العنوان الانتفاضة الفلسطينية تبدأ عامها السابع.. قادة الفكر والرأي في مصر:
الكاتب بدر محمد بدر
تاريخ النشر الثلاثاء 07-ديسمبر-1993
مشاهدات 75
نشر في العدد 1078
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 07-ديسمبر-1993
· أسباب الانتفاضة ما زالت قائمة.. بل ازدادت وقويت
· أحمد صدقي الدجاني: الانتفاضة سوف تتطور في صور
إبداعية جديدة.
· السفير طه الفرنواني: لا
يمكن إيقافها دون تحقيق الانسحاب الإسرائيلي الكامل.
· د. محمد عمارة: الاتفاق لا يعطي أي ملامح
للاستقلال أو الكرامة أو الهوية وبالتالي سوف تزداد الانتفاضة قوة.
كيف يرى المثقفون وقادة الرأي مستقبل الانتفاضة الفلسطينية بمناسبة
دخولها العام السابع في ظل تعهد ياسر عرفات رئيس منظمة التحرير بالوقوف في وجهها
والتضييق عليها بعد اتفاق غزة – أريحا أولاً؛ هذا التساؤل حملناه إلى عدد من
المفكرين والمتخصصين في شؤون فلسطين في مصر، وكانت هذه إجاباتهم:
في البداية يؤكد المفكر الفلسطيني الدكتور أحمد صدقي الدجاني: إن أي
حديث مستقبلي يجب أن يأخذ في الاعتبار أن المستقبل ليس استمراراً للحاضر فحسب،
وإنما تفاعل عنصرين آخرين مع الحقائق القائمة، وهما: عنصرا الحلم وإرادة الفعل.
والرؤية المستقبلية للانتفاضة بمناسبة دخولها العام السابع تنطلق من النظر إلى
الأسباب التي دعت للانتفاضة واستمرار المقاومة في إطار الصراع العربي الصهيوني
وواضح - بعد اتفاق غزة أريحا أولاً، إن هذه الأسباب تأكدت وقويت فيما يخص الأجزاء الثلاثة
من قضية فلسطين التي عمد مؤتمر مدريد إلى تجاهلها أو الالتفاف حولها.
فبالنسبة للفلسطينيين المشردين خارج وطنهم، الذين يتطلعون إلى العودة
إلى يافا وحيفا وبئر السبع والناصرة، فإن الاتفاقية لم تقدم شيئاً على هذا الصعيد،
كذلك الحال بالنسبة لقضية القدس الكبرى التي ستجمع جميع شعب فلسطين وأبناء الأمة
العربية والعالم الإسلامي، والمؤمنين كافة. ومعلوم أن الاتفاق عرض القدس لفترة
بالغة الخطورة، يعمد العدو أثناءها إلى فرض تهويدها بالقوة على مدى العامين
القادمين، وقد أفصح عن نيته صراحة بذلك، والأمر نفسه يصدق على أبناء فلسطين
المحتلة عام 1948م، الذين أغفلتهم الاتفاقية تماماً، وهؤلاء لا يزالون يعانون من
التفرقة الحادة، ومن النظرة الناجمة عن النظرة الصهيونية العنصرية.
وحتى الجزء الرابع من قضية فلسطين الذي تعاملت معه الاتفاقية، وهو
الضفة والقطاع، فإن نصوص إعلان المبادئ أوجدت مجموعة من الألغام، منها لغم الحكم
الذاتي، ولغم المستوطنات، ولغم القضايا الإنسانية المتمثلة في المعتقلين
والمبعدين، وجميعها لم تأتِ بالعلاج المطلوب، الأمر الذي قوى من أسباب مقاومة
الاحتلال واستمرار الانتفاضة، وها قد مضى شهران ونصف مليئة بما يؤكد ذلك، وحدث ما
توقعناه من تصعيد للتوتر بفعل تزايد الإرهاب الإسرائيلي في أعقاب توقيع الاتفاق،
تماماً كما حدث في أعقاب انعقاد مؤتمر مدريد.
تضييق مرتقب على الانتفاضة
ويؤكد الدكتور أحمد صدقي الدجاني: أن مساعي قوى الهيمنة لتهدئة هذه
الأسباب وليس علاجها والاستمرار في التسكين وطرح حلول بديلة عن استرجاع الحقوق،
هذه المساعي ستبقى مستمرة في الفترة القادمة، وستحاول التضييق على المقاومة
والانتفاضة، وسيكون أشد أنواع التضييق من خلال إكراه الحكومات العربية بممارسة
ضغوط شتى عليها كي تتخذ إجراءات لا تمكن المقاومة من أن تأخذ مداها وكي تقبل مناخ
التعايش مع العدو وإنهاء المقاطعة له والقبول بإجراء تعديلات في المناهج التعليمية
لرؤية الأمور بشكل آخر.
ولكن عبرة التاريخ تؤكد لنا أن ذلك كله، لا يمكن أن يقضي على جذوة
المقاومة والانتفاضة، وحتى إذا ما هدأت هذه الجذوة لفترة قصيرة تعود أقوى، ويكفي
أن نستذكر تاريخ المقاومة خلال مراحل الصراع المتتالية، ومن أمثلتها في العقود الثلاثة
الماضية بعد نكسة 1967م انتفاضة يوم الأرض لفلسطين المحتلة عام 1948م، وانتفاضة 9
ديسمبر (كانون الأول) 1987م، التي لا زلنا نعيش في ظلها ونستلهم روحها وبينهما
انتفاضة جنوب لبنان عام 1983م التي فرضت الانسحاب الإسرائيلي غير المشروط من صيدا
وصور والنبطية.
وحول تطور الانتفاضة ومساحتها يقول الدكتور الدجاني من المتوقع أن
يكون التركيز في الأيام القريبة القادمة على بقية أنحاء الضفة الغربية خارج بلدة
أريحا، وفي فلسطين المحتلة عام 1948م، وفي جنوب لبنان؛ حيث الشريط المحتل، كما
ستكون هناك مساحة المستوطنات في كل من القطاع والضفة، أما الإرهاب الإسرائيلي
فسيستمر شاملاً كل هذه المناطق، وقد سمعنا صباح اليوم الإثنين 29/11 عن عملية
تستهدف المخيم الفلسطيني في عين الحلوة.
أما أشكال المقاومة فمن المتوقع أيضاً أن تتطور وأن تبرز في صور
إبداعية جديدة تأخذ في الاعتبار ما حدث من تطور وما سيحدث من محاصرة لقوى
الانتفاضة، وكما توقعنا من قبل فإن العمل الفردي سوف يبرز بفاعلية ليتكامل مع
العمل المجتمعي الذي سيجسد صور المقاومة السلبية للعدو، ومن المتوقع أن يقترن هذا
بتدفق تيار قوي في الوطن العربي كله يقاوم التطبيع بكل أشكاله وعلى مختلف الأصعدة،
ومنها الصعيد الثقافي الذي يجري تركيزاً شديداً عليه في هذه الفترة.
مبررات الانتفاضة قائمة
أما المفكر الإسلامي الدكتور محمد عمارة يرى أن التساؤل حول مستقبل
الانتفاضة لا بد وأن يصاحبه التساؤل عن مستقبل اتفاق غزة أريحا بين المنظمة
وإسرائيل، فالانتفاضة هي ثورة شعب ضد الاحتلال والهيمنة والقمع والاستغلال وإلغاء
الهوية الفلسطينية العربية الإسلامية، وإذا لم يحقق اتفاق المنظمة وإسرائيل لأبناء
فلسطين الهوية والكرامة والاستقلال والوجود الحر، فإن مبررات الانتفاضة ستظل قائمة.
ويؤكد الدكتور محمد عمارة: أن هذا الاتفاق مقصود به تحويل الكيان
الفلسطيني إلى بلدية داخل إسرائيل وتولي المنظمة منصب عمدة في إسرائيل، ثم إقامة
علاقات الهيمنة والاحتواء الصهيونية بشكل شرعي ومقبول والعمل على استدراج الأردن
إلى هذا الكيان الذي تهيمن عليه الصهيونية، فإذا ما هضمت إسرائيل هذه اللقمة شرعت
- ومن ورائها الغرب وأمريكا بالذات - لمد الهيمنة على المنطقة بأسرها تحت مظلة
النظام الشرق أوسطي أو السوق الشرق أوسطية.
إذن ليس هناك في المستقبل المنظور أو في الواقع الذي يشكله هذا
الاتفاق أية ملامح للحرية والاستقلال والكرامة والهوية الفلسطينية، ومن ثم فإن كل
دواعي ومنطلقات وأسباب الانتفاضة ستظل قائمة، فالمستعمرات والمستوطنات الصهيونية
واحتفاظ إسرائيل بالمسؤولية الكاملة عن الأمن الداخلي والخارجي والعلاقات
الخارجية، ومحاولة هضم الاقتصاد الإسرائيلي من خلال الهيمنة على سبل الإعاشة
والتنمية والإنعاش الاقتصادي، كل هذا يعني أنه لا جديد إذا نظرنا إلى مضمون ومحتوى
وحقيقة الاحتواء والهيمنة، بل أتوقع من خلال الممارسات والتطبيقات زوال الكثير من
حجب الغشاوة التي انخدع بها بعض الذين أيدوا الاتفاق من أبناء فلسطين، وأتوقع
انحسار الخديعة والتأييد لهذا الاتفاق، وبالتالي أتوقع تزايد التأييد لانتفاضة
الشعب الفلسطيني، وسوف يتأثر ويتكيف أسلوب الانتفاضة مع الواقع الجديد، إذًا أسباب
الانتفاضة قائمة والتطبيقات ستزيل الزيف الإعلامي الذي زفت به وقائع هذا الاتفاق
بين المنظمة وإسرائيل، والتساؤل لا يجب أن يكون عن مستقبل الانتفاضة ولكن عن
مستقبل هذا الاتفاق وعن خطته في تحقيق مطالب الشعب الفلسطيني.
حكم وطني حقيقي
أما السفير طه الفرنواني: مدير إدارة فلسطين بالخارجية المصرية
سابقاً، فيرى أنه يمكن أن تنحسر الانتفاضة في حالة وجود حكم وطني حقيقي في منطقة
غزة وأريحا، أما بقية المناطق فإن الانتفاضة قائمة وستستمر حتى يتم تحرير الأرض
الفلسطينية، ولا يمكن إيقافها دون الانسحاب الإسرائيلي الكامل من كل الأراضي
الفلسطينية، ويضيف السفير الفرنواني أن الانتفاضة هي ثورة شعب يجب أن تستمر حتى
يتحقق حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني، فهل يستطيع ياسر عرفات أن يحقق ذلك في ظل
فرقة فلسطينية واسعة؟!
ويرى الأستاذ عبد المنعم سليم جبارة رئيس تحرير مجلة لواء الإسلام أن
مستقبل الانتفاضة مرهون بعدد من الاعتبارات الرئيسة أو الأساسية منها:
1.
مدى مضي
الانتفاضة - وبتعبير أدق العناصر التي تمثل قيادتها - على درب الجهاد بمعناه
ومضمونه الإسلامي الصحيح، وحرصها على الالتزام بالوجهة والاتجاه مع فهم واضح ورؤية
صافية للمتطلبات والإمكانات وتوظيفها ومحاولة التغلب على أوجه النقص في ظل متابعة
ومعرفة بالأجواء المحلية والمحيطة وتوظيف جيد لطبيعة الشعب الفلسطيني العربي
المسلم، وهو جزء من الأمة العربية المسلمة التي ما زالت وستظل بإذن الله محتفظة
بجذور الإيمان تتوارثها وتورثها أجيالاً، جيلاً بعد جيل.
2.
عدم الاستسلام
لليأس أو القنوط خاصة وسط أجواء الدعايات الإعلامية التي تقرع أذهان وعقول الناس
على الساحة المحلية أو الساحة العالمية تصور ما جرى من اتفاق وكأنه الفوز والنصر.
3.
الموضوعية في
تناول القضايا وأبعاد وآفاق الاتفاق وآثاره ونتائجه ورد الأمور إلى شرع الله.
4.
مدى النجاح في
الربط بين محن سابقات ألمت بالأمة وبين محن اليوم، وكيف أن طريق الخلاص واحد، وسبل
المواجهة لا تتغير، وقد مر على الأقصى زمن ظل الصليب فوق هامته أكثر من 80 عاماً،
ومرت على القدس أيام جرت فيها أنهار الدماء، ثم انقشع الغبار والرماد، والدخان
والعدوان، وعاد الأقصى وعادت القدس.
اتفاقية مملاة!!
وحول تعهد عرفات بالوقوف في وجه الانتفاضة يقول الدكتور الدجاني: واضح
أخيرًا أن تصريح رئيس اللجنة التنفيذية للمنظمة الخاص بإدانة إحدى العمليات ضد
الاحتلال، يقع ضمن إطار الاتفاق المملى الذي تم إبرامه في شهر أيلول (سبتمبر)
الماضي، ومن شأن اتفاقات الإملاء أن تصيب نفسية الأمة بجرح غائر، يزيد في تصميمها
على بلوغ أهدافها والنضال من أجل سيادة العدل.
وواضح أن اتفاقات الإملاء بقدر ما تكسب موقعها المملى عليه ذكراً
إعلامياً في حدود ما تسمح به قوى الهيمنة؛ فإنها تؤدي إلى إضعاف حاد للشرعية
الداخلية، الأمر الذي يجعل بإمكان قوى الأمة أن تحول دون تفجر الصراعات الداخلية،
وأن تستقطب ولاء المناضلين القدماء الذين سيشاركون في سلطة الحكم الذاتي لحماية
المقاومة ورعاية الانتفاضة، وهذا واحد من الأمور التي يخشاها العدو، وقد رأينا
مؤخراً من مؤشرات ذلك نتائج الانتخابات الطلابية في بيرزيت كمثل من بين أمثلة
عديدة.
مجمل القول إن آفاق ومستقبل الانتفاضة والمقاومة رحبة في المرحلة
الراهنة الجديدة من الصراع العربي الصهيوني، على الرغم من كل محاولات التضييق
عليها.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل