; الانتفاضة بين نموذجين | مجلة المجتمع

العنوان الانتفاضة بين نموذجين

الكاتب أحمد رمضان

تاريخ النشر الثلاثاء 26-ديسمبر-1989

مشاهدات 65

نشر في العدد 947

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 26-ديسمبر-1989

- متى يغيّر التقدميون تجارتهم النضالية من الشعارات الكاذبة إلى العمل الجاد؟

- الانتفاضة ليست عملًا عشوائيًا أو هي وليد إحباط داخلي في فلسطين المحتلة.

- النساء المسلمات ينزعن الحُلي ويتبرعن بزينتهن لأطفال الانتفاضة ولشعبها.

بطاقة أنيقة تلقيتها بحكم عملي النقابي، تحمل في ثناياها دعوة مشتركة من الاتحاد العام لطلبة فلسطين والاتحاد العام لطلبة الأردن بمناسبة مرور عام على الانتفاضة.

كان ذلك قبل عام مضى، ولم تكن الدعوة سوى لحضور «حفل فني ساهر بمناسبة مرور عام على الانتفاضة في الأرض المحتلة» وصُعقت! ودارت الأيام والشهور، وإذا بالأسلوب التقدمي لدعم الانتفاضة يتطور..

- فرقة فنية تحيي حفلًا في فندق ذي خمس نجوم، يحضره جمع من المترفين دعمًا للانتفاضة.

- جمعية معينة تقيم عرضًا للأزياء في أرقى الصالات، لسيدات المجتمع المخملي..  دعمًا للانتفاضة.

- فنانون أدينوا بتهمة تعاطي المخدرات، وسُجنوا لأجل ذلك، يمثلون فيلمًا..  دعمًا للانتفاضة.

- قُطاع طرق، وتجار شعارات تنقصهم النزاهة، يجبون الأموال ويكدسونها.. دعمًا للانتفاضة.

فكان أن ذهلت مرة أخرى.. وصُعقت.. ذلك أنني لم أكن أتصور أن حال أولئك الراقصين على جراح الأمة، سيصل إلى هذا المستوى من الإسفاف والانحدار، والتخلي عن روح القِيَم والنخوة والأصالة.. فذلك الحفل الفني الساهر، الذي أقيم بحجة الانتفاضة لم يكن سوى غطاء لبعض الجانحين والشاذين، والعرض الآخر كان عملية تجارية تسويقية والفنانون -كعادتهم- وجدوا فيها فرصة لركوب الموجة.. فجاء عملهم باهتًا متخلفًا.

- صورة من قلب الوطن المحتل:

مؤخرًا ساقني القدر لأن أنتقل من بلد عربي إلى بلد عربي آخر وهناك سنحت الفرصة لي لحضور محاضرة لشخصية فلسطينية معروفة، تدور حول الانتفاضة والواقع العربي، ورغم أهمية المحاضرة، إلا أن مفاجأتها كانت أكبر.. شاب في العقد الثالث من عمره، خارج لتوه من الأرض المحتلة، يعمل مهندسًا، وينتمي إلى عائلة مكونة من تسعة أشخاص، يتقدم من الدكتور المحاضر ويطلب منحه فرصة للحديث، ثم يروي قصته ويدلي برأيه..

مجمل ما تحدث به الشاب الفلسطيني، كان يدور حول أربع نقاط:

1- إن الانتفاضة ليست عملًا عشوائيًا أو وليدة إحباط داخلي، أو يأس متراكم، كما يحاول الإعلام الغربي تصويرها، وإنما هي رد مباشر على التقهقر العربي، والجري المهين وراء سراب الحل المزعوم.

2- إن شعب الانتفاضة يشعر بالتقزز والقرف وهو يتابع وسائل الإعلام العربية المختلفة، وخاصة ما يصله منها من بث تليفزيوني، وقد تحول الإحساس المتبلد من قبل هذه الوسائل تجاه الانتفاضة، إلى شبه مقاطعة جماعية لها من قبل أهلنا في الوطن المحتل.

3- إن المعونات التي يجري الحديث عن تقديمها للانتفاضة لا يصل سوى سُدسها فقط، والأحاديث المتداولة تدور حول سوء التصرف، وفقدان العدالة في التوزيع.

4- وهذا هو المهم.. أن الانتفاضة انطلقت من المسجد، وهي اليوم تستمد صمودها وإصرارها منه، وتنمو على خزين الإيمان المتأجج في الصدور الثائرة، وتقودها السواعد المتوضئة بإصرار وعزيمة نادرتين.

وفي لقائي مع ذلك الشاب، عرفت أن الحركة الإسلامية هي التي وطدت لقيام الانتفاضة، من خلال التعبئة العامة في المساجد، التي غدت منبر الجهاد الأساسي، والذي عجز اليهود عن السيطرة عليه، ومن خلال تشكيل محاكم لفض النزاعات الشخصية والعائلية، والدور الكبير الذي يقوم به العلماء من أجل تسهيل أمور الناس، والدعوة إلى التقشف، وهو ما يتمثل بصورة مباشرة في حفلات الزواج المتواضعة التي تجري في الضفة الغربية وقطاع غزة، حيث يفترض في جميع الحالات ألا تزيد الكلفة على (٤٠٠) دينار تُقدم للشاب من إخوانه وأصدقائه وأقاربه على شكل مساهمات.

إنه التحدي الكبير في مواجهة القهر والاضطهاد.

المضحك.. المبكي:

القصة التالية ليست من واقع الخيال القصصي، أو الحبك الفني.. أنها قصة واقعية حدثت قبل أيام في عاصمة عربية.. لجنة شعبية لدعم الانتفاضة استغلت اجتماعا حاشدًا لمناسبة عامة، خُصص جزء منه للحديث عن الانتفاضة والتضامن معها.. عدد الحضور فاق الثلاثة آلاف إنسان.. صناديق جمع التبرعات موزعة أمام عيون الجميع.. خُطب حماسية مهمة، وتصفيق حار مع كل كلمة عن الانتفاضة.

بعد ساعات انفرط عقد الاجتماع، ودلف الجميع من أبواب القاعة كأن شيئًا لم يكن.. الدهشة والحيرة ترتسمان على وجوه أعضاء اللجنة التي تقوم بجمع التبرعات.. تفتح الصناديق.. وتظهر المفاجأة.. ستة وعشرون دينارًا فقط، هو المبلغ الكلي الذي تبرع به ستة أشخاص من أصل ثلاثة آلاف شخص هم العدد الكلي للحاضرين.

كان في ودي أن أبكي.. ولكن ضحكت.. أجل ضحكت، لأني لم أكن أتوقع من هؤلاء الهلاميين أكثر من ذلك.. أما أولئك الذين قدموا التبرعات، فقد استبدلوا أسماءهم الحقيقية، بأسماء شهداء فلسطين.. فما الذي يعنيه ذلك، سوى أنهم كانوا الاستثناء الحقيقي من أولئك العابثين؟

الصورة المقابلة

في السنة الماضية عقد تجمع الشباب العربي المسلم في الولايات المتحدة مؤتمرًا عامًا له، وقد ضم المؤتمر أكثر من أربعة آلاف شخص بين رجل وامرأة، جاءوا من مختلف مناحي العالم العربي والإسلامي، إضافة إلى أوروبا والولايات المتحدة وقد اعتبر المؤتمر مناسبة مهمة لجمع التبرعات لصالح قضيتي الانتفاضة وأفغانستان، ولم يكن أمرًا مستغربًا حين بدأت النساء المسلمات بنزع حُليهن أمام الجميع متبرعات بهن، لصالح الجهاد الفلسطيني والأفغاني. صناديق كاملة مُلئت بالذهب الخالص، وحولت إلى لجان مسؤولة، لتحويلها إلى أهلنا في الوطن المحتل.. وهكذا كان التعبير الحقيقي عن دعم الانتفاضة.

وبكل تأكيد فأنا لا أقصد مما أوردت إهانة أحد ولا التقليل من جهد أحد أو استلابه.. ولكنه الواقع الذي ينبيك عن نفسه.. واقع الذين يعملون بصمت.. يقاتلون بصمت.. يستشهدون بصمت.. وتصعد أرواحهم إلى بارئها حتى دون أن تخرج أسماؤهم عن نطاق الحي أو القرية أو المدينة التي عاشوا واستشهدوا فيها.

وواقع الذين يناضلون بالشعارات.. بالخُطب الحماسية.. بالتصفيق والحفلات.. يمضون نهارهم بالتصريحات والشعارات الجوفاء.. وينامون على وقع الكؤوس والليالي الملاح.

والعلامة المميزة بين الواقعين، هي ساعة الجد، ساحة البذل والعطاء والتضحية، كما ظهر ذلك للجميع.

فهل غيّر التقدميون تجارتهم «النضالية» من الشعارات إلى الدماء؟!

الرابط المختصر :