العنوان الانتخابات الكوسوفية.. مولد أمة..
الكاتب د.حمزة زوبع
تاريخ النشر الثلاثاء 07-نوفمبر-2000
مشاهدات 64
نشر في العدد 1425
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 07-نوفمبر-2000
«الفرق بين سلوبودان ميلوسوفيتش وفيوسلاف كوستنيتشا هو كالفرق بين البيبسي والكوكاكولا»، تعليق لجريدة «الصوت ZERI» الألبانية في كوسوفا.
«التلويح بالعلم الألباني أمام أعين الصرب هو أشبه بمن يلوح براية حمراء أمام ثور هائج» - أوليفر إيفانوفيتش - كبير قادة الصرب في إقليم كوسوفا.
«لقد اشترطنا على الجميع ألا يتم رفع الأعلام والرموز والشعارات القومية فوق المقار الانتخابية» - مسؤول في منظمة الأمن والتعاون الأوروبي التي تنظم الانتخابات المحلية في الإقليم.
«لقد رفعتم رأسي عاليًا، وجعلتموني أشعر بالفخر بممارستكم السلمية أثناء الانتخابات، ولقد أظهرتم التسامح والكرامة والأمل في المستقبل» برنارد کوشنر - الحاكم الدولي المعين من قبل الأمم المتحدة لكوسوفا أثناء تفقده سير العملية الانتخابية.
«وددت لو أجريت الانتخابات كل يوم حتى يزول العنف» - كولونيل كاميلا دي ميلانو المتحدث باسم قوات حفظ السلام معربًا عن سعادته بحالة الهدوء التي سادت الإقليم أثناء الانتخابات.
«هذه انتخابات غير سليمة، لأنها لا تجرى وفق القوانين الصربية» - الرئيس اليوغسلافي الجديد فيوسلاف كوستنيتشا أثناء زيارته لموسكو قبل يوم من انتخابات المحليات في كوسوفا 29\10\2000 م.
«هذا يوم عظيم لكوسوفا، إنه خطوة نحو الحرية والاستقلال والديمقراطية» - إبراهيم روجوبا رئيس حزب الرابطة الديمقراطي الكوسوفي.
«إنهم لا يريدون العيش سويًا، أنا آسف وأنا أقول ذلك، ولكن هذه هي الحقيقة التي أعايشها يومًا بعد يوم - هذا طبيعي بعد قرون من العداء، لا يمكننا تغيير كل شيء في 16 شهرًا» - برنارد كوشنر وهو يدعو العالم لتقبل فكرة استقلال الإقليم.
«نوصى باستقلال مشروط للإقليم، فلا يمكن إبقاء الألبان تحت إمرة الصرب، هذا شيء غير واقعي، الاختلافات العرقية والدينية، ناهيك عن انتهاكات الصرب ضد الألبان.. كلها تشكك في قبول الألبان لفكرة بقائهم تحت الحكم الصربي مرة أخرى» - من تقرير للجنة دولية لرفع الواقع في كوسوفا بمعرفة الأمم المتحدة.
«يجب على الألبان ألا يفكروا أننا نوافقهم على فكرة الاستقلال، لو فعلنا ذلك فسنزيد من تشدد المتطرفين والعناصر الراديكالية في البلقان» - مسؤول غربي مقيم في برشتينا.
«إذا تم الاعتراف بهذه الانتخابات فهذا معناه أن يظل الإقليم أحادي العرق «ألباني صرف» - الرئيس اليوغسلافي فيوسلاف كوستينيتشا، ثم قال مستدركًا: «ولكن إذا كانت الانتخابات حقيقة واقعة -أمرًا واقعًا- وتمت بالفعل، فإننا سننتظر ما تسفر عنه من نتائج».
بعد قراءة العناوين السابقة، يتبين لنا كيف تبدو معضلة إقليم كوسوفا بعد إجراء انتخابات المحليات.
تبدو الأمور معقدة ومتشابكة ومتنافرة، أما كونها معقدة، لأن مصالح الدول الكبرى لا تتقاطع كثيرًا مع مصالح الألبان، ولكنها قد تتقاطع جزئيًا مع مصالح الصرب فأمريكا التي وقفت إلى جانب حركة التغيير في يوغسلافيا بدءًا من ضربات الناتو في العام الماضي مرورًا بتجريم ميلوسفيتش وانتهاءً بدعم المعارضة التي قضت على ميلوسوفيتش، هي نفسها التي رفعت الحصار ولو جزئيًا عن الصرب التي رمتهم بقنابلها وصواريخها، وهي نفسها التي ادعت أنها تحركت لصالح الألبان في الإقليم، ولا أحد يدري كيف ستتصرف أمريكا هل تكافئ كوستنيتشا على إزاحته لميلوسوفيتش وتمنحه حق حكم الإقليم إضافة إلى صربيا والجبل الأسود، رغم نزعته «القومية» المعلنة، أم أنها ستستمر في دعم ألبان الإقليم حتى ينالوا ولو استقلالًا مشروطًا.
أما أوروبا فبعضها يطمع في إرضاء الصرب من أجل استثمار مناجم ميتروفيتسا الغنية بالذهب والنيكل، والبعض الآخر يطمع في دعم الميزان التجاري بين بلاده ويوغسلافيا، وثالثة ترى أن دعم الألبان ليس من ورائه طائل إذا ما قورن بدعم الجبل الأسود ومساعدتها على الانفصال.
أما كونها متشابكة فلأن الدين يدخل في الصراع الدائر، وهناك دول متعاطفة مع صربيا بحكم الدين مثل روسيا واليونان وبلغاريا ورومانيا، وأخرى بحكم الثقافة مثل فرنسا، وأخرى بدوافع اقتصادية مثل ألمانيا، لكنهم جميعًا لا يحبون الألبان ويتهمونهم بالتخلف والهمجية.
أما كونها متنافرة فلأن الغرب الذي وافق على استقلال كل دول الاتحاد اليوغوسلافي رغم أن معظمها يشمل عرقيات مختلفة يرفض اليوم إعطاء مليوني ألباني مسلم حقهم في إقامة دولتهم التي لم يعرفوا سواها.
وهذا الغرب هو الذي صاغ القرار رقم 1244 الذي يمنح الصرب «من خلال نصه على أن تظل كوسوفا ضمن يوغسلافيا» حق ملكية الإقليم ويمنح الألبان حكم أنفسهم، أي أنه أعطى الصرب الأرض ويطالب الألبان بإثبات جدارتهم في ممارسة الديمقراطية فوق هذه الأرض التي لن تكون لهم!!!.
على هامش الانتخابات
هي خطوة مهمة نحو تأكيد السلطة الشرعية للألبان سكان الإقليم، وهي تأتي بعد الإطاحة بميلوسوفيتش، ويعقبها في أوائل العام المقبل انتخابات برلمانية ستكون بمثابة الخطوة الأخيرة نحو إعلان دولة الألبان في كوسوفا، وهي أول انتخابات يمارسها الألبان في تاريخهم المعاصر، وفي إطار من الحرية وبعيدًا عن سلطة الصرب المتعنتة.
وهي أول اختبار حقيقي لسلوكيات الألبان في ممارسة الديمقراطية بعد أن تخلصوا من الجيش اليوغوسلافي، وبعد أن برز على الساحة جيش تحرير كوسوفا وتحوله إلى حزب سياسي هو حزب الشعب الديمقراطي، وبعد أن برزت قيادات سياسية أخرى عدا إبراهيم روجوبا «مسیحی كاثوليكي».
ولفرط أهمية الانتخابات والآثار المترتبة عليها، فقد قام الرئيس اليوغسلافي الجديد فيوسلاف كوستنيتشا بزيارة خاطفة إلى روسيا الحليف التقليدي لصربيا، قبل يومين من إجرائها وكانت على قمة جدول الأعمال بين الطرفين، كوستنيتشا يدرك أهمية هذه الانتخابات، كما يدرك أن روسيا يمكنها أن تعرقل أي خطوة دولية نحو استقلال الإقليم مستقبلًا، لذا جاءت زيارته لجذب روسيا إلى الساحة الدولية مرة أخرى، ومن ناحية ثانية للتشويش على هذه الانتخابات، ولكن الحقيقة أن هذه المساعي قد فشلت إلى حد كبير، والسبب هو الأداء الراقي لألبان الإقليم في هذه الانتخابات، والتي خرجت على نحو لم يتوقعه أكثر المتفائلين من الألبان أنفسهم.
الانتخابات ولغة الأرقام
نستعرض هنا ملف هذه الانتخابات لنبين كيف بدأ حرص كل سكان الإقليم من الألبان على المشاركة في هذا العرس الوطني الكبير، فقد تنافس على مقاعد المجالس البلدية والمحلية البالغ عددها 920 مقعدًا نحو خمسة آلاف وخمسمائة مرشح يمثلون عشرين حزبًا من مختلف التوجهات السياسية، وشارك في الإدلاء بالأصوات نحو 90% ممن لهم حق التصويت البالغ عددهم 900 ألف من أصل 1,9 مليون ناخب، أي أن نحو 810 آلاف ناخب تدافعوا على اللجان الانتخابية وامتد التصويت حتى الساعة الواحدة من صباح اليوم التالي للانتخابات، وذلك بسبب بعض التعقيدات الإدارية التي اعترف بها المراقبون الدوليون.
ورغم مقاطعة صرب الإقليم والذين يقدر عددهم حاليًا بنحو 100 ألف يتركز معظمهم في شمال الإقليم ، إلا أنه من المقرر أن يمنحوا مقاعد في البلديات لضمان تمثيلهم رغم عدم مشاركتهم.
رموز وأحزاب
عشرون حزبًا قد شاركت في هذه الانتخابات لكننا نتوقف هنا عند الحزبين اللذين فازا في الانتخابات، وزعيم كل حزب منهما.
إبراهيم روجوبا 56 سنة حزب الرابطة الديمقراطية الكوسوفي: مسيحي كاثوليكي نال تعليمه العالي في فرنسا، وحصل على درجة الدكتوراه من جامعاتها، أطلق عليه البعض لقب غاندي كوسوفا نظرًا لتبنيه النهج السلمي لمعارضة صربيا، وقف ضد ميلوسوفيتش، وأعلن عن تشكيل حزبه في أوائل التسعينيات، أجرى استفتاء على استقلال الإقليم في عام 1991 م، لم يعترف العالم بنتيجته، اعتقلته القوات الصربية إبان الضربات الجوية للناتو على صربيا، وظهر على الشاشة وهو يصافح ميلوسوفيتش، اتهم بالخيانة لكن سرعان ما عادت إليه سمعته الطيبة بعد أن كشف عن طبيعة لقائه مع ميلوسوفيتش، يحظى بدعم خاص جدًا من الكنيسة الكاثوليكية، وعلى رأسها بابا الفاتيكان، يضم حزبه نخبة من مثقفي ألبان كوسوفا الذين يميلون إلى الثقافة الغربية خصوصًا الفرنسية منها.
يمثل التيار العلماني البحث في الإقليم، لا يرى ضرورة لإفزاع العالم بمقولة ألبانيا الكبرى، كان يحظى بدعم كبير من رئيس ألبانيا السابق صالح بريشا، وانخفض هذا الدعم بدرجة ما مع وصول الاشتراكيين إلى الحكم في ألبانيا في نهاية عام 1998 م.
لا يعرف عنه عداؤه للإسلام رغم تمسكه بالمسيحية واحتفاظه بصورة البابا في مكتبه وبيته.
هاشم ثاتشي 32 سنة حزب الشعب الديمقراطي: يمثل جيل الشباب الثوري وهو رمز عسكري لا غبار عليه، وقد ذاع صيته بعد أن استطاع من خلال قيادته لجيش تحرير كوسوفا قبل ضربات الناتو على صربيا في عام 1999 م، أن يعيد القضية الألبانية إلى مسرح الأحداث، واستطاع إقناع العالم بعدالة القضية وضرورة التدخل أو تحويل المنطقة بأسرها إلى كتلة من النار، اعتبرته أمريكا الورقة الرابحة التي من خلالها يمكن لها أن تعود إلى المنطقة بدلًا من أن تتركها لروسيا والدول الأوربية المتعاطفة تاريخيًا مع صربيا.
انضم إلى جيشه كوادر شبابية من جميع الاتجاهات السياسية بما فيها العناصر الإسلامية، واستطاع أن يقنع الغرب «أنه رجل المرحلة واعترفت به أوروبا ودعي إلى مؤتمر رامبويبه -فرنسا الذي فشل بسبب رفض الصرب التوقيع على ما تم الاتفاق عليه».
استجاب لمطالب المجتمع الدولي واستطاع إقناع رجاله بالتخلي عن السلاح، وتحول جيشه إلى فصيل سياسي تحت اسم حزب الشعب الديمقراطي، كما نجح في أن يكون معظم قوات الشرطة الدولية من بين رجالاته، وهذا ما زاد في شعبيته في أوساط الشباب الذين تمكن بهذا الفعل من توظيفهم في كادر وظيفي محترم في الوقت الذي ما زالت كوسوفا تعاني آثار الدمار.
نال حزبه 27% من الأصوات تُرجمت إلى 6 بلديات فقط، وهذا إنجاز لشاب حديث عهد بالحياة السياسية ولمجموعة ثورية انتقلت وتواءمت بسرعة مع التغيرات، ويبقى أن نقول: إن وجود حزب منافس لحزب إبراهيم روجوبا يعني ضمان عدم انحياز كوسوفا التام لقوة إقليمية أو عالمية واحدة، كما يضمن بقاء حيوية العملية الديمقراطية وعدم عودة الحزب الواحد في بلد يرى النور من جديد.
وقد برز على الساحة السياسية في كوسوفا رمز آخر وهو راموش هاراديناي 32 سنة وهو عسكري من جيش تحرير كوسوفا، وانشق على هاشم ثاتشي، ويعتقد أن انشقاقه جاء بتخطيط غربي لإضعاف جبهة هاشم ثاتشي وحزبه وقد شكل راموش حزبًا جديدًا أطلق عليه اسم «مستقبل كوسوفا».
هذه الانتخابات التي شهد الغرب بنزاهتها ويحسن سير وسلوك الألبان فيها، هي رد اعتبار لهذا الشعب الذي عانى كثيرًا ليس فقط من الصرب بل ومن الغرب أيضًا.