; الانتخابات النيابية تقلب ميزان القوى السياسية في فرنسا | مجلة المجتمع

العنوان الانتخابات النيابية تقلب ميزان القوى السياسية في فرنسا

الكاتب أبو عثمان

تاريخ النشر الثلاثاء 25-مارس-1986

مشاهدات 60

نشر في العدد 760

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 25-مارس-1986

* الرئيس ميتران اختار سياسة التعايش بين اليمين واليسار الاشتراكي ليسجله التاريخ الفرنسي كمؤسس للوفاق الوطني.

* أصوات اللوبي اليهودي كانت وراء زيارات معظم زعماء الأحزاب الفرنسية إلى تل أبيب.

أدلى الفرنسيون بأصواتهم في مطلع الأسبوع الماضي لانتخاب نوابهم في الجمعية الوطنية الفرنسية، وقد انتهت الانتخابات بفوز أحزاب اليمين الفرنسي بأغلبية مطلقة انتزعتها من الحزب الاشتراكي الحاكم لتكون لها الكلمة المسموعة داخل الجمعية الوطنية «البرلمان» وليصبح رئيس الجمهورية وزعيم الحزب الاشتراكي فرانسوا ميتران، أمام خيارين لا ثالث لهما فإما أن يستقيل من منصبه كرئيس للجمهورية قبل إكمال فترة رئاسته التي بقيت لها سنتان وإما يرضى بالتعايش السياسي مع أحزاب اليمين ذات الأغلبية البرلمانية وقد فضل ميتران الخيار الثاني وقبل التعايش حيث كلف زعيم حزب التجمع من أجل الجمهورية «الديغوليون الجدد» جاك شيراك بتشكيل حكومة ائتلافية بين الأحزاب اليمينية والحزب الاشتراكي وهي ظاهرة سياسية لم تشهدها الجمهورية الفرنسية الخامسة منذ قيامها في عهد ديغول قبل 27 عامًا.

دوافع التعايش

بعد أن اختار الرئيس ميتران وزعماء الأحزاب اليمينية المعارضة سياسة التعايش والمشاركة في قيادة دفة الحكم رغم الخلاف في الرأي بين الجانبين يجدر بنا أن نذكر بعض الأسباب التي دفعت الطرفين إلى انتهاج هذه السياسة الجديدة على فرنسا والمشاكل التي يحتمل أن تواجهها هذه السياسة. أما الرئيس ميتران وحزبه الاشتراكي فقد اختارا سياسة التعايش كحد أدنى من النجاح الذي يمكن الخروج به من عملية الانتخابات النيابية التي قلبت موازين الأغلبية لصالح الأحزاب اليمينية بعد أن كان الحزب الاشتراكي هو الذي يتمتع بهذه الأغلبية منذ خمس سنوات، أي منذ وصول الاشتراكيين إلى السلطة. كما أن الرئيس ميتران يريد من خلال قبوله لسياسة التعايش مع أحزاب المعارضة اليمينية أن يدخل التاريخ كشخصية سياسية مميزة استطاع بحنكته السياسية أن ينشئ حالة ائتلاف سياسي بين الأحزاب السياسية في فرنسا رغم الاختلاف الواضح بين آرائها وأطروحاتها السياسية. وأما أحزاب المعارضة اليمينية فإن من أسباب قبولها لسياسة التعايش مع الحزب الاشتراكي أنها لا تريد أن تظهر في نظر الشعب الفرنسي كالطرف الذي يرفض الوفاق الوطني لمصلحة فرنسا وإنقاذها من الدخول في أزمة حكومية مع كل ما يحتويه ذلك من مضار على صحة الاقتصاد الوطني والمستقبل السياسي للبلاد، حيث إن غالبية الفرنسيين يحبذون سياسة الوفاق الوطني لمواجهة الأزمة الاقتصادية. كما أن موافقة الأحزاب اليمينية على تشكيل حكومة ذات أغلبية يمينية تعتبر فرصة ذهبية لزعماء هذه الأحزاب لتعد نفسها وهي تشارك في السلطة للانتخابات الرئاسية التي سوف تشهدها فرنسا بعد سنتين من الآن عندما تنتهي فترة رئاسة الرئيس الاشتراكي ميتران، لأن التجارب أثبتت أن خوض الانتخابات من قمة السلطة أضمن للفوز من خوضها خارج السلطة وبخاصة أن هذه الأحزاب اليمينية لم تسبق الحزب الاشتراكي في الانتخابات التشريعة الأخيرة إلا بنسبة ضئيلة من الأصوات.

مخاطر التعايش

لكن التعايش السياسي بين أحزاب متباينة في أهدافها وأيديولوجياتها السياسية ليس بالأمر الهين، وقد يؤدي انقسام السلطة السياسية في رئاسة الدولة إلى تقليص السلطات السياسية التي يمنحها الدستور لرئيس الجمهورية كالإشراف المباشر على السياسة الخارجية والدفاع والتصرف في استخدام القوة الاستراتيجية وخاصة الأسلحة النووية بدون منازع باعتبار رئيس الجمهورية القائد الأعلى للقوات المسلحة. فهل سوف تسمح الحكومة ذات الأغلبية اليمينية للرئيس الاشتراكي ميتران بأن يرسم لها الخطوط العريضة للسياسة الخارجية والدفاعية بحرية أم ستحاول التقليص من هذه السلطات التي يتمتع بها رئيس الجمهورية حتى لا تكون الحكومة مسؤولة عن سياسات ليست هي الرأسمالية الحقيقية لها؟

ظاهرة خطيرة

لقد اتسمت الانتخابات النيابية الأخيرة في فرنسا بظاهرة سياسية خطيرة هي ظاهرة «جان ماري لوبين» أو «كاهانا» فرنسا زعيم الجبهة الوطنية المعروفة باليمين المتطرف والذي حصل على 35 مقعدًا من مقاعد الجمعية الوطنية الفرنسية لأول مرة في تاريخ فرنسا، وتكمن خطورة الجبهة الوطنية العنصرية في كراهيتها الشديدة للأجانب المقيمين في فرنسا وخاصة من العرب القادمين من المغرب العربي بأعداد ضخمة. وكان أول وأخطر شعار نادى به زعيم الجبهة الوطنية جان ماري لوبين هو قوله: «إنه يوجد في فرنسا مليونان من العاطلين في حين يعيش فيها مليونان من المهاجرين الذين يعملون في دوائر مختلفة وبحساب بسيط جدًا يتضح أنه إذا طرد العمال الأجانب فإن مشكلة البطالة سوف تجد طريقها إلى الحل تلقائيًا».

وقد لقيت هذه الفكرة رواجًا شديدًا في صفوف الفرنسيين على الرغم من أن الكل يعرف في فرنسا أن الأعمال التي يزاولها الأجانب لا يقبلها الفرنسيون. وقد أحرزت الجبهة الوطنية أفضل نتائجها الانتخابية في المناطق التي تواجه أزمة البطالة ويكثر فيها عدد المهاجرين وخاصة في منطقة باريس وضواحيها.

اللوبي اليهودي

ومن الظواهر الخطيرة للانتخابات النيابية الفرنسية وإن كانت قديمة هي ظاهرة اللوبي اليهودي والضغوط التي يمارسها هذا اللوبي على الأحزاب الفرنسية على اختلاف اتجاهاتها.

ففي السنوات الأخيرة زار الكيان الإسرائيلي أكثر من عشرين زعيمًا سياسيًا بارزًا بعضهم زاره أكثرمن مرة لكسب أصوات اليهود الفرنسيين من خلال علاقاتهم الطيبة مع تل أبيب. ومن هؤلاء الزعماء الفرنسيين الرئيس السابق جيسكار ديستان، ورئيس الوزراء المكلف جاك شيراك وريمون بار وشارل هورنو وزير الدفاع السابق وكلود شيسون وزير العلاقات الخارجية السابق، ومشيل روكار الذي أعلن عن ترشيح نفسه للرئاسة من تل أبيب. وزوجة الرئيس ميتران اليهودية الأصل، ومن المعروف أن ميتران نفسه كان أول رئيس جمهورية فرنسي يزور إسرائيل بعد أن فاز حزبه في الانتخابات الرئاسية بفضل أصوات اليهود الفرنسيين.

كما أقيم في باريس في يناير الماضي أسبوع ثقافي لليهود حضره جمهور غفير من أعضاء الأحزاب الفرنسية ضمن حملاتهم الانتخابية لكسب أصوات اللوبي اليهودي في فرنسا. في حين يتعرض المقيمون من العرب المغاربة في فرنسا لعملية استفزاز واستهتار من معظم الفرنسيين على الرغم من أن العرب يشكلون أغلبية ساحقة بين المهاجرين، وعدد العرب الذين يحملون الجنسية الفرنسية أكبر من عدد اليهود الفرنسيين. لكن الاهتمام الرسمي بأصوات اللوبي اليهودي نابع من علاقة هذا اللوبي بالكيان الإسرائيلي.

وأما الموقف الفرنسي الرسمي من القضايا العربية فإنه مذبذب لا يستقر على حال إلا فيما يخص بالمحافظة على الأسواق العربية لتسويق السلاح الفرنسي. أما في القضايا العربية المصيرية مثل قضية فلسطين ولبنان فإن السياسة الفرنسية الرسمية تجاهها مرهونة بالمواقف السياسية العامة لدول السوق الأوروبية المشتركة.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

4364

الثلاثاء 24-مارس-1970

فلسطين

نشر في العدد 4

142

الثلاثاء 07-أبريل-1970

الاقتصاد الوضعي في الميزان