العنوان الافتتاحية .. الانتخابات.. والتداول السلمي للسلطة
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 13-مايو-1997
مشاهدات 70
نشر في العدد 1249
نشر في الصفحة 9
الثلاثاء 13-مايو-1997
لا يكاد شهر يمر دون أن تجرى انتخابات برلمانية أو رئاسية في مختلف دول العالم، وقد شهدنا خلال الفترة القصيرة الماضية انتخابات بريطانيا واليمن، وقبل أن ينتهي الشهر الحالي تجرى الانتخابات البرلمانية في فرنسا وإندونيسيا، والرئاسية في إيران، ومن بعدهما الانتخابات البرلمانية في الجزائر الشهر القادم. والانتخابات في عالمنا على أشكال مختلفة فهناك دول استقرت فيها الديمقراطية وترسخ القبول العام بتداول السلطة، والاحتكام إلى رأي الناخبين، واتخذت في سبيل ذلك إجراءات تضمن سلامة ونزاهة العملية الانتخابية، فلا نرى تدخلًا من السلطة، ولا نسمع عن قيود فرضت على المعارضة، ولا يتوقع أحد أن تحدث عمليات تزوير لإرادة الناخبين، فلا تصويت نيابة عن الغائبين أو الموتى، أو إضافة أصوات بغير حق لحزب السلطة أو المرشح بعينه، وهكذا وجدنا جون میجور- رئيس وزراء بريطانيا- المنهزم في الانتخابات الأخيرة يسلم بأن الانتخابات كالتجارة الصعبة، أي أن فيها من يربح وفيها من يخسر، وبدلًا من توجيه اللوم للآخرين تعالت الدعوات داخل حزب المحافظين الخارج من السلطة لإعادة بناء الحزب بما يمكنه من كسب جولة جديدة في انتخابات قادمة.
وهناك دول بدأت ممارسة التجربة الديمقراطية منذ عهد قريب وأغلبها من تلك الدول التي تحررت من ربقة الأنظمة الشمولية بعد انهيار الشيوعية في الاتحاد السوفييتي و اندرجت فيما يسمى بالموجة الديمقراطية الثالثة، وهي مع حداثة عهدها بالتجربة جادة في سعيها عازمة على رعاية وليد الديمقراطية حتى يكبر ويشب عن الطوق، حريصة على تصحيح المسار الديمقراطي مما يعتريه من انحرافات. وهناك صنف ثالث من الدول تتشبث فيه الحكومات بالسلطة قدر الطاقة، وتلجأ للمكر والحيلة لتطيل أمد بقائها على كرسي الحكم ولكن الضغوط الشعبية السلمية- في بيئة دولية لا تسمح لمثل هذه الحكومات بالأنفراد بالسلطة- تضطرها في النهاية إلى التسليم بالاحتكام إلى إرادة الناخبين والتخلي عن السلطة، لكن أحدًا لا يملك أن يحجر على أشخاصها الممارسة السياسية، فالفرصة مهيأة لهم للعمل السياسي وإمكانية العودة إلى السلطة مرة ثانية.
وهناك صنف رابع من الدول تبنت حكوماتها الديمقراطية، لا عن قناعة وإيمان، وإنما باعتبارها صرعة العصر ومطلب الشرق والغرب ووسيلة لتنفيس الرغبات الشعبية الكامنة حتى لا يؤدي الكبت المستمر إلى الانفجار الذي لا تحمد عقباه، هذه الحكومات أنشأت ديمقراطية شكلية مقيدة تحوطها القيود والضغوط من كل جانب.. ديمقراطية لا تمنع الحزب الحاكم من الاستمرار في السلطة، ولا تسمح للمعارضة أن تتجاوز الحدود المسموح بها مسبقًا، وهو ما اصطلح على تسميته «الديكور الديمقراطي». في مثل هذه الديمقراطيات الشكلية تكون النتائج معروفة مسبقًا، لأن النتائج تؤخذ من المقدمات، ولا يعقل أن تفرز أجواء التزوير والتدخل الحكومي السافر وغياب الرقابة القضائية تجربة نقية صافية.
ولتبرير سيطرتهم على السلطة يطلق بعض هؤلاء في عالمنا العربي والإسلامي مقولات من قبيل أن هذه الديمقراطية المقيدة هي الضمان الوحيد لعدم وصول الإسلاميين إلى الحكم الذين إن وصلوا إلى كرسي السلطة فسينقلبون على الديمقراطية ويمارسون الديكتاتورية في أسوأ صورها، وهم يروجون لهذا القول داخل أوطانهم ليصرفوا الشعوب عن الالتحام بالقوى الإسلامية، وخارج أوطانهم ليكسبوا تعاطف حكومات العالم- بما فيه الدول الديمقراطية- مع حكوماتهم غير الديمقراطية. ويتجاهل هؤلاء أن الإسلام يحض بل يأمر بالشورى، ويُرغِّب أبناءه في التفاعل مع قضايا أمتهم، ولا يقبل منهم أن تتسم سلوكياتهم بالسلبية والانصراف عن شؤون الأمة فينفرد حزب أو شخص وحده بالرأي، كما يتجاهلون أن دعواهم تلك لم تثبت صحتها على وجه الإطلاق من الناحية التاريخية، بل كان العكس هو الصحيح. إن أسوأ ما في هذا الصنف الأخير من الحكومات أنه يعيش في ديكتاتوريته المقنعة المتلبسة برداء الديمقراطية، بعيدًا عن آمال الشعوب وطموحاتها، فيجر بلاده إلى حالات من الفوضى والاضطراب لا تحمد عقباها.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل