العنوان الانتفاضة المباركة
الكاتب ماهر الغزي
تاريخ النشر الثلاثاء 01-مارس-1988
مشاهدات 103
نشر في العدد 856
نشر في الصفحة 20
الثلاثاء 01-مارس-1988
الانتفاضة
الفلسطينية: وقفات متأملة
الانتفاضة
العارمة التي تشهدها ساحة الصراع في أرضنا المباركة فلسطين قد مضى عليها حتى الآن
أكثر من شهرين ونصف الشهر، وفي الوقت الذي تتدرج فيه شدة التعذيب والتنكيل من قبل
اليهود تتزايد معه صيحات الإصرار والثبات من كافة فئات الشعب الفلسطيني في الداخل
للوقوف ضد الطغيان.
والناظر إلى
الساحة الفلسطينية يشاهد بما لا يدع مجالًا للشك أن روحًا جديدة قد دبت في أوصاله.
لقد تفجرت الساحة في يوم 1987/12/8 ومن خلال مجموعة من الشباب المسلم إثر حادث دهس
تعرضت له سيارتان من العمال العرب من قبل سائق شاحنة يهودي مأجور لتنفيذ مهمة
خاصة. وقد قامت هذه المجموعة بمحاولة إسعاف الجرحى والتبرع بالدم إلا أنه تأكد
مفارقة ثلاثة منهم للحياة، وعلى إثرها قام الشباب المسلم بتشييع الشبان الثلاثة في
مسيرة ضخمة، وعلى إثر ذلك تتالت مظاهر الإضراب والمسيرات والاحتجاجات حتى عمت كل
أرجاء فلسطين.
وإذا أردنا أن
نفهم مجريات الأحداث من مقدماتها وأن نتحسس مستقبل هذا الشعب الذي لا يؤثر في
مستقبل منطقة الشرق الأوسط فحسب، بل في الوضع السياسي الدولي، فلا بد من أن نقف مع
انتفاضة هذا الشعب وقفات متأملة:
الوقفة الأولى:
استمرارية الانتفاضة
استمرارية
الانتفاضة التي مضى عليها قرابة الثلاثة أشهر دون توقف، بل إن الأمر يتجه فيها إلى
التصعيد، فقد تطورت أسلحة المتظاهرين من حجارة إلى مقاليع إلى قنابل غاز وزجاجات
حارقة، وبدأت بمسيرات ومظاهرات ثم إضرابات متفرقة، ثم اضطرابات شاملة إلى الحد
الذي يخطط له الأطفال بشراء أقفال للمحال التجارية، حيث يقوم الأطفال بإعادة إغلاق
كل محل يكسر قفله لجنود الصهاينة.
وشهدت الساحة
تصعيدًا في الموقف اليهودي حيث لم يكتفِ اليهود بإعاقة المسيرات والوقوف ضدها، بل
تطور إلى عمليات القنص والقتل، ثم الضرب بالهراوات على الأيدي والأرجل لكسرها، ثم
عمليات الاعتقال الجماعي واقتحام المخيمات والقرى وتطويقها بالآليات والمجنزرات،
ثم إدخال المستوطنين المسلحين للقيام بعمليات القتل على الحواجز وخطف الأطفال. ولا
زال رئيس وزراء العدو ووزير دفاعه وغيرهم من الوزراء والشخصيات البارزة وقادة
الأحزاب الدينية يهددون باستمرار سياسة استخدام العنف لقمع المتظاهرين، وهذا كله
دليل على مدى التحدي الذي وصل إليه الصراع ودليل على أن دوافع عقائدية هي وراء
الانتفاضة ولولا ذلك لما كانت بهذا المد الهائل من الكم والوقت.
الوقفة الثانية:
سرعة انتشارها
سرعة انتشارها
لتعم كافة أرجاء فلسطين المحتلة على صعيد الضفة وغزة وأرض 48. فما أن تفجرت
الأحداث في غزة حتى امتدت لتشمل أرض فلسطين كلها، وإن كنا نقول إن ظروف الاحتلال
قد كانت المعبئ الرئيسي للجماهير إلا أننا لا نغفل عن كون هذه الظروف قد تواجدت
منذ فترة طويلة من الزمن، وقد عاش الشعب الفلسطيني ظروفًا أشد مرارة بعد نكباته
المستمرة، فما الذي يدفع الجماهير اليوم لتقديم كل هذه التضحيات؟
الوقفة الثالثة:
الجرأة والجسارة
الجرأة والجسارة
من كافة فئات الشعب من الشباب والكهول والنساء والأطفال فالكل يخرج ويواجه ويقدم.
الشباب يقودون المسيرات ويدعون لها، والغلمان يحملون الحجارة، والنساء يحملن أوعية
الماء ويكسرن خطوط تمديد الماء لإطفاء قنابل الغاز ويقفن خطوطًا لتعطيل وإعاقة جنود
الاحتلال في أوقات المناورة، لدرجة أن الكثيرات منهن أجهضن بسبب الغازات والاعتداء
بالضرب. والفتيات يهتفن ضد الجنود حتى العجائز لم يطقن صبرًا فقمن إلى الشوارع ولو
للفرجة.
إن هذه المظاهر
لتدل على عمق التغير النفسي الذي يمر به هذا الشعب، وعلى تمزق كل آمال التحرير
العربية في النفوس، وأن "ما حك ظهرك مثل ظفرك" وأن أبواق الدعاية
الفارغة لتطويل أمد أقنعة الأنظمة قد تساقطت، حتى لو حاولت هذه الأنظمة والمنظمات
الاستفادة من الانتفاضة بأحداث إذاعات جديدة أو ادعاء أن الخطوط الأمامية لهذه
المنظمة أو تلك هي وراء التحريك والتفجير، لقد تأصل في أعماق الفلسطينيين اليوم
وقبل أي يوم أن لا جدوى من الأنظمة ولا جدوى من الأيديولوجيات التبعية، وخاصة أن
أصحاب المعسكرات الرئيسية بدأوا يسحبون الثقة من أن منطقة الشرق الأوسط تمثل
مرتعًا رخيصًا لتدويل الأيديولوجيات التحررية والثورية.
الوقفة الرابعة:
تضحيات عظيمة
ولا يسعنا
المقام لحصرها وقد دمغت بتألقها الجميع. إن أقل ما يقدم الفلسطيني في الداخل إغلاق
مجلة وهو بذلك يقطع قوت يومه.
ولقد أعلن رئيس
منظمة التحرير في اجتماع لجنة حقوق الإنسان في جنيف أن شهداء الانتفاضة بلغوا 120
وأن 3000 شخص في عداد الجرحى، وأن الآلاف غيرهم رهن المعتقلات.
فلماذا يقدم هذا
الشعب كل هذه التضحيات؟
إنه تعبير حقيقي
عن صدق التوجه إلى الله واحتساب الشهداء عنده، فلم يُعرف يومًا أن شعبًا ما قدم
تضحيات بلا مقابل إلا وكان للوازع الإيماني والروحاني اعتبارًا فوق كل اعتبار، وأن
الشعب الذي لا يعرف الخلاعة والفجور والشواطئ هو الذي يصمد أخيرًا.
واسألوا أصحاب
السجون لماذا يعودون إلى الله بعد اعتناقهم لكافة الأيديولوجيات المستوردة؟
اسألوا أصحاب
العمليات الانتحارية عن سبب اغتسالهم وتوضئهم عند دخولهم ساحة العمليات، واسألوا
الجنود الأمريكيين لماذا أصيب 70% منهم في اليابان وفيتنام في ظهورهم، واسألوا
فرنسا عن هزيمتها النكراء في أقل من أسبوعين من هجوم الألمان عليها، لتعرفوا أن
شعب فلسطين متمسك بجذوره الوطنية ولا معنى للوطنية بلا دين وخلق.
الوقفة الخامسة:
انتفاضة مركزها المسجد
دخول المساجد
ومنارات الأذان فيها، فلم يعد المسجد مكانًا للتنسك والرهبانية، ولم نعد نرى صورة
هذا الدين متمثلة بذلك المدرس العجوز الذي يسعل ويتفل ليتفوه بعدها بتفسير آيات
الكتاب، ولم تعد مساجد غزة مأوى للعجزة العميان الذين يستجدون الناس بآيات من
القرآن، لقد أصبحت مساجد غزة والضفة منارات استقطاب وإرسال بالدعوة إلى الإضراب
وإشعال الحماسة في النفوس بالأناشيد الإسلامية الجهادية.
إن صوت
"خيبر خيبر يا يهود جيش محمد سوف يعود" لا ينساه بيريز عندما قال بإن
جهات إسلامية وراء الانتفاضة، وأن بيانات حركة المقاومة الإسلامية التي توزع بعد
صلاة الفجر في مساجد خان يونس والأمعري وجباليا هو الذي أرغم الأنظمة الصامتة على
التكلم لتعلن ولأول مرة أن الإسلاميين يلعبون دورًا وطنيًا بارزًا في الانتفاضة،
وأن صيحات "الله أكبر ولا إله إلا الله" أقضت مضاجع الفراعنة حراس
موروثات الاستعمار وأمنائه، فباتوا يهددون بقمع كل من تسول له نفسه ارتكاب جريمة
"إعلان تأييد" لأبنائنا وشعبنا في الداخل.
ونقول إن الذي
فقد الأمل من أهل الأرض اتجه لأهل السماء كما قالها يومًا رئيس منظمة التحرير.
الوقفة السادسة:
إثارة الذعر في يهود
كثرة التصريحات
المرعوبة من قادة اليهود والتي تنبئ بشروخ نفسية في المؤسسة اليهودية.
لقد صرح بيريز
أن الضفة والقطاع حقل ألغام لا بد من الرجوع عنه، وصرحت جيئولا كوهين وإسحق شامير
وحركة كاخ وشارون وغيرهم بضرورة إجلاء أهل الضفة والقطاع وتطبيق خطة الـ "TRANSFER"
قبل أن تحيل الكم الهائل من المواليد الفلسطينيين موطئ أقدامهم. وقبلهم قالت غولدا
مائير: كيف يغمض لي جفن وأنا أرى نسبة المواليد الفلسطينيين أضعاف مثيلتها عند
اليهود، وأن عدد جنود العدو الذين دخلوا المستشفيات لإعادة التأهيل النفسي لينبئ
عن مدى دمار النفسية اليهودية، وقلقها البالغ من المواجهة. لقد أسقطت تصريحات
العدو أن جيشهم لا يُغلب، وأن من أراد من الجيوش دورات تدريب فليتفضل إلى إسرائيل.
لقد قال الطفل الفلسطيني كلمته، وأدى دوره في مواجهة المؤسسة العسكرية، أن الأحداث
الأخيرة مؤشر على تغير في الموازين، والمعنويات مقدمات. ولقد ذهِل قادة الحكومة
الإسرائيلية من موقف عرب 48 الذين ظنوا وأنه خلال عشرين سنة من الضم سيكون هؤلاء
يهودًا أكثر من اليهود.
الوقفة السابعة:
لا للمساومات والحلول الإجهاضية
سقوط الحلول
السلمية، بعد أن أسفر اليهود عن وجههم الكالح بقتل من تمتد إليهم أيديهم، وتكسيرهم
للأطراف حتى لا يعود المتظاهرون للتظاهر، وأن الجولات المكوكية للالتفاف من قبل
مبعوث الخارجية الأمريكية. والتصريحات المراوغة لجورج شولتز وغيره لتدل على مدى
تصل معاني العدالة والرحمة في نفوس هؤلاء، وحتى من صنعوا كامب ديفيد لم تعد هذه
الكلمة تناسبهم، فماذا نقول للاهثين لتبييض صورهم أمام العالم بأنهم دعاة سلام وأن
القتال حرام، وماذا نرد على تصريحاتهم التي تهدد بإلغاء إعلان القاهرة؟ لقد كفر
الرأي العام العالمي بجرائم اليهود فماذا حل باليهود والولايات المتحدة لم تكتفِ
بمعارضة مشاريع قرارات الأمم المتحدة بل عقدت صفقة سلاح مع إسرائيل بقيمة مليار
دولار؟ لقد تبين أن الرأي لا يحترم إلا القوة، فيا أصحاب الدهاليز والمد الخاطئ
ناقشوا أهل الداخل.
إنه لا معنى
للوقفات السابقة إلا أن المنطقة مقبلة على رياح تغيير، وأن الشعب الذي يتربى
أبناؤه على الجهاد وتتربى بناته على الحشمة والتضحيات هو الشعب الذي يكتب له
النصر، ولا طريق غير هذا الطريق فالحياة للأصلح، والبقاء للأقوى، والمسألة مسألة
وقت، ومن كان في المقدمة ليس كمن يلحق في المؤخرة، فأين الرجال؟!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل