العنوان الانسحاب من سيناء في المنظور اليهودي
الكاتب محمد عبد الهادي
تاريخ النشر الثلاثاء 27-أبريل-1982
مشاهدات 61
نشر في العدد 568
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 27-أبريل-1982
● اليهود ينسحبون من سيناء مع وجود البدائل الجاهزة ملك أيديهم.
● الجوانب العسكرية والسياسية وموضوع التطبيع تحمل كل الخطر على الأمة بعد الانسحاب.
● على الرغم من كون العملية قرارًا دوليًّا فإنها تشكل إستراتيجية يهودية ذات أطر محددة.
● الانسحاب اليهودي يعزز التحالف الإستراتيجي مع الولايات المتحدة، ويجعل إسرائيل صاحبة القرار العسكري والسياسي في المنطقة.
قبل أن تكون عملية الانسحاب الإسرائيلية من صحراء سيناء المصرية مكسبًا عربيًّا عبر عنه شيخ الأزهر بأنه موقف يستدعي سجود الشكر لله.. فإن عملية الانسحاب تنطوي على كثير من عناصر الدهاء في اللعبة اليهودية في المنطقة.
ومهما يكن الأمر.. أو الأمور التي تنطوي عليها العملية، فإننا لا نستطيع.. بل لا نجيد المغالطة التي يتعاطاها حسني مبارك وهو يلمع وجهه أمام مواطنيه، ومن هذا لمنطلق فإننا ندعو المتأمل في العملية التكتيكية.. «عملية سيناء» إلى ملاحظة ما يلي:
۱- ليست عملية الانسحاب اليهودي من سيناء بموقف معبر عن انتصار سياسة الحل السلمي، كما يدعي النظام المصري، وليست أيضًا قرارًا يهوديًّا منطلقًا من موضوع إثبات حسن النية للعرب... وليست بالتالي ربحًا مصريًّا أو عربيًّا.. وإنما هي عملية ناتجة عن قرار دولي يعتمد على حسابات كثيرة ومعقدة، بدءًا من مفاوضات جنيف ومرورًا بكامب ديفيد، وانتهاء بالموقف الدولي الأخير الذي تشكل دولة إسرائیل نسبة كبيرة في صياغته.
٢- إن الحكومة الإسرائيلية التي تعيش ظروفًا معينة من التنافس داخل الأرض المحتلة لا بد وأنها حسبت جميع حساباتها أمام كتل المعارضة والتيارات الشعبية التي تمكن مناحيم بيغن بعد تأزيم موضوع الضفة الغربية وقطاع غزة، ورشق الجنوب اللبناني بالراجمات، والنابع من اقتناعها بأن بدائل سيناء موجودة، بل هي حتمًا داخل الطرف اليهودي الذي لا يمكن أن تطاله يد أخرى بحال من الأحوال.
ومن هذين المنطلقين «المشاركة في القرار الدولي- وجود البدائل من سيناء في الضفة والقطاع وجنوب لبنان والجولان أيضًا» نصل إلى النقطة الثالثة وهي الإستراتيجية اليهودية، وذلك كما يلي:
3- لقد أجمع معظم المراقبين على أن إسرائيل لا يمكن أن تفرط بالأرض إلا إذا كان الثمن أكبر بكثير «في النظرة المرحلية» من الأرض:
تقول صحيفة هاآرتس الصادرة في الأرض المحتلة:
إن دولة إسرائيل تسعى لتأمين استقرارها هي، وأمنها هي.. وتحقيق أحلامها القومية هي.. وتصفية أي تيار معارض لفكرة استيعاب الدولة اليهودية في المنطقة.. ذلك هو ما يعنيها في المقام الأول».
من هذه المقولة الإسرائيلية نلاحظ أن عملية الانسحاب من سيناء ما هي إلا إستراتيجية يهودية تكسب إسرائيل نقاطًا كثيرة داخل المرمى الدولي والمحلي، بينما تكسب مصر أرضًا وتخسر أمورًا كثيرة غير ذلك، وللإستراتيجية الجديدة سياسة مقننة، وذلك كما يلي:
سياسية البدائل في الإستراتيجية اليهودية.
ضرب الحركة الإسلامية
1- قبل أسبوعين فقط أثارت الصحافة العالمية زوبعة من الاحتمالات التي تشير إلى خلافات مصرية- إسرائيلية حول موضوع الانسحاب، الأمر الذي استدعى وزير الخارجية المصري للقيام بزيارة إلى فلسطين المحتلة. وقد لاحظ مراقبون أن توقيت هذه الزيارة التي أعقبها التفاهم التام بين حكومتي «مصر- واليهود» جاء متزامنًا مع إعدام خالد الإسلامبولي ودعوة العسكر الأمني في مصر إلى الشارع لمنع أي تحرك إسلامي محتمل.
نعم.. لقد كان رأس المجاهد خالد الإسلامبولي جزءًا كبيرًا من الثمن الذي قبضته الحكومة اليهودية في موضوع المفاوضة السياسية على ترسيم الحدود بين مصر وإسرائيل.. وبذلك تكون حكومة بيغن أمسكت بيد حسني مبارك وأغرقتها في الدم الإسلامي، لتقطع عليه منذ البدء مجرد التفكير في العودة إلى شعبه والاعتماد عليه في الأزمات التي تنشأ بعد المقالب الإسرائيلية عادة، ويبقى إعدام الإسلامبولي رمزًا في الذهنية اليهودية يرمز إلى نشوء فجوة سحيقة بين مبارك والحركة الإسلامية داخل مصر.
٢- الضفة الغربية وقطاع غزة
والبديل الجغرافي جاهز في هذه المنطقة من فلسطين. ولعلنا أشرنا في مقال «جراحات القدس والرصاصة اليهودية» في عددنا السباق إلى الأهداف اليهودية القابعة وراء تأزيم الأوضاع داخل الأرض المحتلة؛ حيث إن مناحيم بيغن وصف أبرز الأوضاع داخل فلسطين المحتلة بعد عملية الاعتداء على «الأقصى» وكأنها عملية صراع شعبي بين العرب و اليهود يأخذ شكلًا أيديولوجيا دينيًّا، الأمر الذي يجعل بيغن يمتلك مفتاح التهدئة لشعبه في حال بروز معارضة تقف في وجه عملية سيناء، حيث وصل الأمر به الآن إلى تقريب الأوضاع في الضفة والقطاع إلى ناحية الضم القانوني إلى أرض إسرائيل.
٣- الجنوب اللبناني
وهو بديل شبه جاهز في التصور اليهودي ، ولعل الأيام الخمسة الماضية أثبتت أن الحكومة اليهودية مستعدة في كل لحظة إلى قضم الجنوب اللبناني وإذابة المخيمات الفلسطينية وذبح القوى الوطنية فيه، ويكفي ذلك جزءًا كبيرًا من الثمن الذي ستقبض إسرائيل من العرب وهي تساوم على موضوع الانسحاب من سيناء.
ومما تقدم نستطيع أن نوجز الحقيقتين التاليتين :
الأولى: أن مفهوم تسليم الأرض في الذهنية اليهودية مرتبط بوجود البدائل.
الثانية: أن الحكومة اليهودية ستنهي عملية الانسحاب بعد أن تستفيد من جميع الأوراق السياسية والعسكرية التي تمتلكها في المنطقة بأسرها؛ لأنها تتصرف من منطق إستراتيجي.. وهو منطق الرابح الذي استنفذ خيرات سيناء واستهلكها على مدى «١٥» سنة مرت، وإذا أردنا التفصيل في القول حول الإستراتيجية اليهودية ضمن موضوع الانسحاب، فإننا لا بد من طرح النقاط التالية:
أولًا: إستراتيجية عسكرية
إن إسرائيل تنظر إلى الانسحاب من خلال النظرة القائلة بأن «إعادة كل سيناء هو أمر مرفوض؛ إذ ينبغي الاحتفاظ بأكبر قدر ممكن من نقاط التمركز في الصحراء المصرية حتى ما بعد ٢٥ إبريل، وذلك لإبقاء المصريين في شبكة التفاوض والضغوط الإسرائيلية».
على أن تقريرًا لوكالة الصحافة الفرنسية أشار إلى أن القوة العسكرية الإسرائيلية التي يمكن أن تجمعها إسرائيل في حالة نقض مصر للاتفاقية تعادل «۳» إلى واحد من القوة المصرية العربية على الجهات الأخرى، يضاف إلى أن الإستراتيجية اليهودية تتطلب إخلاء معظم سيناء من أية قوة عسكرية مصرية مستبدلة ذلك بـ:
- وحدات مراقبة أمريكية يرجح أن يكون وجودها لصالح الإستراتيجية العسكرية لإسرائيل.
- وحدة المراقبة الدولية التي ستتمركز في قسمها الأكبر داخل الأرض المصرية بعد تنفيذ ما اتفق عليه من ترسيم الحدود.
- منع مصر من إحداث منشآت عسكرية.
- شل حركة الطيران العسكري المصري فوق المنطقة التي ستنسحب إسرائيل منها، على أن جميع ما احتوت عليه اتفاقات ترسيم الحدود والانسحاب لا تعطي مصر أية فرصة عسكرية في الوقت الذي لا تتقيد دولة العدوان اليهودية بأي شرط مماثل.
يضاف على جانب الاستراتيجية العسكرية موضوع خارجي يتمثل بتنفيذ خطوط التحالف الاستراتيجي بين الولايات المتحدة وإسرائيل بحيث تضمن دولة العدو تكريس الحلف لصالحها من الناحية العسكرية أمام أي طارئ جديد.
ثانيًا:إستراتيجية سياسية
يمكن أن نضع خطوط هذا الجانب في الأرقام التالية:
۱- حصول دولة إسرائيل على شرعية عالمية تعترف بحدودها الجنوبية رسميًّا، بحيث لا يحق للجانب المصري في يوم من الأيام أن يدعي حقه في شبر واحد من أرض فلسطين.
۲- إبعاد القضية الفلسطينية عن موضوع العلاقة بين مصر وإسرائيل، وإماتة فكرة البحث في الحكم الذاتي التي كانت مجالًا لتباحث طويل بين حكومة مبارك وحكومة بيغن.
٣- ترسيم العلاقة بين مصر ومنظمة التحرير الفلسطينية، ولا سيما بعد ما أشاعت الصحف الإسرائيلية أن مصر باعت بعض فصائل المقاومة في لبنان كميات معينة من الأسلحة.
٤- تمكين التحالف « اليهودي - الأمريكي»؛ نظرًا لأن الولايات المتحدة هي صاحبة المظلة التي تم الصلح الإسرائيلي المصري تحتها.
٥- جعل قضية الانسحاب من سيناء موضوعًا سياسيًّا يثبت حسن نية اليهود أمام العرب الذين يرغبون في حل شامل للقضية الشرق أوسطية مثل سورية.
٦- شلل السياسة المصرية إذا حاولت النزوع منزعًا استقلاليًّا يرمي إلى بحث التضامن مع العرب، إلا إذا كان تضامنًا منطلقًا من كامب ديفيد نفسها.. أو من تصورات مناحيم بيغن على الحكم المصري، حيث نرجح الاعتقاد القائل بأن حسني مبارك سوف يظل تحت رحمة «يهود» في توجهاته السياسية في المنطقة.
وهكذا يفرز الانسحاب اليهودي من سيناء طورًا جديدًا للهيمنة السياسية الإسرائيلية على القرار المصري والعاطفة الأمريكية والدولية بآن واحد.
ثالثًا: استراتيجية التطبيع الصهيونية
وتدخل في عناصره عدة أمور منها:
1- التطبيع الدبلوماسي: فقد أعلنت كل من مصر وإسرائيل قبل الانسحاب بثلاثة أيام عن افتتاح قنصلية مصرية في إيلات على خليج العقبة، مقابل افتتاح قنصلية إسرائيلية في الإسكندرية. وقد عرف الشعب المصري خطر التمثيل القنصلي والدبلوماسي يوم وجدت سفارة اليهود في القاهرة. ويأتي هذا الافتتاح القنصلي الجديد ليحقق جزءًا هامًّا من إستراتيجية التطبيع الهيودي التي تهدف إلى التدرج في الصهينة البطيئة وعلى الطريقة الدبلوماسية.
٢- ضرب الحركة الإسلامية، وهو من عناصر من إستراتيجية التطبيع وتندرج في ذلك شرائط إسرائيل بكسح التيار الإسلامي. وقد أشرنا في بدء موضوعنا إلى أن رأس الملازم الشهيد الإسلامبولي ورفاقه الأبرار كان جزءًا من الثمن الذي اشترطت إسرائیل استلامه.
٣- الغزو الاقتصادي: الذي بدأت إسرائيل تمارسه منذ أن أوجدت سفارتها داخل القاهرة، وسوف يتصاعد هذا الغزو ولا سيما أن إسرائيل تفتقد الأسواق القريبة لمنتجاتها الزراعية والصناعية، بحيث تصبح مصر بديلًا رئيسيًّا للأسواق البعيدة التي تحتاج إسرائيل في تكريس المصروفات الإضافية، ولهذه النقطة بالذات آثار سلبية ستترتب على القناعة المصرية وعلى نمو الاقتصاد المصري بشكل عام.
مصر أداة صهيونية
بعد ما قدمناه لا بد وأن نصل إلى حقيقة مرة مفادها أن مصر ستصبح هي الأداة الطيعة ضمن الاستراتيجية اليهودية الجديدة، ومن يدري فقد تصبح مصر هي الوسيط الوحيد بين العرب وإسرائيل. وقد تتبنى المبادرات الإسرائيلية لفرضها بشتى السبل على الشعوب العربية بعد التفاهم مع حكامها على نقاط معينة. والذي يقرب هذا الاحتمال أن بعضًا من الدول العربية التي كانت تتشدد في الموضوع المصري أوشكت أن تعلن عن موقف جديد. وقد توضح الأيام القادمة إيضاحات جديدة تؤكد مدلول اللعبة اليهودية التي ستكون مصر هي الأداة الجديدة فيها.