العنوان الانتخابات المصرية حركة داخل السور!
الكاتب عبدالله الصالح
تاريخ النشر الثلاثاء 08-مايو-1984
مشاهدات 70
نشر في العدد 670
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 08-مايو-1984
- الحكومة وأحزاب المعارضة والصحافة تحمل على لقاء الوفد والإخوان!
لم يكن غريبًا أن تهتم الصحافة العربية بتغطية الاستعدادات لانتخابات مجلس الشعب المصري باعتبار أن هذه الانتخابات هي أول انتخابات حزبية شبه حرة تجري في مصر منذ انقلاب ٢٣ يوليو ١٩٥٢م. لكن الغريب أن يجري التركيز على التنسيق بين حزب الوفد وجماعة الإخوان المسلمين، باستهجان واستغراب واستنكار، بل وتحريض واشمئزاز! والأغرب من ذلك أن هذا الاستغراب انقلب إلى هجوم على الوفد والإخوان ليس من قبل الحزب الوطني الحاكم، بل من معظم أحزاب المعارضة خاصة؛ حزب التجمع والعمل والأحرار! بل إن الرئيس المصري نفسه هاجم الوفد دون أن يسميه في خطابه بمناسبة يوم العمال!
وقد وجدت الصحافة العربية والأجنبية خاصة اليسارية منها الفرصة مناسبة للطعن لا في التنسيق بين الوفد والإخوان فحسب، بل بالتشهير بالإخوان والفكر الإسلامي! تمامًا كما تفعل صحافة اليسار في الكويت هذه الأيام، وهنالك إشارات إلى أن نتائج الانتخابات المصرية ستكون خطيرة إلى حد تغيير المعادلة السياسية في مصر وموازين القوى في الشرق الأوسط!
وقبل التكهن بنتائج الانتخابات التي ستجرى يوم ٢٧ من الشهر الجاري، لا بد من استذكار جملة حقائق تتعلق بالوضع السياسي والانتخابي في مصر، والحقيقة الأولى مرة ومؤلمة لا لكل مصري فحسب، بل لكل عربي ومسلم. فمصر بغض النظر عن نتائج الانتخابات المنتظرة لا تتمتع باستقلال سیاسي حقيقي، فهي تكاد تنوء بتركة العهود السابقة الثقيلة، كما أنها مكبلة بالارتهان الأمريكي واتفاقيات كامب ديفيد. والأقسى من ذلك أن استقرارها الاقتصادي مرهون بثلاثة عناصر تتحكم بها قوى سياسية خارجية أو ظروف غير مستقرة؛ فالموارد القومية تكاد تكون محصورة في رسوم قناة السويس، أو تحويلات المصريين في الخارج أو المعونة الأمريكية! وطالما أن النظام المصري باق على ما هو عليه فإن التعويل على وصول بعض الأعضاء المعارضين لمجلس الشعب المصري للتغيير في السياسة المصرية، أمر يصعب التكهن به، بل يصعب التفكير فيه!
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: إذا كانت إمكانية التغيير السياسي في مصر ضئيلة فلماذا تشهد الساحة المصرية تنافسًا كبيرًا بين الأحزاب؟ ولا نجافي الحقيقة إذا قلنا: إن الوجاهة الاجتماعية والنفعية هما من أكثر دوافع التنافس بين الأحزاب، بل وبين أفراد الحزب الواحد كما حصل في بعض قوائم الحزب الحاكم!
على أن ثمة أحزاب لها مبادئ وأفكار تسعى إلى نشرها وكسب الرأي العلم معها، فهي تدخل معمعة الانتخابات بهذا القصد، إيمانًا منها أن حصولها على بعض المقاعد يعتبر خطوة على طريق الإصلاح الذي تؤمن به.
وفي هذا المجال يكاد يكون الإخوان المسلمون هم أكثر الناس وعيًا وإدراكًا، فهم يرون أن عضوية مجلس الشعب منبر من منابر الدعوة إلى الله، كما صرح بذلك الأستاذ عمر التلمساني.
والحقيقة الثانية مرادفة للأولى، وهي أن الحكومة المصرية رتبت العملية الانتخابية وأدارت معركتها بحيث تنتهي بفوز الحزب الوطني الحاكم فوزًا ساحقًا، الأمر الذي يجعل أصوات المعارضة في مجلس الشعب مجرد ديكور ديمقراطي، ومؤشر تغییر إیجابي في أسلوب الحاكم!
فقانون الانتخاب الذي قدمت فيه طعون بمخالفته للدستور، حصر حق الترشيح في ستة أحزاب فقط، الأمر الذي يحرم بعض الأحزاب كالإخوان والناصريين والمستقلين من حق التمثيل السياسي والتعبير عن الرأي، وهي حقوق كفلها الدستور ولكن القانون صادرها عامدًا. ثم إن القانون فرض الانتخاب بالقائمة النسبية وحصر حق الترشيح للحزب الذي تنال قائمته ٨٪ على الأقل من مجموع أصوات الناخبين، وهي نسبة تخالف الأعراف الديمقراطية المعروفة في العالم.
ويقضي قانون الانتخاب كذلك بضم كسور الأصوات الانتخابية للحزب الذي يحوز على الأغلبية، أي أن الكسور تضاف للحزب الوطني الحاكم كما تضاف إليه مقعدين للنساء. ولتقريب المسألة نفترض أن دائرة الدائرة يبلغ عدد ناخبيها مائة ألف حاز الحزب الحاكم فيها على ٢٢ ألف صوت، بينما حازت أربعة أحزاب معارضة على ٧٨ ألف صوت بمعدل ۱۹.500 صوت لكل حزب، فإن الحزب الحاكم يحصل على ستة مقاعد بسبب جبر الكسور وعضوين عن النساء؛ بينما الأحزاب المعارضة يمثلها أربعة نواب، لكل حزب نائب، وتكون النتيجة أن الحزب الحاكم بالرغم من أنه فاز بـ٢٢ ألف صوت فقط إلا أنه فاز بستة نواب، أما أحزاب المعارضة التي نالت ۷۸ ألف صوت فلا يمثلها إلا أربعة نواب فقط؛ أي أن عدد الأعضاء الفائزين لا يمثلون القوة الحقيقية لحزبهم! وهذا إجحاف واحتيال لضمان هيمنة الحزب الحاكم.
وإذا أضفنا إلى ما سبق حقيقة أن ولاء أعضاء الأحزاب عمومًا وفي مصر خصوصًا لا يكون لمبادئ وأفكار الحزب بقدر ما يكون لشخصيات وقيادات، وهي حقيقة تدركها الحكومة، فإن الحزب الحاكم سيكون قادرًا على ضمان أغلبية كبيرة عند التصويت على مشاريع الحكومة.
وإذا أخذنا في الحسبان أن عدد الناخبين فيما تتوقعه مصادر مطلعة لن يزيد عن 1٥٪ من عدد السكان نتيجة لتعقيدات قانون الانتخاب ولأسباب أخرى، فإن هامش «الديمقراطية» الذي تمثله عملية الانتخابات يكون تزويرًا «للديمقراطية» لأن ٦٠٪ من الـ١٥٪ من السكان هو الذي سيقرر مصائر السكان جميعًا في السياسة والاقتصاد والاجتماع.
والسؤال الآن: إذا كانت الانتخابات على النحو السابق ومهما احتدمت حركة المنافسة فيها، فإنها تظل داخل السور المضروب حولها، فلماذا التقدير الزائد لاحتمالات نتائجها؟ ولماذا بالذات التركيز على التعاون بين الوفد والإخوان؟ وما هي احتمالات فوزهم؟ ليست المسألة «انتهازية» عند الإخوان، ولا القفز على ظهور الإخوان عند الوفد كما يحلو للمغرضين تصوير الأمر، وليس الموضوع تخلي الوفد عن مبادئه، ولا الإخوان عن أفكارهم، كما قد يتوهم بعض الناس... المسألة كما أوضح الشيخ صلاح أبو إسماعيل لا تزيد عن كونها التقاء مصلحة الطرفين في الحملة الانتخابية.
فالإخوان منعهم القانون من الترشيح كمستقلين أو كحزب ديني، كما سدت من دونهم وسائل الإعلام، ومنعهم القانون من الخطابة في المسائل العامة وإلا تعرضوا لغرامة مالية تتراوح بين ٥٠٠ إلى ١٠٠٠ جنيه!
وهم بين خيارين: «الاعتزال» أو الانتظام في حزب يعطيني ترخيصًا وينتفع بشعبيتي، على حد تعبير الشيخ أبو إسماعيل.
أما لماذا الوفد دون غيره؟ فذلك ما أوضحه كل من الشيخ أبو إسماعيل والأستاذ عمر التلمساني. الوفد أقرب الأحزاب للإخوان؛ لأن زعيمه مسلم يؤدي الصلاة، ولا يعادي الدين وتطبيق الشريعة، وإن كان بعض أعضائه البارزين ينادون بالعلمانية! لكن العلمانية كما قال الأستاذ التلمساني: وإن كانت مذهبًا بشريًّا مرفوضًا إلا أنها تعترف بالدين ولا تعاديه كالإلحاد والشيوعية. وبالرغم أن المسألة تتعلق بتنسيق انتخابي وليس مطلوبًا لا من الإخوان ولا من الوفد التخلي عن مبادئهم وأفكارهم، إلا أن النقاش الذي دار في أوساط الوفد حول العلمانية والتزام الحزب بها، انتهى إلى غلبة المعتدلين والمؤيدين لتطبيق الشريعة الإسلامية. وحرصًا من الوفد على التنسيق فقد ضحى باستقالة عضو قيادي هو الدكتور فرج فودة، كما دعي الدكتور وحيد رأفت للاعتذار عن مقالة صحفية خالف فيها أفكار قيادة الحزب حفاظًا منها على التنسيق مع الإخوان.
والوفد من جهته أكد على لسان فؤاد سراج الدين وفي بيان رسمي أن الحزب يؤيد تطبيق الشريعة الإسلامية؛ ولكنه لا يؤيد المتطرفين ولا القائلين بإلغاء القوانين مرة واحدة. والوفد الذي تأسس عام ٧٨م هو الحزب الوحيد الذي قام بحكم قضائي وليس بأمر السلطة، وإن كان ذلك لم يغب عن حسابات الحكم. وهو لافتقاره للتنظيم السليم بحاجة إلى شعبية المتدينين التي اعترف بها عضو قيادته المستقيل وعارضها.
المسالة باختصار التقاء مصلحة الطرفين في الحملة الانتخابية، لكن هل يوصلهم الاتفاق إلى مجلس الشعب؟ وبأي حجم؟
يتوقع المراقبون أن تفوز أحزاب المعارضة بنسبة 30 إلى ٤٠ بالمائة؛ أي ٤٠ إلى ٥٠ نائبًا من أصل ٤٤٨ نائبًا. ويتوقع المراقبون أن يكون نصيب الوفد والإخوان ۲۰ إلى ٢٥٪.
ولكن في ضوء شعبية الإخوان في المدن الرئيسة التي عكستها انتخابات نقابة الأطباء التي فازوا فيها فوزًا ساحقًا، وفي ضوء إعلان حزب الأمة عن انسحابه من الانتخابات وأنه سيصوت للوفد، فإننا نتوقع أن يحوز الوفد والإخوان على حوالي ٣٠٪ من أعضاء مجلس الشعب؛ أي حوالي «٤٠» عضوًا، وهي نسبة ضئيلة بالقياس إلى نسبة ممثلي الحزب الحاكم الذي يلتقي مع أحزاب المعارضة الأخرى ضد الوفد والإخوان.
على أية حال الانتخابات قادمة، وستضع حدًّا للتكهنات والتوقعات، لكن الذي نملك أن نقوله هو أن الإسلام ضمير الشعب المصري، ولو ترك للشعب أن يختار ممثليه بحرية تامة لفاز الإخوان والوفد بمعظم المقاعد، كما قال الشيخ صلاح أبو إسماعيل.
وعلى الذين يصطادون في الماء العكر أن يدركوا بأن المسلمين غير غافلين لما يدبر لهم، وهم وإن كانوا مستضعفين إلا أنهم يؤمنون بنصر الله، وكما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (الحج: 38) صدق الله العظيم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل