العنوان الانعكاسات والتبعات تكون على قضايا المسلمين والعرب.. كيف يتخذ أعضاء الكونجرس الأمريكي قراراتهم؟
الكاتب علاء بيومي
تاريخ النشر السبت 19-يوليو-2003
مشاهدات 48
نشر في العدد 1560
نشر في الصفحة 37
السبت 19-يوليو-2003
أعضاء الكونجرس يتخذون معظم قراراتهم بناًء علي نصائح من مصادر موثوق بها أبرزها قيادات أحزابهم وقيادا الناخبين بدوائرهم وجماعات المصالح والإعلام.
الدرس الأهم، أن يتعلم المسلمون كيف يقدمون نصائح موثوقاً بها لعضو الكونجرس.
صناعة القرار واتخاذه في الكونجرس الأمريكي عملية معقدة بسبب تعدد العوامل المؤثرة على قرارات أعضاء الكونجرس واختلاف الطرق التي يمكن من خلالها رصد هذه العوامل.
وسنحاول هنا عرض إحدى أهم النظريات المهتمة بتفسير العوامل المؤثرة على قرارات أعضاء الكونجرس خاصة بمجلس النواب، كما سنحاول استخدام هذه النظرية في تفسير مواقف أعضاء الكونجرس العامة تجاه قضايا المسلمين والعرب.
النظرية التي نحب الحديث عنها هنا يمكن تسميتها بالنظرية السلوكية أو الإدراكية لأنها تركز على سلوك عضو الكونجرس كفرد وتحاول تفسير ما يدور بداخل عقل عضو الكونجرس قبل اتخاذه قراراً بمساندة قضية معنية أو بالتصويت بشكل معين.
معضلة صناعة القرارات
وأطرف محتويات هذه النظرية نظرتها الرئيسة المعضلة صناعة القرار التي يواجهها كل عضو من أعضاء الكونجرس الأمريكي ٤٣٥ عضواً بمجلس النواب و ۱۰۰ عضو بمجلس الشيوخ وسبب هذه المعضلة أنه ينبغي على كل عضو من هؤلاء الأعضاء اتخاذ آلاف القرارات المتعلقة بآلاف مشاريع القرارات والقوانين التي تقدم بمجلس الكونجرس كل عام، ففي كل عام يتم تقديم حوالي عشرة آلاف مشروع قرار أو قانون (يمرر حوالي ألفين منها تعالج قضايا عديدة ومختلفة تتراوح بين إدارة ترسانة الأسلحة النووية وبرامج الطيران والفضاء الأمريكية إلى تربية الدجاج وتنقية المياه وحماية البيئة وغير ذلك من القرارات التي تعالج قضايا دولة شاسعة وقارية كبرى كالولايات المتحدة.
وبالطبع تفوق هذه القرارات القدرة الاستيعابية لأي إنسان مهما كانت عبقريته ومهما كثر عدد مساعديه خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار قضايا مهمة أخرى تؤثر على قرارات أعضاء الكونجرس على رأسها أن أعضاء الكونجرس ليسوا متفرغين فقط لصناعة القرارات والقوانين، فعليهم القيام بمهام أخرى مثل اللقاء مع أبناء دوائرهم الانتخابية ومع ممثلي جماعات المصالح وقيادات أحزابهم وقيادات الإدارة الأمريكية، كما ينبغي عليهم أيضاً مثل كل إنسان - التفكير في مستقبلهم ومستقبل عائلاتهم وطموحاتهم السياسية والتي تدفع بعضهم أحياناً إلى السعي إلى لعب أدوار قيادية داخل أحزابهم بالكونجرس وداخل لجان الكونجرس وعند مناقشة التشريعات والتصويت عليها.
العوامل السابقة مجتمعة تعني في الواقع أن عضو الكونجرس المثالي قد لا يستطيع أن يتخذ قراراً واعياً ومدروساً تجاه القضايا المعروضة عليه بالكونجرس سوى مرات محدودة جداً قد لا تتعدى العشرات أما بخصوص بقية القرارات التي يتحتم عليه اتخاذها والتي قد تقدر بالآلاف فيجب عليه البحث عن أسلوب آخر لاتخاذها لا يرتبط بالتفكير العقلاني بمفهومه الأكاديمي الذي يعتمد على الدراسة الواعية والدقيقة لتفاصيل أي قضية قبل اتخاذ قرار فيها، ويمكن وصف هذه الأسلوب ببساطة بأنه أسلوب سياسي.
معالم الأسلوب السياسي في اتخاذ القرار وأهم معالم هذا الأسلوب السياسي عدم اعتماده على الدراسة الواعية بقدر ما يعتمد على الإشارات القادمة من مصادر موثوق بها، بمعنى آخر أن أصحاب النظرية السلوكية /الإدراكية برون أن أعضاء الكونجرس يتخذون معظم قراراتهم بناء على إشارات أو نصائح سريعة تصل إليهم من مصادر موثوق فيها، على رأسها زملاؤهم بالكونجرس، وقيادات أحزابهم وقيادات الناخبين بدوائرهم ومساعدوهم وجماعات المصالح والإعلام.
وترى هذه النظرية أن عضو الكونجرس بسبب انشغاله الشديد، ولأنه يتحتم عليه اتخاذ آلاف القرارات يلجأ إلى الاعتماد على نصائح عدد قليل من الناصحين الموثوق بهم والذين أشرنا إليهم في الفقرة السابقة، وترى النظرية أن عضو الكونجرس يتبع منهج السلامة أولاً، في أسلوب تلقيه واستخدامه للنصائح والإشارات، فهو يريد بالأساس ألا يغضب أحداً وأن يحافظ على وظيفته وأن يضمن إعادة انتخابه، ولذا فهو يبحث عن نصائح من نوع خاص، نصائح لا تدخله في تحد أو خلاف مع أحد نصائح سياسية بقدر ما هي موضوعية وعلمية.
كما أن عضو الكونجرس يعلم أن انتباه أعضاء دائرته أو الإعلام أو حتى الشعب الأمريكي كله فيما يتعلق بالقضايا السياسة محدود جداً فحجم القضايا السياسية التي يمكن أن يهتم بها أي مواطن حتى لو كان نشيطاً سياسياً قليل جداً، وذلك لأن إدراك وانتباه أي إنسان محدودان مهما كانت عبقريته، فليس هناك إنسان قادر على الاهتمام بآلاف القضايا وبمواقف ٥٣٥ عضواً كونجرس تجاهها، وإذا أضفنا إلى ذلك دور السياسيين على مستوى البيت الأبيض وعلى مستوى الولايات والمدن الأمريكية المختلفة ة في التأثير على هذه القضايا والسياسات، وأهمية أن يعنى المواطن العادي بهم جميعاً وبسلوكهم لوجدنا أن المواطن العادي لا يستطيع الاهتمام سوى بعدد محدود جداً من القضايا التي تقدم له بشكل عام وقيمي وأيديولوجي يتلافى التفاصيل حتى لا يرهق مستقبلها .
أعضاء الكونجرس يدركون هذه الحقيقة بشكل جيد ويستخدمونها جيداً، ويعلمون أن المواطن العادي ليس لديه اهتمام بالغالبية العظمى من القضايا المطروحة وأن اهتمامه يقتصر على عدد محدود جداً من القضايا، وهذا بالطبع يساعد عضو الكونجرس على تطبيق مبدأ السلامة في صناعة الغالبية العظمى من القرارات.
مصادر النصائح
وأول مصدر يلجأ إليه عضو الكونجرس في الحصول على النصيحة هو زملاؤه بالكونجرس خاصة أبناء حزبه والنواب القادمين من ولايته الأقدم منه وأصحاب الخبرة، وذلك لتشابه ظروفهم مع ظروفه، مع امتلاكهم الخبرة، ولسبب آخر مهم هو أنهم معتادون على صناعة القرارات السياسية التي تأخذ في حسبانها الاعتبارات السياسية وليس فقط الاعتبارات المتعلقة بالحقيقة بمفهومها الأكاديمي المجرد كما أن أعضاء الكونجرس يتميزون بأنهم باقون بالكونجرس ومعروفون مما يعطيهم مصداقية ويحول بينهم أيضاً وبين خداع زملائهم.
ويرتبط أعضاء الكونجرس مع بعضهم بعضاً من خلال عشرات التجمعات الرسمية وغير الرسمية التي تجمعهم داخل الكونجرس وخارجه والتي تقوم على أسس عديدة كالتكتلات الحزبية مثل تجمع أعضاء الحزبين الرئيسين الجمهوري والديمقراطي، وأخرى عرقية مثل تكتل أعضاء الكونجرس الأفارقة الأمريكيين، وهناك تحالفات أيديولوجية ينقسم فيها أعضاء الكونجرس وفقاً لدرجة انتمائهم إلى اليسار أو اليمين الأمريكيين وهناك تحالفات حول قضايا معينة مثل الأسلحة الصغيرة وانتشارها في المجتمع الأمريكي ومثل الإجهاض، هناك أيضاً تحالفات تنشأ بخصوص قضايا مؤقتة تظهر ثم تختفي.
ويتنقل أعضاء الكونجرس بين هذه التحالفات وغيرها باحثين عن مصادر موثوق فيها للنصيحة حتى إذا عثروا عليها بين زملائهم الموثوق فيهم استخدموها بشكل مذهل أحياناً، إذ يشير بعض أجريت حول هذه القضية إلى أن الدراسات بعض أعضاء الكونجرس يصوتون على تشريعات قوانين لم يقرؤوها أو يسمعوا بها لمجرد معرفتهم أن بعض زملائهم صوتوا عليها بشكل معين، وإذاأتيحت لك فرصة حضور إحدى جلسات الاستماع بالكونجرس الأمريكي فسوف تجد أن رجال الكونجرس يتنقلون بين جلسات الاستماع وجلسات التصويت بشكل مستمر راكضين أحياناً، إذ ينبغي عليهم التعامل مضطرين مع جدول مليء بالأعمال وبعشرات القضايا المطروحة للتصويت بشكل مستمر.
بعد أخذ نصائح زملائهم الموثوق فيهم يهتم أعضاء الكونجرس بمعرفة نصائح قيادات أحزابهم بالكونجرس كما يهتمون أيضاً - وعلى مستوى أقل بمعرفة نصائح قيادات الناخبين بدوائرهم، وسبب قلة الأهمية هنا أن الناخبين لا يهتمون إلا بعدد قليل جداً من القضايا كما شرحنا في السابق.
هناك أيضا دور مهم وإن كان محدوداً الجماعات المصالح لأنها محدودة الاهتمام أيضاً مثلها مثل جماعات الناخبين فكل جماعة تهتم بعدد قليل جداً من القضايا كما يهتم أعضاء الكونجرس بقراءة الجرائد الكبرى كجريدة واشنطن بوست ونيويورك تايمز لمعرفة ما يحدث بالولايات المتحدة وتوجهات الرأي العام من خلالها، وفي أحيان كثيرة يستشهد أعضاء الكونجرس بمقالات وتقارير نشرت في هذه الجرائد خلال جلسات الكونجرس معتبراً إياها مصدراً مهماً وموثوقاً به للمعلومات وفي رأيي أن أهميتها هنا ترتبط بعوامل عديدة على رأسها أنها استطاعت الوصول إلى أعين وانتباه عضو الكونجرس لدقائق قليلة كونت فيها إدراكه القضية معينة في ظل انشغاله الشديد.
أما بالنسبة لمساعدي أعضاء الكونجرس قدورهم في التأثير عليه كالسهل الممتنع فهم شديدو التأثير لدرجة أن عضو الكونجرس أحياناً لا يدرك وجودهم، وأهمية دورهم تنبع من كونهم يقدمون مساعدات غير متناهية لعضو الكونجرس مثل دراسة القضايا، ورفع تقارير بخصوصها إليه وتنظيم وقته، واللقاء مع ممثلي جماعات المصالح ولكن الكثير من أعضاء الكونجرس لا يشعرون بتأثير مساعديهم عليهم لأنهم باختصار يعتبرونهم جزءاً منهم.
تفرض الظروف السابقة على عضو الكونجرس أسلوباً معيناً في اتخاذ القرارات يتبع كما ذكرنا مبدأ والسلامة أولاً ولو علمنا أن الكونجرس يمرر في المتوسط حوالي الفي تشريع من بين عشرة آلاف تشريع تطرح عليه كل عام في المتوسط لأمكننا القول - وفقاً للدراسات التي اطلعنا عليها - إن عضو الكونجرس يتخذ قراراته تجاه معظم هذه القضايا بأسلوب سلس بعيد عن المواجهة، وذلك بسبب أن غالبية جماعات المصالح وتحالفات الناخبين وحتى وسائل الإعلام لا يهتمون إلا بعدد قليل من القضايا المطروحة، كما أن لكل جماعة اهتمامها المحدد بقضية معينة، كما أن اهتمامهم هذا لا يتعدى مستوى العموميات ولا يصل للتفاصيل في كثير من الأحيان.
ولذا يصوت عضو الكونجرس على عدد كبير من التشريعات متبعاً نصائح زملائه الموثوق فيه وقيادات حزبه مادامت هذه التشريعات لا تغضب أحداً.
بقي لنا أن نناقش في هذه المقالة مسألتين: أولاهما أن نذكر القارئ الكريم بأن النظرية السابقة ليست النظرية الوحيدة المطروحة لتفسير الأسلوب الذي يصنع من خلاله أعضاء الكونجرس الأمريكي قراراتهم، فهناك نظريات أخرى تركز على دور المؤسسات داخل الكونجرس كاللجان والأحزاب في صنع القرارات وهناك نظريات أخرى تركز على دور السياق العامة والبيئة السياسية خارج الكونجرس خاصة على المدى الطويل ويفعل فترات التغير التاريخية.
أما المسالة الثانية فهي أن تحاول سريعاً الاستفادة من النظرية السابقة فيما يتعلق بفهم الأسلوب الذي يتخذ به أعضاء الكونجرس قراراتهم بخصوص قضايا المسلمين والعرب، وأحب أن أشير هنا إلى دروس خمسة أساسية.
قرارات الكونجرس تجاه قضايا المسلمين والعرب
أولاً: النظرية السابقة تعطي المواطن المسلم والعربي العادي فرصة أكبر للتأثير على موقف عضو الكونجرس الأمريكي من قضاياه، فهناك أسلوبان يمكن النظر من خلالهما لدور الفرد في التأثير على عضو الكونجرس وفقاً للنظرية السابقة النظرة الأولى ترى أن عضو الكونجرس شديد الانشغال قد لا يبالي بتأثير الفرد العادي وسيحاول تلافيه، أما النظرة الثانية فترى أن كثرة أشغال عضو الكونجرس تجعله شديد التأثر بأي نصيحة تصل إليه بسبب قلة الوقت الذي يمكن أن يمنحه لتلقي هذه النصائح.
ولذا يركز كثير من خبراء اللوبي عند محاضرتهم بخصوص أفضل سبل التأثير على أعضاء الكونجرس على أهمية الاختصار إذ يرون ضرورة اختصار أية قضية يرجى عرضها على عضو الكونجرس في صفحة واحدة لا أكثر، لأنعضو الكونجرس في ظل انشغاله الشديد لن يستطيع قراءة أكثر من صفحة واحدة.
ثانياً: الدرس السابق يعني أن وظيفة المسلمين والعرب الساعين إلى التأثير على أعضاء الكونجرس هي وظيفة سهلة نسبياً لا تتعدى صياغة صفحة واحدة عن كل قضية يهتمون بها وبإيصالها إلى عضو الكونجرس ويجب هنا أن نشير إلى أن تأثير هذه الصفحة سوف يتوقف على عوامل عديدة مهمة مثل دقة صياغتها بشكل عملي يرتبط بشيء يمكن أن يقدمه عضو الكونجرس للجماعات المسلمة والعربية، كما يتوقف على قدرة هذه الجماعات على الوصول إلى عضو الكونجرس، وعلى الوصول إلى الإعلاموإلى باقي صناع القرار في واشنطن وإيصال تلك الصفحة الواحدة إليهم بشكل يجعلها مطروحة في مختلف أروقة صنع القرار بواشنطن، ومن ثم يقنع عضو الكونجرس بأن الصفحة الواحدة تعالج قضية ذات حضور بواشنطن.
ثالثاً: منظور السلامة أولاً، الذي تحدثنا عنه في المقالة يمكن أن يفسر لنا أسباب نجاح اللوبي الموالي له إسرائيل، في إخافة عدد كبير من أعضاء الكونجرس من مساندة قضايا المسلمين والعرب في أمريكا.
رابعاً: هيمنة اللوبي الموالي للكيان الصهيوني على القضايا المتعلقة بمصالح الكيان الصهيوني في الكونجرس لم يمنع العشرات من أعضاء الكونجرس من تأييد قضايا المسلمين والعرب في السنوات الأخيرة وفي الفترة الحالية وعلى رأسها القضية الفلسطينية، وذلك إيماناً منهم بعدالة قضية الشعب الفلسطيني، الأمر الذي يعني أن المبدأ السلامة أولاً، الذي يتبعه غالبية أعضاء الكونجرس استثناءات وحدوداً، وهو يعني أيضاً أن الجماعات المصالح المسلمة والعربية الأمريكية دوراً كبيراً يمكن أن تلعبه لتقديم مصالحهم وإعلاء قضاياهم في أروقة صناعة القرار الأمريكية.
خامساً: الدرس الأخير والأهم أنه ينبغي على المسلمين والعرب الأمريكيين أن يتعلموا كيفية تقديم نصائح موثوق فيها لعضو الكونجرس الأمريكي وذلك بأن يكونوا في مواضع الثقة المعروفة والمحترمة من قبلهم، وعلى رأسها عضوية الكونجرس وقيادة الأحزاب والعمل كمساعدين الأعضاء الكونجرس، وقد رأينا إقبالاً ملحوظاً من قبل الشباب المسلم والعربي الأمريكي على العمل كمساعدين لأعضاء الكونجرس خلال الفترة الأخيرة، ونأمل أن يقود هذه الاهتمام إلى تشجيع السياسيين المسلمين والعرب الأمريكيين المرتبطين بقضايا أمتهم بشكل حقيقي على السعي إلى الوصول إلى عضوية الكونجرس، كما نأمل في أن يكلل سعيهم هذا بالنجاح في المستقبل القريب كما نجحوا في تبوؤ مناصب عديدة مهمة على مستوى الولايات والمدن الأمريكية المختلفة .