العنوان الانتفاضة والحرب النفسية ضد الاحتلال
الكاتب وائل عبدالقادر
تاريخ النشر الثلاثاء 30-مايو-1989
مشاهدات 66
نشر في العدد 918
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 30-مايو-1989
من نتائج الحرب النفسية ضد جنود العدو: امتناع الجنود عن الالتحاق بالجيش.. وفقدان ثقتهم بقيادتهم السياسية وشعورهم بعجزها عن حل مشاكلهم
نستقرئ من تاريخ المعارك والمواجهات العسكرية على مر العصور واحدًا من أهم عوامل النصر الحاسمة في أية واقعة في أي زمان ومكان، ألا وهو العامل النفسي لدى الجندي المقاتل، وليس عجبًا أن يكون أهم أهداف أي جيش في اللحظات الحاسمة أن يحظى بقتل قائد قوات الجيش المعادي، ليس فقط من أجل أن يربك الخطة العسكرية، بل من أجل إحباط الناحية النفسية لجميع القوات العسكرية التابعة لهذا القائد، ولعل القائد الفذ خالد بن الوليد قد أخفى نبأ وفاة خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أبي بكر الصديق فجر يوم معركة اليرموك من أجل أن يحافظ على النفسية القتالية المرتفعة لدى الجيش الإسلامي، بل وإن استقبال رسول الله صلى الله عليه وسلم للجيش العائد من معركة مؤتة بقوله: «الكرار الكرار» لخير دليل على أهمية إبقاء الروح القتالية العالية والحالة النفسية المنتصرة لدى الجنود.
روح قتالية
ولعل المراقب للمراحل النفسية التي مر ويمر بها جيش العدو الإسرائيلي منذ بداية الانتفاضة وحتى الآن ليجد أنه بالرغم من كل المحاولات من طرف حكومة العدو للإبقاء على روح «قتالية عالية» عند هذا الجيش والمحافظة على الناحية النفسية، إلا أنهم فشلوا في ذلك وعلى جميع الأصعدة، وما كانت كل محاولاتهم إلا مسكنات زال مفعولها بعد فترة قصيرة.
فإذا تفحصنا تلك الحالة «النفسية» منذ بداية الانتفاضة وحتى الوقت الحالي يمكننا أن نقسمها إلى المراحل التالية:
أولًا: مرحلة المواجهة العنيفة «المعتادة»: وكان ذلك في بداية الانتفاضة؛ حيث ظن الجنود أنها مرحلة اضطرابات لا تلبث أن تنتهي، وهم بذلك لم يكونوا مهيئين لمرحلة مواجهة طويلة المدى.
ثانيًا: مرحلة إدراك المعنى الجديد لهذا النوع من المواجهة، الأمر الذي أثار الفضول عند الكثيرين من الجنود لأن يروا ما هي الانتفاضة، وهل صحيح أن الطفل الفلسطيني يواجه الجندي الإسرائيلي المدجج بالسلاح بحجر صغير؟ ولكن سرعان ما تبدد هذا الفضول وحل محله الذهول من حقيقة الأمر أو الذهول من المفاجئة «المتوقعة»، فها هو يرى بعينيه ما كان قد سمعه من ذلك التحدي العجيب.
ثالثًا: مرحلة الخوف الشديد من هذا الوضع العجيب، ومحاولة الخروج منه بأية وسيلة، وقد برزت سمات هذه المرحلة بعد مرور حوالي الشهرين من بداية الانتفاضة، وقد تميزت محاولات الجنود للخروج من المأزق كما يلي:
١- العنف الشديد في المواجهة ومحاولة إنهاء الصراع بالسرعة الممكنة؛ مما أدى إلى سقوط العديد من الشهداء الفلسطينيين.
٢- بذل الجندي «الإسرائيلي» كل الجهود من أجل أن لا يؤدي فترة خدمته العسكرية في المناطق «المحتلة» أي الضفة وغزة.
٣- الهيجان العصبي وعدم ضبط النفس أثناء المواجهة، وهذا ما بدا جليًّا في حادث قتل الفتاة الإسرائيلية على إثر إصابتها برصاصة أحد الجنود الإسرائيليين أنفسهم في إبريل ۱۹۸۸.
رابعًا: أما المرحلة الرابعة من مراحل تفاقم الحالة النفسية لدى الجنود الإسرائيليين فقد انقسم فيها الجنود إلى نوعين: الأول: وهو النوع غير المبالي بالوضع الحالي؛ لأنه يعرف أن دوره محدود في هذه المواجهة مرتبط بفترة زمنية محددة وينتهي دوره بانتهاء هذا الدور، وهذا النوع لا يشكل عبئًا على الحكومة هناك، لكن هذا النوع لا يشكل إلا الأقلية الصغرى من الجنود الموصوفة بالتطرف والتعصب الديني، وأما النوع الثاني -وهو أكثرية الجنود- فيجد نفسه في ورطة كبيرة لا يعرف ماذا يفعل؟ همه الوحيد أن يخرج من هذه المناطق بسلام؛ فهو تارة يواجه المتظاهرين بعنف وشدة وقسوة، محاولًا أن يوقف تقدمهم -سياسة تكسير العظام- وهو تارة يحاول أن يتوسل إلى قاذفي الحجارة لكي يتركوه هو ورفاقه في حال سبيله، ولعل من طريف ما يروى بالنسبة لحال هؤلاء ما شاهده الناس على شاشات التلفزيون حينما زار شامير مدينة نابلس قبل بضعة أسابيع والتقى ببعض الجنود الإسرائيليين هناك، حيث قال له أحدهم: «إنك تجلس في مكتبك تتخذ القرارات ولا تدري ماذا يحصل هنا على أرض الواقع، حتى رئيس الوحدة العسكرية لا يدري ما الأمر، إننا حينما نعتقل الناس ننظر في أيديهم فنراها أيدي عمال مثل أيدينا، وهم بالتأكيد لم يفعلوا شيئًا».
هذا بالنسبة للحالة النفسية للجنود في ظل الانتفاضة المباركة، وقد أدت هذه الحالة إلى نتائج كثيرة على مختلف الأصعدة، من أهمها:
• فقدان ثقة وأمراض نفسية:
أولًا: امتناع أعداد كبيرة من الجنود عن الالتحاق بثكناتهم الواقعة في الضفة الغربية وقطاع غزة، ورفضهم أن يقوموا بالخدمة هناك.
ثانيًا: ظهور فجوة عميقة وخلافات كثيرة، بل ومواجهة عنيفة بين جنود الاحتلال والمستوطنين اليهود، مما أدى إلى فقدان الثقة بين الطرفين وتبادل الشتائم والاتهامات.
ثالثًا: ظهور أمراض نفسية مزمنة لدى الجنود نتيجة لعدم فهمهم واستيعابهم لهذه النوعية الجديدة من المواجهة.
رابعًا: فقدان ثقة الجنود بقيادتهم السياسية وشعورهم بعجزها عن حل مشاكلهم؛ مما يؤدي إلى تنامي تيار التمرد وكثرة حالات عدم الاستجابة للأوامر.
أما على صعيد محاولات الحكومة أن للتغلب على هذه المشاكل ولتبقي على الروح المعنوية جيدة لدى جنودها، فقد قامت بعدة محاولات من أهمها:
أولًا: تقليل مدة خدمة الجنود في الضفة الغربية وغزة إلى مدة أقل من أربعة أسابيع، ثم نقل الجنود بعدها إلى أماكن بعيدة عن جو الانتفاضة، ولكن هذه المحاولة لم تكن إلا حلًّا لفترة بسيطة حيث إن الجنود في الجيش محدودون والانتفاضة مستمرة، وهم بحاجة في كل يوم إلى المزيد من الجنود حتى يواجهوا واقع الانتفاضة، الأمر الذي أرعب الجنود وجعلهم يعيشون في رعب دائم خشية أن يتم طلبهم من أجل الخدمة في المناطق المحتلة عام «٦٧» مرة أخرى.
ثانيًا: تغريب الجنود أثناء فترة خدمتهم في المناطق المحتلة عام «٦٧» فالجندي ينتقل كل يوم إلى مكان جديد من أجل أن يتغير عليهم الجو، ولكي لا يروا آثار ما فعلته أيديهم بالأمس القريب.
ثالثًا: زيارات دائمة ميدانية من قبل القادة السياسيين من أجل أن يظهروا للجنود أنهم معهم دائمًا أثناء تصديهم للانتفاضة.
رابعًا: الاستعانة بالأقلية الدرزية الموجودة في الجيش من أجل التخفيف عن الجندي اليهودي.
خامسًا: اتباع سياسة القبضة الحديدية وإصدار الأوامر للجنود بإطلاق الرصاص المطاطي وغير المطاطي في المواجهة ولأبسط الأسباب، وذلك في محاولة لإرهاب الفلسطينيين من أجل إنهاء الانتفاضة بأسرع وقت ممكن من أجل التخفيف عن نفسية الجنود من ناحية، ومن ناحية أخرى من أجل إشعار الجنود بالأمان بأن لديهم إمكانات الدفاع عن النفس في حالة الخطر.
فإذا ما نظر المتتبعون للأحداث على أرض فلسطين المحتلة وحاولنا أن نفهم المرحلة السائدة يمكن لنا أن نستفيد من تحليلنا لواقع العدو النفسي من أجل أن نرقى في تعاملنا معه إلى نوع جديد من المواجهة، ويمكن بذلك أن نسير الانتفاضة إلى المزيد من ثمار الخير والبركة.