العنوان الانقسام الحزبي بين الإسلاميين الأتراك وإشكالية العلاقة بين الفكر والحركة
الكاتب محمد أحمد نصر
تاريخ النشر السبت 01-سبتمبر-2001
مشاهدات 57
نشر في العدد 1466
نشر في الصفحة 42
السبت 01-سبتمبر-2001
أتيحت لي في تركيا فرصة لقاء كل من البروفيسور نجم الدين أربكان والمهندس رجائي قوطان ثم رجل الأعمال رجب الطيب أردوغان، وهم يمثلون تقريبًا ثلاثة أجيال على صعيد العمل السياسي الإسلامي التركي.
كما التقيت كبير العاملين في خدمة رسائل النور الشيخ محمد فرنجي وهو ممن زاملوا الشيخ بديع الزمان سعيد النورسي، وعايشت أياما قليلة أعدادًا من شباب تلك الحركة ورجالها الحركيين، إن جاز هذا الوصف، رغم أن جماعة النور تحاول النأي بنفسها عن الانخراط المباشر في العمل السياسي اكتفاء بالتربية.
وقد عدت لاسترجاع تلك اللقاءات وبعض ما كتبته منذ أكثر من عام، بمناسبة ما جرى على الساحة التركية في الأسابيع القليلة الماضية، فقد تعرض حزب الفضيلة للحل ولم تمض إلا أيام قليلة حتى وقع انقسام تمثل في تشكيل حزبين جديدين بدلًا من الفضيلة حزب السعادة برئاسة رجائي قوطان زعيم الفضيلة السابق الذي يسير على خطى البروفيسور أربكان، وحزب العدالة والتنمية ومؤسسه رجب الطيب أردوغان.
ولم يمض سوى أقل من أسبوعين على إعلان أردوغان تشكيل حزبه الجديد برغم علمه بتشكيل حزب السعادة، حتى عاجله النائب العام في أنقرة ونظيره في إستانبول بالملاحقة القضائية لتجريده من الحق في قيادة حزب سياسي، ولم يجد أردوغان ومعه عبد الله جل زميله السابق في الرفاه والقيادي المنافس على رئاسة الفضيلة قبل عام وبضع شهور بدأ من الإدلاء بتصريحات تفوح منها بقوة رائحة غير مقبولة.
فقد نقلت الأنباء تصريحين لهما، جاء فيهما ما نصه: أعلن رئيس حزب العدالة والتنمية التركي رجب أردوغان أنه يرى العلمانية بمثابة ضمانة للديمقراطية مؤيدًا انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي إلا أن أردوغان شدد على ضرورة عدم تشويه العلمانية بإساءة تفسيرها وإظهارها وكأنها تتعارض مع الدين مشيرًا إلى أنه ضد استغلال الدين أيضًا. واعتبر مراقبون تصريحات أردوغان عمدة إستانبول السابق بمثابة تراجع عن أرائه السابقة.
أما زميله عبد الله جل فقد نقل عنه: نقول بكل إخلاص لقد تغيرنا بمرور الزمن عاش الجميع تجارب مختلفة وتعلم الكثير وحدثت بعض التغيرات في وجهات النظر، والوتيرة التي نعيشها ليس فيها سوى الإخلاص، علينا أن لا نحاكم الناس بما قالوه في الماضي، بل العبرة بما يقولونه اليوم.
مؤتمر الفضيلة:
كنت قد حضرت في فبراير ۲۰۰۰ المؤتمر العام لحزب الفضيلة الذي تنافس فيه فريقان من أعضائه على رئاسة الحزب وهيئاته ولجانه وأذهلني كم الحضور الجماهيري الضخم الذي لا مثيل له لا داخل تركيا ولا في أي من دول العالم العربي والإسلامي فيما اعتقد، ورأيت ولمست حرارة العاطفة والتبجيل للزعيم أربكان رغم عدم حضوره، فقد هتف له قرابة العشرين ألفًا من الحاضرين هتافًا متواصلًا حوالي ربع ساعة في أكبر قاعات المؤتمرات في العاصمة أنقرة.
لم يقدر لمرشحي جيل الشباب الفوز برئاسة الحزب ولا بأعداد كبيرة في هيئات ولجان إدارته إذ فاز قوطان ومجموعة من مؤيديه، ويومها أعلن عبد الله جل المنافس غير الفائز أنه يقبل النتيجة ويعتبر نفسه جنديًا تحت إمرة رئيس الحزب المنتخب. بعد فترة غير طويلة من مؤتمر الفضيلة المذكور وتحديدا في سبتمبر الماضي التقيت رجب الطيب استقبلني الرجل في مكتبه وكان ذلك بعد شهور قليلة من الإفراج عنه بعد قضاء فترة بالسجن عقابًا له على تضمين إحدى خطبه أبياتًا شعرية بها إشارة إلى قباب ومآذن المساجد وأشهد أنه لم يسمح لنفسه بالخوض في خلافاته مع البروفيسور أربكان أو المهندس قوطان إلا أن ما فهمته بشكل عام من إشارات طيات الحديث هو أن أردوغان مختصرة في غير راض ولا مستعد للانقياد للزعيمين أو أحدهما.
في الأسبوع نفسه من أواخر سبتمبر الماضي عقدت جماعة النور مؤتمرها العلمي الدوري والدولي حول كليات شيخها النورسي وفوجئت. وربما غيري - بأن العدد الغفير من الحضور هو من الشباب التركي اكتظت بهم أكبر قاعة مؤتمرات في إستانبول، انتظموا بمنتهى الهدوء داخل القاعة ولم يتردد محاضر من الأكاديميين الأجانب وأظنه أمريكي في القول إن مستقبل بلد يحتشد فيها هذا العدد من الشباب الإسلامي بهذا النظام والإقبال لا يمكن إلا أن يكون مستقبلًا إسلاميًا، مهما قيل إن جماعة النور لا شأن لها بالسياسة.
أردت بهذه المقدمة التي ربما طالت بعض الشيء أن يعيش القارئ، الأجواء المحيطة بالحركة الإسلامية التركية عمومًا قبل أن أعرج على موضوع العنوان ودلالات انقسام أعضاء الحركة الإسلامية لحزبين.
بين الشباب والشيوخ:
يعيش بعض شباب القيادات في الحركة الإسلامية التركية نفس شعور أوداء أقران لهم في العالم العربي وهو تضخم الذات والاستعلاء الحركي أحيانا إلى درجة الانزلاق في الإساءة أو النقد العلني الجارح وتنجح دوائر متربصة في استدراج البعض إلى هذه الهاوية، مستغلة في بعضهم حماسًا سياسيًا أقرب إلى الاندفاع وانجذابًا صعب المقاومة إلى أضواء الشهرة والإعلام. وأعني بالاستعلاء الحركي الثقة الزائدة في الذات إلى حد العجب والميل للانفراد بالرأي وتسفيه الرأي الآخر، وتتولد هذه الثقة من الخبرات المتحصلة من كثرة الاحتكاك اليومي بالأفراد داخل الحركة وخارجها إضافة إلى الحوارات مع المنافسين والخصوم في المنظمات الشبيهة أو كوادر القوى السياسية، فضلا عن التعامل الحتمي أحيانا مع بعض رموز السلطة.
ولا ريب أن الكوادر أو القيادات الشبابية الإسلامية تكتسب أثناء الدعوة السياسية. ولا أقول الصراع السياسي، مهارات وخبرات جيدة وجديدة قد لا تتاح لبعض شيوخ الحركة بحكم الظروف والسن. ولكن ما لا يدركه البعض أولا يريد إدراكه هوان الشيوخ عندما كانوا في نفس المرحلة العمرية، اكتسبوا خبرات مماثلة طبقًا لطبيعة المرحلة التي عاشوها.
إن لدى جيل الشيوخ بكل تأكيد خبرات متراكمة ومختزنة ومفيدة لا يصح ولا ينبغي إهمالها أو الاستعلاء عليها، وما من شك أن الخلاف وارد وطبيعي بين الأجيال، لكن إذا تعلق الأمر بحركة إسلامية تملك من أدوات الشورى ما يعصم عملية اتخاذ القرار يصبح من واجب الشباب أن يحترس من الانزلاقات إلى العجب أو الاستعلاء، ناهيك عن الوقوع في شراك الاستدراجات السياسية والإعلامية المتربصة.
هناك مرحلة عمرية تسمى المراهقة الثانية في حياة الإنسان، وهي في الغالب تدور حول أواخر الثلاثينيات والعقد الرابع من العمر، ومن ثم يمكن إضافة العامل الفسيولوجي ضمن أسباب سلوك الاستعلاء والتمرد، إضافة إلى ما سبقت الإشارة إليه. وهذا العامل قد يدركه البعض ويحتاط له وقد لا يدركه آخرون ويقعون في محظور العناد والتمسك بالرأي والمشاكسة بل والتمرد.
تربية السياسيين:
إن ما جرى على ساحة العمل الإسلامي التركي في رأيي لا يخرج في الغالب عن كونه أحد تداعيات الاستغراق في العمل السياسي دون الانتباه أو التشديد على الالتزام بالحد الكافي من وسائل التربية الإيمانية الدعوية. إنه بصراحة مرض داخل الصف أكثر من يلام عليه المصابون به ومن جهة أخرى فوسائل التربية تعتمد في النهاية على الضمير الفردي والدافع الذاتي خاصة عندما يبلغ الشباب مرحلة الرجولة، وليس من المعقول أن يقف على رأس كل قيادي شاب مسؤول يذكره بالمبادي، والأخلاق والأصول. من لقاءاتي غير القليلة مع أعداد من شباب الفضيلة على مدى أربعة أيام أقول إن الانخراط السهل والمغري والحماسي في الحركة السياسية يترك بصمات سلبية على البعض ممن لم يحظوا بفرص تربوية كافية.
مقارنة لابد منها:
تسمح لي معايشة ليست قصيرة مع أعضاء من جماعة النور بالقول إن البعد الظاهري فيها عن العمل السياسي المباشر والانتظام في نفس وسائل التربية التقليدية لحركة الإخوان قد أسهما في تجنيب النور انقسامًا صارخًا كالذي وقع في الفضيلة. ومن الغريب أن الشيخ النورسي - يرحمه الله - لم يكن في حياته قد توصل إلى ما توصل إليه الشيخ حسن البنا - يرحمه الله - من وسائل للتربية من أسرة وكتيبة ورحلة ومخيم وغيرها، ويبدو أن التحاق بعض الأتراك بالإخوان في مراحل معينة من أعمارهم ثم انتقالهم لجماعة النور جعلهم يقتبسون نفس الوسائل التربوية.
الفكر والحركة:
ستظل ثنائية الفكر والحركة قائمة ما دامت الحياة السياسية وسيلة لا غنى عنها الدعاة الإسلام الشامل، فليس من السهل أن يكون المخططون المفكرون المنظرون هم أنفسهم الحركيين دائبي النشاط والاحتكاك بقطاعات البشر المستهدفين بالدعوة والوضع المثالي للعلاقة بين الطرفين داخل الحركة هو الجدلية أي الحوار الصاعد النازل المثمر أو بمعنى أكثر تبسيطًا تلاقح الأفكار والتشاور المستمر في إطار من الاعتراف بحاجة كل طرف للآخر من أجل التطوير المستمر والمثمر للأداء.
ويجب على القيادات الشبابية التي تمردت أو تحدثها النفس بالتمرد على شيوخ الحركة الإسلامية - مع افتراض النية الخالصة لوجه الله تعالى عند الجميع - أن يسألوا أنفسهم عدة أسئلة مهمة.
لماذا تجاهل وإهدار خبرة الشيوخ التي جرى اكتسابها عبر السنين؟
هل يجوز إهدار آليات الانتخاب والشورى والنزول على رأي الأغلبية؟
هل الانقسام أو تشتيت الجهود داخل الصف الإسلامي أفضل أم الوحدة مع الصبر ومجاهدة الذات عند الاختلاف قد يقول قائل إن ما نطلق عليه انقسامًا هو بذاته التنوع والتعدد وذلك مفيد استراتيجيًا، لكن التنوع والتعدد الذي يقود للضعف والتشتت في هذه الظروف غير مقبول بأي حال، أما الاتفاق على توزيع الأدوار والتنسيق الذي يؤدي المصلحة الدعوة فأهلًا به بل هو واجب في بعض الظروف والأحيان.
لقد أعجبني في تركيا أن عناصر قيادية وشبابية في داخل جماعة النور بدأت تقلل من علوانها ضد الحركة الإسلامية التي تخوض مجال السياسة، عندما أدركت أن الخصوم طوروا هجومهم ليستهدف الإسلام ذاته وليس مجرد الإسلاميين أو الحركات والأحزاب الإسلامية.
ملاحقة قضائية مزدوجة لرجب الطيب «المتغير خلال السنين»:
تعرض رجب طيب أردوغان رئيس حزب العدالة والتنمية الذي أنشئ مؤخرًا لملاحقتين قضائيتين بهدف إقالته من مهامه وإدخاله السجن. فقد تقدم النائب العام التركي بشكوى إلى المحكمة الدستورية من أجل تجريد أردوغان من لقبه كرئيس لحزب العدالة والتنمية، معتبرًا أنه لا يمكن أن يمارس هذه المهام بعد الحكم الذي صدر في حقه عام ۱۹۹۸ بتهمة الدعوة إلى العصيان المدني وأمر بإقالته من منصبه. كما طالب بإبعاد النساء الست المحجبات من قيادة الحزب معتبرًا أن حجابهن دليل على أن الحزب سيعمل على إدخال الممارسات الإسلامية إلى المؤسسات.
واعتبر النائب العام أنه لا يمكن لأردوغان بعد إبعاده أن يشغل قانونًا مناصب انتخابية. وكان أردوغان رئيس بلدية إسطنبول السابق البالغ من العمر ٤٧ سنة قد أدخل السجن أربعة أشهر عام ۱۹۹۹ بتهمة إلقاء كلمة ذات توجهات إسلامية ومنع من العمل السياسي لكنه أفاد من قانون عفو دخل حيز التنفيذ في ديسمبر الماضي.
وعلى المحكمة الدستورية أن تبت في احتمال استدعائه لإبلاغه رسميًا بشكوى المدعي العام. من جهته فتح نائب عام آخر في إسطنبول تحقيقًا في حق أردوغان بتهمة شتم الدولة في سياق كلمة ألقاها عام ١٩٩٤ وصرح أردوغان في تلك الكلمة بأن العقيدة العلمانية التي يقوم عليها النظام التركي لابد من إلغائها لأن الإسلام والعلمنة لا يمكن أن يتعايشا معًا.
وقال أردوغان لدى افتتاح مكتب لحزب الرفاه السابق الذي كان من أعضائه في إسطنبول بالطبع سيتم التخلي عن العلمنة إن كان هذا ما تريده الأمة.
واعتبر في خطابه أنه لو اعتمدت تركيا نظامًا إسلاميًا يعترف بجميع المواطنين بصفتهم مسلمين لما كانت واجهت المشكلة الكردية في جنوب شرق البلاد كما انتقد في كلمته الدستور معتبرًا أنه كتب بيد سكيرين». ولما كانت هناك جهات معادية للإسلام تسيطر على عدد لا بأس به من وسائل الإعلام التركية فقد أعيد بث كلمة أردوغان التي مرت عليها سبع سنوات مما حمل النائب العام لفتح تحقيق المعرفة ما إذا كان أردوغان «شتم الدولة والمسؤولين واستخف بهم في كلمته» وإذا تحقق النائب العام من ذلك يمكنه عندها التوجه إلى وزارة العدل لملاحقة أردوغان الذي يواجه في حال إدانته عقوبة السجن ما بين سنة وست سنوات.
ويرى النظام الحاكم في تركيا أن الإسلام هو أحد التهديدات الرئيسة للاستقرار في بلد معظم سكانه من المسلمين وقد رد أردوغان على الاتهامات التي وجهت إليه مؤكدًا أنه حائز على حق العمل السياسي وأن المحكمة الدستورية هي المرجع في اتخاذ قرار نهائي بهذا الشأن. كما أشار إلى التغيرات والتبدلات التي طرأت على أفكاره خلال السنين معتبرًا أن التغيرات لم تحدث في القيم الأخلاقية التي يؤمن بها بل في مجال نظرته إلى العالم وتقييمه للأحداث الجارية. وأعرب عن إيمانه بضرورة الانفتاح الذهني وعدم التقوقع داخل نطاق ضيق بعيد عن التطورات وقال إن الأقوال التي صدرت عنه قبل حوالي عشر سنوات كانت حصيلة سياسة الحرب الباردة التي كان العالم يعيشها في تلك الأيام.
وقال أردوغان إنه وزملاءه في حزب العدالة يطلق عليه اختصارًا حزب اق، كانوا يتوقعون بدء حملة ضدهم غير أنهم لم يكونوا يتوقعونها بمثل هذه السرعة. وأضاف إن بعض الأوساط تتساءل عن ماهية التغييرات التي طرأت عليهم قائلًا إنه إذا كان الهدف من هذه الأسئلة هو الاستفسار عما إذا كان سيحني الرأس أمام الجهات المتنفذة فإن مثل هذا التغير والتبدل لن يحدث أبدأ وإن الجهة الوحيدة التي يعتزمون الحصول على دعمها هي جماهير الشعب فقط وليس غيرها.
وعلى سؤال عن هوية الجهات المتنفذة اكتفى أردوغان بالقول إن الصحفيين أعرف الناس بها وعلى سؤال آخر عن أشرطة الفيديو التي بدأت تظهر في شاشات التلفزيونات عن خطب قديمة له ذكر أردوغان أن هذه الأشرطة كانت قد ظهرت قبل ثلاث سنوات وأصدرت المحكمة قرارًا بإسقاط الدعوى، وإن ظهورها ثانية كأدلة جديدة يشير إلى نية بعض الجهات بقطع الطريق أمام حزب العدالة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل