; الانقلابات الثقافية من مثقفي "الستازي" إلى مثقفي "السي آي إيه" | مجلة المجتمع

العنوان الانقلابات الثقافية من مثقفي "الستازي" إلى مثقفي "السي آي إيه"

الكاتب يحيى أبو زكريا

تاريخ النشر الجمعة 13-أغسطس-2004

مشاهدات 54

نشر في العدد 1613

نشر في الصفحة 44

الجمعة 13-أغسطس-2004

 لكن هناك ما يسمى بالانقلاب الثقافي؛ حيث ينقلب المثقف أو شبيه المثقف على منطلقاته الأيديولجية والفكرية وأسمه المعرفية. وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على هشاشة المبنى الفكري لقطاع من مثقفينا الذين تأرجحوا في آرائهم وأفكارهم وانتقلوا من النقيض إلى النقيض، كما تفسر هذه الهشاشة عدم انتصارنا في المعارك الحضارية الكبرى التي خاضها وما يزال يخوضها واقعنا العربي.

 وفي يوم من الأيام عندما كنت أقيم ف بیروت واعمل في صحافتها كتبت روائية جزائرية مقالة بعنوان: الكتابة لحظة عري، فرددت عليها بمقالة بعنوان: الكتابة لحظة وعي، أوضحت فيها أن الوعي هو أساس الإبداع والكتابة، وليس المري الذي بات ملازماً لقطاع كبير من مثقفينا، وتحديداً بعد الغارة الأمريكية الكبرى على العالم العربي والإسلامي.

 وفي هذا السياق لا أشير إلى رهط من المثقفين العراقيين أو مثقفي الدبابة إذا صح التعبير، بل أشير إلى قطاعات واسعة من المثقفين في المغرب العربي كما في مشرقه غيروا أفكارهم كما غيروا ستراتهم وباتجاه المحور الأحادي الذي تجمده الولايات المتحدة الأمريكية.

هناك العديد من المثقفين العراقيين والعرب كانوا محسوبين على المحور الاشتراكي واليساري، وبعضهم كان يتعامل مع الستازي - مخابرات ألمانيا الشرقية سابقاً - وانتقلوا فجأة إلى التعامل مع وكالة المخابرات الأمريكية وجعلوا من الولايات المتحدة الأمريكية منقذاً ومصلحاً وملهماً للنهضات. بعد أن كانت في مفردات فكرهم تعني الرجعية والإمبريالية والثقافة الرأسمالية والبرجوازية والاستعمار وإفقار الشعوب ويدون سابق إنذار بل وبدون مراجعة فكرية دقيقة لمنطلقاتهم الفكرية تحول المحور الإمبريالي إلى محور الخير الذي يجب شكره على ما يقدمه للشعوب من خدمات حضارية جليلة. 

وبعد أن كانت الليبرالية مدرسة استعمارية وإفرازاً طبيعياً للعقل الاستعماري الاستغلالي أصبحت ملاذاً للعديد من المثقفين الذين طلقوا منطلقاتهم الفكرية السابقة وانضووا تحت ما يسمى بالليبرالية الجديدة، التي بات بعض المنتسبين إليها پیررون كل الفعال التي تصدر عن أمريكا تماماً كما كانوا يبررون سابقاً جرائم الاتحاد السوفييتي وخصوصاً عندما كان الأمر يتعلق بالمسلكية السياسية لهذا الاتحاد في العالم العربيِّ والإسلاميِّ.

 ولا داعي للتذكير هنا بأن قسماً من المثقفين العرب أيدوا تقسيم فلسطين لأن موسكو دعمته في جمعية الأمم المتحدة. وبعض الذين انتهى بهم المطاف إلى الليبرالية الجديدة يدعو إلى منح الحرية للشواذ واللوطيين، وعلى حدّ علمي فإن الليبرالية تعني رفع القيود عن العقل لا عن الشهوات والملذات.

 وهذه الحالة الانقلابية لا نجدها في هذا الفصيل الثقافي الذي خرج من عباءة كارل ماركس وتروتسكي ولينين إلى ثقافة آدم سميت وفرانسيس فوكوياما وغيرهما، بل هناك مثقفون يغيرون جلدهم يومياً لا لشيء إلا للبحث عن المواقع والمناصب والامتيازات ففي الجزائر ترك بعض الروائيين الذين كانوا يكتبون باللغة العربية لغة الضاد، وباتوا يكتبون بلغة موليير (الفرنسية) تعلقاً للمستعمر الفرنسي القديم الجديد وبحثاً عن بعض الجوائز وبحثاً عن العالمية المزيفة، حيث يظن هذا الفصيل من المثقفين أن مجاراة الغرب هي الطريق الموصل إلى الشهرة، كما أن هناك فصيلاً من المثقفين وبمجرد أن قطنوا في الغرب راحوا يرجمون موروثهم الحضاري وحضارتهم العربية والإسلامية ويطالبون بمحاربة الإسلام والثقافة الغيبية التي غيبت العقلانية والحداثة، ومع كل ما كالوه لحضارتهم فإنهم لم يحققوا أدنى شهرة تذكر، إلى درجة ان باحثاً هولندياً قال: نحن نعرف هؤلاء المنافقين الفكريين الذين يمدحون حضارتنا ويسبون حضارتهم بحثاً عن عطايانا ومنحنا. فالأولى لهم أن يخلصوا لحضارتهم.

وأخطر ما في الانقلابات الفكرية والثقافية في واقعنا الفكري أن الانتقال الفكري لا يتم بالتقسيط وضمن دوائر ثقافية موجودة ضمن خارطتنا الثقافية، بل إن الانقلاب يتم بنسبة ١٨٠ درجة من المرجعية الحمراء إلى المرجعية الأمريكية السوداء. ومن النقيض إلى النقيض، ولا يمكن أن يكون الطغيان والاستبداد والدكتاتورية هي: السبب في هذا التغير نحو الأسواء فانا بإمكاني أن استمر في قولي بأن صدام طاغية ومجرم وسفاح وكذلك كل الطغاة في العالم العربي دون أن أترك منطلقاتي ومسلماتي وبدهياتي والتي من مقوماتها أن أمريكا لا يمكن أن تريد لي الخير ولأمتي، فالمصلحة الأمريكية أولا وثانياً وثالثاً.

 هي وعلى صعيد آخر.. ماذا قدم لنا الانقلابيون والاستئصاليون الفكريون في العالم العربي؟ فـمـيناهم الفكري هش ولا ينطلقون من أسس فكرية صلبة ولا من أرضية ثقافية حقيقية، بقدر ما يرددون مجموعة من الشعارات سبق للثورات الغربية آن رددتها فهم يطالبون بالعدل وأنا أطالب به ومستعد أن أموت دون ذلك، لكن الفرق أنهم يقولون إن هذا العدل تقيمه أمريكا وأنا أقول تقيمه أمتي، وبالأمس القريب كانوا يقولون إن موسكو هي التي تقيمه..

 إن المثقف الذي ينتقل من مرجعية إلى أخرى ومن محور إلى آخر مستعد أن يبيع أمته لمن يدفع أكثر، تماماً كما تحول فصيل من مثقفينا من التعامل مع الستازي إلى التعامل مع المخابرات الأمريكية، ولو أصاب أمريكا الوهن وانهارت كالاتحاد السوفييتي وبرزت الموزمبيق كقوة عظمى لرفعوا لواء الموزمبيق، وهذا الفصيل من المثقفين لا فرق بينه وبين الراقصة التي تغير ثيابها المزركشة في كل وصلة تؤديها، ثم أليس هم أقرب إلى ثقافة الرقص منه إلى ثقافة البناء والنص؟

الرابط المختصر :