العنوان الانهزام الخلقي والـنفسي... مسؤولية من؟
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 13-أغسطس-1996
مشاهدات 69
نشر في العدد 1212
نشر في الصفحة 47
الثلاثاء 13-أغسطس-1996
إن انهزام الأمم قد لا يرجع إلى تأخيرها العلمي والتقني فقط ولا إلى تخلفها الصناعي والزراعي لا غير، وإنما يرجع أولًا إلى خلل في توجهها الفكري والعقلي، وضمور في خلقها النفسي والاجتماعي، ولهذا فبعض الناس يتصور وهو مخطئ لا محالة، ويتوهم وهو مجانب للصواب ولاشك أن عجزنا الصناعي والعسكري من وراء تخلفنا هنا وهناك، وأن أمتنا لو ملكت هذه الأسلحة لسادت وقادت وليس هناك من يذكر أن هذا التخلف في تلك المجالات، والتأخر في هذه الميادين يضعف الأمم ويوهنها، ولكن كيف يتأتى هذا؟، أيتأتى من فكر سقيم، ونفس عليلة والواقع أننا مصابون بشلل عضوي في أجهزتنا الخلقية وملكاتنا النفسية يعوقنا عن الحركة الصحيحة، ويمنعنا من التقدم السليم، وأن مجتمعاتنا تشبه أحياء انفصل عنها التيار الكهربائي فغرقت في الظلام وانقطعت عنها المياه فعاشت في ظمأ وتصحر ولابد من إصلاح الخلل وتلافي الأعطاب حتى تدب الحياة وتضاء الأحياء لابد من نظرة فاحصة إلى توجهات الأمة وتقويمها، ومن رعاية بالغة إلى أخلاقيات الشعوب وتعديلها، لابد من محاربة الأخلاق المقبوحة التي انتشرت بين الناس وحولها الإلف إلى جزء من الحياة العامة ولابد من نشر الفضائل وإحياء العزائم، وإشاعة الظهر حتى يزال الكسل المتعمد، وينقشع الاستهتار الذي صار جزءًا من الحياة اليومية ومن هنا رأينا قلة الاكتراث بإتقان العمل، ورأينا إضاعة الأمانة وشاهدنا التفريط في المسؤوليات الثقيلة، ولاحظنا القدرة على قلب الحقائق، وجعل الجهل علمًا والعلم جهلًا والمعروف منكرًا، والمنكر معروفًا وتبدلت الأخلاق في جميع مناشط الحياة وعراها من الخلل ما هدم كل عامر، وأزال كل قائم، وهذا أمر جلل، وهم عظيم أحاط بالأمة، فلن يستطيع أحد مهما أوتي من براعة معمارية بناء قصر شاهق دون دعائم وأعمدة وشبكات من حديد، ولن يقدر أي مرب ماهر على بناء إنسان كبير دون أخلاق مكينة، وعزائم متينة، وجملة من الخلال تورث الثقة وتأمل في المستقبل، لأن الأخلاقيات ومجموعات الفضائل والتقاليد الحسنة تحيا بها الأمم كما تحيا الأجساد بأجهزتها وغددها فإذا اعتلت هذه المجموعة وانفكت رأيت ما لا يسر في مسالك العامة والخاصة.
إن أية أمة من الأمم لابد وأن تنهدم وتزول إذا شاع فيها الغش وفاز فيها الزور والبهتان فمثلًا عندما تزور الانتخابات في بلد ما تحل الدواهي، لا لأن نفرًا من الشطار سوف يسرقون مناصب لا يستحقونهاـ وهذا جريمة مهولةـ بل أكثر منه وأشد إيذاء مرور الكذب في هدوء، واستقرار شهادة الزور دون اكتراث وإلف الصغار والكبار لطمس الحقيقة دون تكبر وأشد منه وأعظم فقدان المثل وحلول النموذج السيئ، وفقدان الثقة بالقيادة، وعدم السماع لها، أو إطاعتها، أو تصديقها في أمر أو الاقتناع بها في حديث أو عمل.
إن تعامل القيادات بالغش والرياء والكذب حول الآداب إلى قشور وحول القوانين إلى خدع وحول الديانات إلى طقوس ومسكنات للشعوب وحول العزائم إلى عجز إداري وصناعي وحضاري وفشل عسكري، واستهتار وطني، ويجزم أهل الخبرة وأولو الألباب بأن الساسة العرب وراء كل نصر أحرزته إسرائيل خلال أربعين سنة، بل إن قادة اليهود صرحوا أنفسهم بأن المكاسب التي أحرزوها تجاوزت الأحلام وسبقت الخيال وأنهم ما خططوا لها، ولا احتالوا لبلوغها، إنها هدية من الانحلال العربي، ومن الضعف الخلقي والنفسي، إنها غنيمة باردة لخصوم يحسنون انتهاز الفرص.
إن كثيرًا من القادة العرب دخلوا الحرب بالكلام والخطب الرنانة والكذب والافتراء وقهر الشعوب وضرب الطاقات الفاعلة في الأمة، وقتل أحرارها والمخلصين والنصاح وأصحاب العقول وكثير من القادة وصل إلى ما هو فيه على تل من الجماجم بعد قطع الألسنة، وتكميم الأفواه، وعدم الانتفاع بالنصح أو سماع للرشاد، ولهذا ذهب القادة إلى المعارك بلا شرف ولا حب من الشعوب وأقدموا عليها وهم صريعو المخدرات والمسكرات ولذلك قامت إسرائيل في فراغ متخلف بعد ضياع الأخلاق والهمم والشرف والعزائم وقابلت أممًا خربة الأفئدة مخلدة إلى الأرض، جياشة الأهواء باردة الأنفاس.
إن السلبية والضياع لا تزكي فردًا ولا جماعة، والأمم التي تدور حول مآربها وحسب وتلف حول شهواتها وفقط لا تزيد عن أعدادها من الدواب في الحقول، أو الوحوش في الغابات، كثيرًا ما أتعجب- وكل أمر في أمتنا أصبح من الأعاجيب أن ينبري للاحتجاج على ظلم شعوبنا من سلطاتها أناس نسميهم بالكفرة في لجان تسمى بحقوق الإنسان يعترضون على العدالة الضائعة وعلى الحقوق المهدرة وعلى الحريات الموعودة، وعلى المحاكمات الظالمة وعلى التزوير الفاضح، ونرفع عقائرنا، ونشرئب بأعناقنا، ونلوك بألسنتنا ألفاظ الإسلام ويبارك هذا متدينون جهلة كذابون ودجالون أفاكون من أصحاب المسابح الطوال، والحق أن استمرار العدوان ورؤيته ببلاده يشيع في الأمة، فلا يمكن أن يكون هذا إيمانًا، أو يسمى هذا إسلامًا!! هذا مسلك أقوام لا يعرفون الله، ولا يبالون بما يحب ويكره أوليس عجبًا أن تهبط أمتنا إلى هذا الدرك؟
إن أمة ألفت ألوان الاعتداء على شعبها سياسيًّا كان أو اجتماعيًّا، حتى أصبح الحق سرابًا، والأمان دخانًا، لتستحق وقفات ووقفات تراجع أخلاقها ودينها وخططها، فقد بعدنا كثيرًا عن أخلاقنا ومنهجنا وطريقنا القويم.
عن النعمان بن بشير قال: كنا مع رسول الله ﷺ فخفق- رجل- نعس- وهو على راحلته، فأخذ رجل سهمًا من كنانته فانتبه الرجل فزعًا، فقال رسول الله ﷺ «لا يحل لمسلم أن يروع مسلمًا» ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾ (الأحزاب: 58) وقال «ما من مسلم يخذل امرأً مسلمًا في موضع تنتهك فيه حرمته، وينتقص فيه من عرضه إلا خذله الله في موطن يحب فيه نصرته، وما من أمرى ينصر مسلمًا في موضع ينتقص فيه من عرضه، وينتهك فيه من حرمته إلا نصره الله في موطن يحب فيه نصرته» وتراث الإسلام دائمًا يحذر المسلم من الخذلان بسبب النفس أو العدو، أو الشياطين، ولهذا ورد في الأثر «المؤمن بين خمس شدائد: شيطان يضلك، ونفس تعاديك، ومنافق يبغضك، ومؤمن يحسدك، وكافر يقتلك» والانسلاخ عن المبادئ والانصياع للأباطيل أو الضعف أمام الشدائد أو المحن هزيمة لا يعرفها المؤمن في حياته الدنيا طالما أن! فيه عرق ينبض، أو نفس يتحرك، أما إذا تخلى عن منهجه فإنها تكون الحالقة.. ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (175) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ ۚ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ۚ ذَّٰلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ۚ فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (176)﴾ (الأعراف:١٧٥-176). أرأيت هذا التصوير القرآني أخرجنا عنه شعرة لا أظن فمن المسؤول إذن عن ضياع المنهج وهل هناك من يحاسب المضيع لا أظن.