العنوان الاهتمام بالسنن الكونية والشرعية (٦)
الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين
تاريخ النشر الثلاثاء 26-أبريل-1988
مشاهدات 54
نشر في العدد 864
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 26-أبريل-1988
في الحلقة
السابقة، حدثنا فضيلة الشيخ جاسم المهلهل الياسين عن فعالية التنفيذ لتوجيهات
القائد. وفي حلقة اليوم، يتابع فضيلته الحديث عن الأسلوب الثالث في تنمية فعالية
التنفيذ فيمن يكونون مع القائد.
2- بيان مكانة
المقابل وأهميته:
قال الشعبي عن
عدي بن حاتم: أتيت عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- في أناس من قومي، فجعل يفرض للرجل
من طيء في الفيء حتى استلقى لقفاه، وقال: نعم والله إني لأعرفك.. آمنتَ إذ كفروا،
وعرفتَ إذ أنكروا، ووفيتَ إذ غدروا، وأقبلتَ إذ أدبروا، وإن أول صدقة بيَّضت وجه
رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ووجوه أصحابه صدقة طيء جُشَّت بها إلى رسول الله
-صلى الله عليه وسلم-. ثم أخذ يعتذر.(1)
وقال يوسف بن
الماجشون: قال الزهري: تعلموا يا شباب ولا تحقروا أنفسكم! قال يوسف بن الماجشون:
قال لنا ابن شهاب: أنا وابن أخي وابن عم لي ونحن غلمان أحداث نسأله عن الحديث: لا
تحقروا أنفسكم لحداثة أسنانكم، فإن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- كان إذا نزل به
الأمر المعضل دعا الشباب فاستشارهم، يبتغي حدة عقولهم.(2) وكان سعيد بن المسيب إذا
مرَّ بالمكتب، قال للصبيان: هؤلاء الناس بعدنا.(3) وهذا الحسن البصري يُحدث أنه
مرَّ في بعض حيطان المدينة فرأى أسود بيده رغيف يأكل لقمة ويُطعم الكلب لقمة إلى
أن شاطره الرغيف، فقال له الحسن: ما حملك على أن شاطرته؟ فلم تُغابنه فيه بشيء!
فقال: استحت عيناي من عينيه أن أُغابنه. فقال له الحسن: أقسمت عليك لا برحت حتى
أعود إليك. فمرَّ فاشترى الغلام والحائط، وجاء إلى الغلام فقال: يا غلام، قد
اشتريتك. فقام قائمًا، فقال: السمع والطاعة لله ولرسوله ولك يا مولاي. قال: وقد
اشتريت الحائط وأنت حر لوجه الله تعالى، والحائط هبة مني إليك. فقال الغلام: يا
مولاي، قد وهبت الحائط للذي وهبتني له.(4)
قال أنس بن
مالك: أن رجلًا من أهل البادية كان اسمه زاهرًا، وكان رسول الله -صلى الله عليه
وسلم- يحبه، وكان رجلًا دميمًا. فأتاه يومًا وهو يبيع متاعه فاحتضنه من خلفه، ولا
يُبصره الرجل. فقال: أرسلني، من هذا؟ فالتفت فعرف النبي -صلى الله عليه وسلم-،
فجعل لا يألو ما ألصق ظهره بصدر النبي -صلى الله عليه وسلم- حين عرفه. وجعل النبي
-صلى الله عليه وسلم- يقول: «من يشتري العبد؟» فقال: يا رسول الله، إذًا والله
تجدنِي كاسدًا. فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «لكن عند الله لست كاسدًا».(5)
وكان الإمام
أحمد إذا بلغه عن شخص صلاح أو زهد أو قيام بحق أو اتِّباع للأمر، سأل عنه، وأحب أن
يجري بينه وبينه معرفة، وأحب أن يعرف أحواله.(6)
وكان الإمام
أحمد إذا بلغه شخص صلاح أو زهد أو قيام بحق أو اتباع للأمر، سأل عنه وأحب أن يجري
بينه وبينه معرفة، وأحب أن يعرف أحواله.(7)
وهناك ملاحظة
وهي أن ثمَّ فرقًا بين المدير الفعال والمدير الناجح. فالناجح هو الذي يحظى
بموافقة رئيسه وعدم شكوى مرؤوسيه، وإن لم يكن مرؤوسوه الذين نفذوا الأمر يريدون أن
يفعلوا ما أمرهم. لكن لو طلب مدير من مرؤوسيه أن ينفذوا أشياء معينة، ونفذوها
لأنهم يريدون أن ينفذوها لكونها تحقق أهدافهم أيضًا، فإن ذلك المدير يكون ناجحًا
وفعَّالًا أيضًا. فعلى هذا، فالمدير الناجح هو الذي يستخدم السُّلطة بحكم منصبه،
أما المدير الفعَّال فهو الذي يعتمد على سلطته الشخصية بالإضافة إلى سلطته
الرسمية.(8)
كما أنه له
القدرة على التكيف مع عناصر الموقف: متطلبات العمل، توقعات الرئيس، توقعات
الزملاء، توقعات المرؤوسين، والمناخ العام السائد في محل العمل.(9) يستطيع بذلك أن
يعطي اهتمامًا كبيرًا للعمل واهتمامًا كبيرًا للأفراد.
الأسلوب الثالث:
الاهتمام بالسنن الكونية والشرعية:
إن القادة
يمكنهم باستخدام السنن المتعلقة بتغيير النفس أن يرفعوا أو يخفضوا من مستوى أدائهم
أو أداء من معهم ليوجدوا الفعالية المطلوبة التي تأخذ بالعمل إلى الأمام. وبهذا
كانت اللفتة القرآنية ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ
لَا يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ
لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ ۖ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ ۙ وَهُوَ
عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾(10) (النحل:76). فصاحب الفعالية تجده يستفيد من
الوسائل المتاحة له من خلال الاستفادة من وقته أو ماله، بل حتى من قلمه الذي يكتب
به ومن حذائه الذي يلبسه. فهذا أحمد بن رشيد الأندلسي يقول: «إنما غضبي في نعليّ
إذا سمعت ما أكره أخذتهما ومضيت».(11) وعلى هذا، فيجب على المسلم أن ينبعث من حدود
دينه وفضائله، لا من حدود نفسه وشهواته حتى إذا سلَّ سيفه سله بقانون، وإذا أغمده،
أغمده بقانون، «وأن يكون جميعًا في واجبات القلب كما هو في واجبات العقل».(12)
فعلى سبيل
المثال: الزمن بالنسبة لكل إنسان واحد، ولكن بالنسبة للإنسان الفعال زمن تتولد فيه
حقيقة من حقائق، ولحظات تنبض بالحيوية. فالفعالية هي استخلاص أحسن النتائج من
الوسائل المتاحة للإنسان. وبهذا يقول الإمام حسن البنا رحمه الله: «لا تصادموا
نواميس الكون فإنها غلابة، ولكن غالبوها واستخدموها وحولوا تيارها واستعينوا
ببعضها على بعض، ترقبوا ساعة النصر، وما هي منكم ببعيد».(13)
«وما حدث يمكن
أن يحدث مرة أخرى، فقد حدث ما حدث وفق سنَّة جارية، لا وفق معجزة خارقة، وقد قام
ذلك البناء على رصيد الفطرة المدخر لكل من يستنقذ هذا الرصيد، ويوجهه ويطلقه في
اتجاهه الصحيح».(14) وحتى يتم هذا لا بد من توفر الشروط الآتية:
الشرط الأول:
استخدام العقل للاستفادة من:
أ- النظر في
النفس.
ب- النظر في
الكون.
﴿سَنُرِيهِمْ
آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ
الْحَقُّ﴾(15) (فصلت:53).
فالنفس قابلة
للتزكية وضدها، وصاحبها قد يكون في «أحسن تقويم» أو «أسفل سافلين». وهذه القابلية
هي التي تسمى بما هو «كائن بالقوة». لذلك قيل:
مثل أعلى صحيح +
طريقة في البناء صحيحة تساوي حياة صحيحة ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾(16)
(النحل:97).
حياة طيبة على
الحقيقة لا على الوهم الذي يعيشه أصحاب الماديات. فهذا أبو حازم يمر بالجزارين
فيقولون له: يا أبا حازم هذا لحم سمين فاشترِ. فيقول: ليس عندي ثمنه. فيقولون:
نؤخرك. فيقول: أنا أُؤخِّر نفسي.(17) فالنظر والتفكير قبل الكلام والعمل من صفات
القائد. فكل كلمة لم يتقدمها نظر، فالكلام فيها خطر، وإن كانت من أسباب النظر.(18)
وبهذا قال الإمام حسن البنا: «لا تأخذوا ببادئ الرأي ومبهم القول ولا تجاروا العرف
الخاطئ والاصطلاح الجائر، ولكن فكروا وحددوا، فإن التفكير السليم، والتحديد الدقيق
سوف يرفع الخلاف بين الناس ويُقرِّب على الأقل بين وجهات النظر».(19)
يتبع
المراجع:
(1) تهذيب
التهذيب 166/7
(2) حلية
الأولياء 364/3
(3) سير أعلام
النبلاء 444/4
(4) معجم
الأدباء 120/1
(5) حياة
الصحابة 181/3
(6) مناقب
الإمام أحمد لابن الجوزي «28».
(7) مناقب
الإمام أحمد لابن الجوزي «28». (تم تكرار المرجع، يُفضل مراجعة الأصل للتأكد من
المرجع الصحيح)
(8) المدير
الفعال «51 ،52» بتصرف.
(9) المرجع
نفسه. (يُفترض أن هذا المرجع مرتبط بالمرجع 8 لضمان الدقة).
(10) سورة
النحل: 76
(11) معجم
الأدباء «34،3» (يُفضل توضيح الجزء أو الصفحة بدقة أكبر إذا أمكن)
(12) وحي القلم
لمصطفى صادق الرافعي «20»
(13) الإمام حسن
البنا يتحدث إلى الشباب للإمام حسن البنا «29»
(14) هذا الدين
لسيد قطب «62»
(15) سورة فصلت
«53»
(16) سورة
النحل: 97
(17) العقد
الفريد لأبي عمر أحمد بن محمد بن عبد ربه، تحقيق أحمد أمين وآخرين «3/168»
(18) ترتيب
المدارك «263/3»
(19) المؤتمر
الشعبي حسن البنا 1935/10/4
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل