; البحر المتوسط.. أكبر «مقبرة» بشرية | مجلة المجتمع

العنوان البحر المتوسط.. أكبر «مقبرة» بشرية

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 22-نوفمبر-2003

مشاهدات 55

نشر في العدد 1578

نشر في الصفحة 34

السبت 22-نوفمبر-2003

ابتلع آلاف المهاجرين السريين.. وأوروبا تريده مجالًا حيويًّا لها

  • تحرص إسبانيا على تقديم نفسها أمام أوروبا كحاجز يقيها فلول المهاجرين ويحفظها من خطر التغييرات في بنيتها السكانية.

في يوم 13 أكتوبر الماضي تم اعتراض ۱۲۰ مهاجرًا سريًّا بينهم ٢٢ من الأطفال القاصرين كانوا يحاولون النزول على سواحل جزر الكناري، وبعد يومين اعتقلت السلطات الإسبانية ٥٣٠ شخصًا قرب سواحل طريفة جنوب إسبانيا قادمين من المغرب وبعض البلدان الإفريقية، وفي ٢٠ من نفس الشهر لقي ٧٣ شخصًا حتفهم غرقًا قرب جزيرة لامبيدوسا الإيطالية عندما كانوا يتجهون نحو جزيرة صقلية، ولكن السلطات الإيطالية لم تعثر إلا على جثث ١٣ منهم، ويوم ٢٤ أكتوبر حدث الأسوأ في تاريخ الهجرة غير الشرعية بين المغرب وإسبانيا، حيث غرق في يوم واحد ٣٦ شخصًا كانوا على متن قارب مطاطي قرب مضيق جبل طارق.

أرقام مفزعة لغرقى أسبوع واحد ينبغي أن تنبه بشدة إلى تفاقم ظاهرة الهجرة السرية التي استفحلت في البحر الأبيض المتوسط الذي كان ذات مرة معبرًا للمسلمين بين المغرب الأقصى والأندلس وأصبح اليوم «مقبرة»، لأبناء الجنوب الراغبين في القرار نحو أوروبا، وعنوانًا مثيرًا للحزن للفجوة الكبرى بين الشمال والجنوب ومن أغرب المصادفات، أو من عجيبها أن تتزامن تلك المآسي مع صدور تقرير التنمية البشرية لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي للعام الحالي، الذي ورد فيه أن مجمل الناتج المحلي للدول العربية في نهاية القرن العشرين وهو ٦٠٤ مليارات دولار، يتعدى بالكاد ناتج دولة أوروبية واحدة هي إسبانيا "٥٥٩ مليار دولار"، وإسبانيا اليوم هي معبر المهاجرين السريين العرب والأفارقة نحو أوروبا.

المغرب .. أرض اللقاء: بدأت ظاهرة الهجرة غير المشروعة نحو بلدان الشمال في بداية التسعينيات من القرن الماضي، وخلافًا للتوقعات التي كانت تقول بأن الظاهرة موسمية وعابرة، وبالرغم من أساليب المراقبة على الحدود البحرية بين دول المغرب العربي، فإن الظاهرة ازدادت بكثافة وأصبحت تستقطب جميع الشرائح من كل الأعمار، وطالت النساء والأطفال وحتى عائلات بأكملها ترغب في القرار من الأوضاع المزرية التي تعيشها في بلدانها، وبينما كانت بعض هذه المحاولات تنجح ليصل أصحابها إلى بر الأمان كان الموت ينتظر الكثيرين منهم، وتقول التقارير الرسمية إن البحر المتوسط ابتلع بين عامي ۱۹۹۳ و٢٠٠٣ ما يزيد على ٤٠٠٠ مهاجر سري، غير أن المنظمات والجمعيات الإسبانية والمغربية  التي أصبحت أكثر نشاطًا في السنوات الخمس الأخيرة تشكك في هذه الأرقام وتفترض وجود ضحايا أكثر.

 ونظرًا لقرب المغرب من السواحل الإسبانية فقد شكل أرضًا خصبة لعبور المهاجرين الذين يتجمعون في أماكن بعيدة عن أعين رجال الأمن لينطلقوا ليلًا في رحلة تستمر إلى طلوع خيوط الفجر الأولى وقد راقبت الريشة في مدينة طنجة الحدودية شمال المغرب حالات من هذا النوع، حيث يتجمع مئات المغاربة والأفارقة وأبناء المغرب العربي في إحدى الغابات قريبًا من الميناء ليقتنصوا فرصة التسلل إلى شاحنات البضائع أو البواخر في غفلة من الحراس والمراقبين مغامرين بحياتهم، إذ غالبًا ما يلقى بعضهم حتفه اختناقًا أو يسقط أرضًا فتدهسه عجلات الشاحنة، ومن كان محظوظًا ألقي القبض عليه وأعيد إلى المغرب، أما الذين يتمكنون من الوصول إلى إسبانيا أو تجاوزها إلى بلد أوروبي آخر فإنهم يصطدمون بواقع يختلف كثيرًا عما كانوا يتوقعونه.

 لكن هذه الحالات لا تنطبق إلا على الذين لا يجدون ما يسددون به أجرة «السفرة» لأصحاب الزوارق الذين يعملون لحساب شبكات قوية تعمل في مجال تهريب البشر، ويتشكل هؤلاء في غالبيتهم من الأفارقة الفقراء الذين يقطعون مئات الأميال سيرًا على الأقدام إلى المغرب ليجربوا حظهم في الانتقال إلى أوروبا أو إسبانيا حيث يعملون سرًا في قطاع الفلاحة بعد أن يحرقوا الوثائق التي تثبت هويتهم، مع ما يعنيه ذلك من تعرضهم للابتزاز والاستغلال من طرف المشغلين الإسبان الذين يجدون في المهاجرين أيادي عاملة رخيصة لا ترد طلبًا ولكن هؤلاء الأفارقة لا يصلون إلى المغرب إلا بعد رحلة مضنية، ففي الكثير من الحالات يموت منهم العشرات في الطريق بسبب العطش أو لدغ الثعابين السامة، لتضاعف بذلك مآسيهم.

ضغوط إسبانية على المغرب

وقد كثفت إسبانيا في الأعوام الماضية من ضغوطها على المغرب لقبول المهاجرين الأفارقة الذين يتم ترحيلهم من التراب الإسباني، وهو ما قاد السلطات المغربية إلى القبض على المئات من هؤلاء وإعادة ترحيلهم إلى بلدانهم ولكن ذلك لم يحد من تنامي الظاهرة، الأمر الذي أدى بالحكومة الإسبانية إلى فتح مخيمات استقبال لهم في سبتة أو مليلية المحتلتين لإيوائهم مؤقتًا في انتظار ترحيلهم، وأمام تشبث هؤلاء بنكران هوياتهم لكي لا تتم إعادتهم إلى بلدانهم التي طردتهم منها ظروف الفقر أو الحروب الأهلية أو المجاعة أبقت السلطات الإسبانية الكثيرين منهم في تلك المخيمات ونقل البعض منهم إلى إسبانيا بدافع من ضغط الجمعيات والمنظمات الإسبانية المهتمة بالهجرة السرية ومحارية العنصرية، وقدرت المصادر الإسبانية عدد هؤلاء في العام الماضي بأكثر من ٢٠٠ ألف شخص، ثلثهم تقريبًا ليس لديهم بطاقات إقامة.

في صيف ۲۰۰۱ شهدت العلاقات المغربية الإسبانية توترًا حادًّا بسبب ملف الهجرة واستدعت الحكومة الإسبانية السفير المغربي في مدريد للاحتجاج على ما ادعت أنه تراخ مغربي في مكافحة الهجرة غير الشرعية، وقاد ذلك إلى أزمة دبلوماسية بعد سحب الرباط سفيرها في إسبانيا ورد مدريد بالمثل، وفي أول اتهام للسلطات الإسبانية بالصمت تجاه الظاهرة صرح العامل المغربي محمد السادس الصحيفة «لوفيجارو» الفرنسية بأن شبكات تهجير البشر إلى أوروبا تنشط فوق التراب الإسباني وأن مدينتي سبتة ومليلية المحطتين تعتبران مهد هذه التجارة، وكان ذلك بمثابة رسالة بأن مكافحة الهجرة السرية ليست شأنًا مغربيًّا فقط بل هي أيضًا شأن إسباني وأوروبي، ولم يتأخر الدليل الذي يؤكد تورط عناصر من الأمن الإسباني في شبكات تهجير البشر، ففي أكتوبر ٢٠٠٢ تم اعتقال سكرتير منظمة التحالف الكناري بجزر الخالدات بتهمة تمويل سفينة «أوسيان كينج»، التي قامت بتهريب أفارقة من موريتانيا إلى إسبانيا، وحملت الأيام التالية أنباء عن اعتقال رجال أمن إسبان في سبتة ومليلية بنفس التهمة.

 وخلال العامين الأخيرين عملت إسبانيا على إقامة نظام للمراقبة الخارجية لمواجهة ما أسمته «زحف المورو»، أي العرب والزنوج الأفارقة للحد من تسلل المهاجرين، ويستهدف هذا النظام بناء جدار على طول الشريط الجنوبي لإقليم الأندلس وجبل طارق الذي يعبر منه زهاء ١٥ من المهاجرين غير الشرعيين بحسب السلطات الإسبانية، وبدئ العمل في هذا النظام في صيف العام الماضي في أفق تعميمه على طول السواحل الإسبانية في العام ٢٠٠٤م، ويمتلك هذا النظام المتطور رادارات متنقلة وثابتة ذات مقدرة عالية على تحديد مكان القوارب التي تقل المهاجرين وبمجرد تحديد مكان القارب تتم معرفة عدد المهاجرين فيه على بعد خمسة كيلومترات، لكن المراقبين المهتمين بظاهرة الهجرة يرون أن شبكات التهريب تمتلك قدرة على التكيف مع هذه الحواجز والتسلل عبرها، وتقول بعض المصادر الإسبانية إن ٥٠٪ من المهاجرين يتمكنون من عبور الحواجز.

تدويل ظاهرة الهجرة

أصبحت الهجرة إحدى القضايا المقلقة لإسبانيا التي تعد بوابة إفريقيا نحو أوروبا، ومن هذا المنطلق سعت حكومتها في عهد الحزب الشعبي الحاكم والمتوجس من الأجانب إلى سن ترسانة من القوانين التي تحد من الظاهرة وتفرض قيودًا على المهاجرين المقيمين على أراضيها، إذ أدخلت أربع تعديلات على قانون الهجرة منذ مجيء الحزب الشعبي للحكم عام ١٩٩٦ بمعدل قياسي، وهو ما دفع بعض المنظمات الإسبانية إلى التحذير من تنامي العنصرية وكراهية الأجانب وعودة محاكم التفتيش.

وتحرص الحكومة الإسبانية على تقديم نفسها أمام أوروبا كحاجز يقيها فلول المهاجرين ويحفظها من خطر التغيرات غير المتحكم بها في بنيتها الديموجرافية، وقد شكلت تفجيرات ۱۱ سبتمبر فرصة مناسبة لإسبانيا للدفاع عن أطروحتها هذه داخل الاتحاد الأوروبي، حيث عملت على التكسب بالهجرة وابتزاز أوروبا ماليًّا لتقوية أساليب المراقبة على حدودها، وفي يونيو ۲۰۰۲ قدمت مدريد وروما أمام قمة برشلونة لزعماء الاتحاد الأوروبي الذي كانت ترأسه إسبانيا آنذاك قانونًا يجبر الدول المصدرة للمهاجرين على التعاون في مكافحة الهجرة، ويفرض عقوبات صارمة على البلدان التي تمتنع عن التعاون لكن فرنسا وألمانيا حالتا دون الموافقة على القانون الذي كان بإمكانه إحداث القطيعة مع دول الجنوب وإثقالها بعدد من المطالب التي تنوء بحملها، ومقابل الطرح الإسباني طرحت فرنسا أفكارًا تقوم على المساعدة في تنمية بلدان الجنوب وخلق فرص عمل للمهاجرين المحتملين إلى أوروبا، ولكن الباب بقي مفتوحًا للإجراءات العقابية بالنسبة للدول التي لا تظهر إرادة في التعاون ضد قوافل المهاجرين.

 وفي قمة لوكسمبورج للاتحاد الأوروبي التي عقدت في أكتوبر الماضي قدمت إيطاليا التي ترأس الاتحاد حاليًّا «نظام الكوطا»، الذي يقضي بمنح دول الجنوب حصصًا للمهاجرين، لكن فرنسا وألمانيا ولوكسمبورج رفضت المقترح، وصادقت القمة على مشروع جماعي لإقامة وكالة أوروبية لمراقبة الحدود ستكون الأولى من نوعها على مستوى الاتحاد الأوروبي للتحكم في ظاهرة الهجرة بشكل جماعي في البحر المتوسط.

 واللافت أن أوروبا بعد تفجيرات سبتمبر أصبحت تربط بين الهجرة غير الشرعية وظاهرة الإرهاب العالمي، فلم تعد ظاهرة الهجرة مشكلًا اقتصاديًّا فحسب بل صارت مشكلًا أمنيًّا يشغل الدول الأوروبية بشكل كبير، وهذا بدوره حمل معطى جديدًا في شكل التعامل مع الظاهرة وفي العلاقة بين الاتحاد الأوروبي وبلدان المغرب العربي بوجه خاص كما حدده مسار برشلونه اليورو متوسطي عام ١٩٩٥م، فالضغوط على الدول المغاربية تزايدت بشكل ملحوظ في الوقت الذي أهملت فيه أوروبا كل الجوانب الأخرى في المسار لمتوسطي التركز بشكل أكبر على الجوانب المتعلقة بالهجرة والأمن، خاصة أن اقتراب موعد ۲۰۱۰ الذي سيشهد إقامة منطقة للتبادل الحر يذكي الهواجس الأمنية، لدى أوروبا التي تتخوف من أن يساعد الاندماج الاقتصادي المنتظر بين الضفتين على تكثيف وتيرة الهجرة بأكثر مما يساعد في الحد منها.

ما يكشف هذا التوجس الأوروبي عودة مسلسل (٥+٥) الأوروبي المغاربي إلى الواجهة مؤخرًا بعد أن كنت البلدان المغاربية أنه أصبح في خبر كان بالنظر إلى وجود مسلسل برشلونه اليورو- متوسطي الأشمل فقد عقدت الدول الأوروبية الخمس التي تشكل جزءًا من مجموعة (٥+٥)، وهي فرنسا وإيطاليا واسبانيا وبريطانيا والمانيا لقاء في «لأبول» الفرنسية يومي ٢٠ و٢١ أكتوبر الماضيين للتباحث في ملف الهجرة في المتوسط، وبرزت في أجندة اللقاء تفجيرات جزيرة جربة التونسية والدار البيضاء المغربية كأبرز التطورات الأمنية التي تقتضي إسهامًا أوروبيًّا مغاربيًّا مشتركًا في محاربة ظاهرة الهجرة وعلاقتها بالأمن في المتوسط، وتقرر أن تعقد البلدان الخمس قمة في شهر ديسمبر القادم مع نظيراتها المغاربية: تونس والمغرب وليبيا والجزائر وموريتانيا في العاصمة التونسية لبحث قضية الهجرة والمخدرات والإرهاب ومعلوم أن البلدان المغاربية الخمس التي يجمعها الاتحاد المغاربي المجمد حاليًّا، ومنذ عام ١٩٩٤ تربطها اتفاقيات ثنائية مع الاتحاد الأوروبي من جانب ومع البلدان الأوروبية الخمس المذكورة من جانب آخر، وهو ما يجعل حظوظها ضئيلة في إمكانية رفض أو تعديل المقترحات الأوروبية في القمة المرتقبة بشأن القضايا الثلاث ويجعلها بالتالي عرضة للابتزاز والتوظيف في خدمة الأهداف الأوروبية، التي تريد تحويل المتوسط إلى مجال حيوي لأمنها واستقرارها على حساب أولويات الشعوب المغاربية وقضاياها.

الرابط المختصر :