويمكن القول إن الإسلاميين يحرصون في سياستهم العامة على التفريق بين موقفهم من الحكومة والحزب الحاكم - بكل تياراته - وموقفهم من الرئيس شخصيًا.. فهم يعلمون أنه حريص على وجود الإسلاميين في الساحة السياسية، وعلى أن يمارسوا دورهم فيها، لكن بالطبع سيبقى هناك خلاف حول ماهية هذا الدور، ومقدار حجمه ومستقبله ولا شك – أيضًا - في أن هناك مخاوف طبيعية من انتشار الإسلاميين وتزايد نفوذهم الشعبي وإن كانت في إطار دستوري وقانوني ، وهو الأمر الذي يميز الإسلاميين في اليمن ويفشل بعون الله كل مخططات التحريض وتفجير العلاقة فيما بينهم وبين الرئيس.

ويبدو واضحًا- من خلال تأمل السنوات الماضية - أن تحالف الإسلاميين والرئيس علي صالح تمكن من هزيمة التمرد الشيوعي في الثمانينيات.. كما نجحوا بتحالفهم في هزيمة مشروع الانفصال في التسعينيات، وفي زمن السلم تبدأ الاختلافات في الظهور تبعًا لموقع كل من الإسلاميين والرئيس.. حتى إنه يقال في اليمن إن الحركة الإسلامية هي صديق الضيق والمغارم، حتى إذا جاء زمن المغانم والسلم يتراجع دور الإسلاميين، وبدأ خصومهم في إثارة المخاوف من نفوذهم، واستغلال المكاسب على حسابهم.

الرابط المختصر :