العنوان دراسة عن حاضر العالم الإسلامي
الكاتب الدكتور علي جريشة
تاريخ النشر الثلاثاء 17-أبريل-1979
مشاهدات 80
نشر في العدد 441
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 17-أبريل-1979
- متى ينتبه المسلمون ويملكون أمورهم بأيديهم؟
هذه الكلمات نخطها عن حاضر العالم الإسلامي.. مما رأينا بأعيننا أو لمسنا بأيدينا، أو رجعنا إليه في مصادره ومظانه وإحصاءاته.
على أننا قد استعنا بتقارير من نثق في صدقهم من أمثال: رجال تحرير جبهة مورو، ورجال تحرير فطاني، وبعض مجاهدي فلسطين، وآخرين لم يشاؤوا أن أكشف عنهم وقد قبلنا تقارير هؤلاء.. كما يقبل القاضي شهادة الشهود بعد تمحيصها والثقة في صدقها، واضطررنا إلى البينة لما عزت المصادر الرسمية، أو شككنا في صدقها...
ونحسب أن هذه الكلمات.. هي المرجع الأول الحالي حول حاضر العالم الإسلامي، فلم نجد -فيما نعلم- شيئًا كتب بعد ما كتبه الكاتب الأمريكي ستودارد وعلق عليه الأمير شكيب أرسلان.
وهي وإن حاولنا فيها مسح العالم الإسلامي كله.. إلا أن ذلك كان في شأن الخطوط العامة حول الواقع الفكري أو الواقع السياسي أو الواقع الاجتماعي، أو الواقع الاقتصادي. لكن ذلك لم يمنعنا من إفراد بحوث خاصة للقضايا الإسلامية الراهنة مثل قضية فلسطين كقضية وطن إسلامي سليب، ومثل قضية الفلبين كقضية وطن إسلامي مجاهد ومثل قضايا الأقليات وغيرها...
وقد اتسمت دراستنا -بفضل الله- سواء في خطوطها العامة أو تفصيلاتها بمناسبة دراسة القضايا الخاصة -اتسمت بفضل الله وحده بالموضوعية والتعمق... بعيدًا عن التجريح الشخصي، ثم بلوغًا إلى جذور القضية وصولًا إلى حل لها.
ولقد كلفنا ذلك أن نرفع الأسماء حتى من المصادر التي نقلنا عنها، إيمانًا منا بأن الموضوعية أصلح منهج لبلوغ الإصلاح، فوق أنها اتباع لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان يبتعد عن كل تجريح شخصي فيرقى المنبر ليقول- ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا، وأخيرًا إيمانًا بأن التطبيق على الأشخاص لا يكون إلا عند عقد المحاكمات، وليس المجال مجال محاكمة ولا الأوان أوانها.
بيد أننا نؤمن في الوقت ذاته، أن أولئك الذين خانوا الأمانة، وشاركوا في طعن قضايا العالم الإسلامي.. أولئك لن يفلتوا:
فالأمة الإسلامية بدأت يقظتها، ولن تعود إلى النوم الذي استغلوا فيه غفلتها والتاريخ يكتب ويسطر، وما غطاه ظلام الأمس سوف يكشفه نهار الغد.
والله سبحانه من قبل هؤلاء ومن بعدهم يسمع ويرى ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ (فصلت: 15).
﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ * وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ (الصافات: 171-173).
﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ (المائدة: 56).
﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ * إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾ (الأنبياء: 105-106).
﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا...﴾ (النور: 55).
والله المستعان وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
1- العالم الإسلامي جغرافيًّا
1- الموقع:
ليس العالم الإسلامي كما يصوره الجغرافيون الأجانب نطاقًا صحراويًّا فقيرًا في موارده، متخلفًا في سكانه.
- بل إنه يقع في (صرة العالم) ممسكًا بأطرافه، متحكمًا في محيطاته وبحاره وخطوط ملاحته، زاخرًا بأهم الأنهار، وأخصب الأراضي، وأعظم الثروات... ومدخلا المحيط الهندي في أرض إسلامية (مضيق ملقا في الشرق بين الملايو وسومطرة، ومضيق باب المندب في الغرب) وبذا يمكن التحكم في الملاحة الدولية بين الشرق والغرب، ومدخلا البحر المتوسط في أرض إسلامية (شرقًا قناة السويس وغربًا مضيق جبل طارق).
والبحر الأبيض كان يومًا كله بحيرة إسلامية ولا تزال شواطئه الشرقية والجنوبية كذلك والبحر الأسود والبحر الأحمر كذلك بحيرة إسلامية لولا إسرائيل. وأنهار النيل ودجلة والفرات ونهر السند ونهر النيجر وغيرها تجري في بلاد إسلامية- ويبدأ غربًا عند خط الطول 18 غربًا (بالساحل الأفريقي المطل على المحيط الأطلنطي).
ويمتد شرقًا إلى حدود إقليم سينكيانج أو التركستان الصينية وباكستان الغربية عند خط الطول 90- أي أنه يمتد 108 درجة طولية.
- أما عرضًا فيمتد ما بين خط العرض 50 شمالًا -إقليم تركستان- إلى خط العرض 10 جنوب خط الاستواء -الجزر الإندونيسية في آسيا- أما أفريقيا فيمتد إلى جنوب خط الاستواء حتى حدود الصومال.
ويكفي ما انتهى إليه أحد العلماء، من أن مركز العالم كله -إذا أريد رسم دائرة- في مكة المكرمة، وبالتحديد الكعبة الشريفة...
وبهذا يصح -جغرافيًّا- أن نقول إن الأمة الإسلامية أمة وسط في موقعها، وأمثل الشيء أوسطه في كل شيء.
ومن ثم فإن العالم الإسلامي جغرافيًّا واستراتيجيًّا يتفوق في موقعه على أي بقعة في العالم كله.
ويمكن تقسيم الموارد الطبيعية إلى:
1- موارد غير قابلة للنفاد- مثل الرماد والصلصال.
2- موارد متجددة- مثل الغطاء النباتي.
3- موارد سريعة النفاد- مثل البترول والمعادن.
أما الموارد غير القابلة للنفاد:
فيملك العالم الإسلامي منها الكثير... إن الأرض الخصبة الواسعة الممتدة في السودان، وفي ليبيا، وفي العراق... وفي غيرها من بلاد الإسلام، والصحاري الواسعة الممتدة في جزيرة العرب، ومصر وغيرها من بلاد الإسلام... تعطي قدرة العالم الإسلامي وامتلاكه للموارد غير القابلة للنفاد.
أما الموارد المتجددة:
والخاصة بالغطاء النباتي، فإن ما يعيشه العالم الإسلامي من فقر وفاقة واحتياج للقمح وغيره من مواد الغذاء كل ذلك مصطنع ومفروض!... وإلا فالعالم الإسلامي الذي يملك أطول أنهار العالم وأغناها بالخصب والنماء (نهر النيل، ودجلة، والفرات، والسند... إلخ) لا يمكن ولا يتصور أن يكون بحاجة إلى نبات يستورده من شرق أو غرب!
إن آلافًا من الأفدنة تصل إلى الملايين في السودان والعراق وليبيا وباكستان، بل وفي مصر والجزيرة العربية... إما أنها صالحة فعلًا وخصبة تمامًّا ولا تحتاج غير اليد العاملة، أو أنها كانت كذلك وقصرت الهمم والجمود والعقول عن مدها بالماء وإعادتها خصبة كما كانت.
ويكفي أن نعلم أن مصر كانت تزرع في عهد الرومان أكثر من 90 بالمائة من أراضيها وهو أمر ثابت تاريخيًّا، ظلت تنقرض حتى بلغت في العصر الحديث إلى 5 بالمائة من أراضيها، وتسعون في المائة معطل لا يعمل ولا ينتج!
أما الموارد سريعة النفاد:
مثل البترول والمعادن ... فيكفي أن نعرف هذه الحقائق:
أ- إن البترول وهو المصدر الأول للطاقة اليوم تنتج منه البلاد الإسلامية 30.6 بالمائة من جملة الإنتاج العالمي، تتلوها الولايات المتحدة 29.6 بالمائة.
أما احتياطي العالم الإسلامي فهو 69.3 بالمائة من جملة الاحتياطي العالمي فلو أضفنا إلى ذلك ما تصر الشركات الأميركية والأجنبية على عدم كشفه إلا في الوقت المناسب -لها طبعًا- لارتفع إنتاج البلاد الإسلامية ولارتفع احتياطيها كذلك. ويكفي أن نصرح -على مسؤوليتنا- في هذا المكان أن مصر تسبح في بحيرة من البترول، إذ يوجد البترول على يمينها وعلى شمالها... لولا إصرار الشركات الأميركية والأجنبية الآخذة امتياز التنقيب عن البترول -لولا إصرار هذه الشركات على عدم الكشف عنه إلا بقدر!
ب- المعادن الأخرى:
وفي مقدمتها أهمها في الصناعات... الحديد والصلب... يوجد في البلاد الإسلامية في اتحاد ماليزيا، والجزائر والمغرب وتونس وتركيا ومصر... ويوجد في بلاد أخرى نعرفها بكميات أضخم تصر القوى العالمية المحتكرة على عدم الكشف عنها احتفاظًا لنفسها بالسر أو بالثروة!
أما أنفس المعادن، مثل الذهب والماس واليورانيوم، فيوجد منه الكثير في بلاد الإسلام.. لولا أنا لا نريد أن نصرح بما أبت هذه البلاد أن تصرح به!
أما الطاقات غير البترول
فتوجد لدينا مساقط المياه التي تتولد منها الكهرباء، ولدينا الزيت، والغاز الطبيعي... وتوجد لدينا طاقة لم تستغل بعد، وليس للعالم منها إلا القليل وهي الطاقة الشمسية... وتدل أبحاث جادة وجديدة على أنها يمكن أن تتحول إلى أهم الطاقات لو أحسن استغلالها.
2- القدرة الإنتاجية:
هي تعتمد على ثلاثة عناصر:
1- العنصر البشري.
2- الخامات.
3- رأس المال.
فإذا قدر العالم الإسلامي أن يسقط -مرة واحدة- الحدود المصطنعة فيما بين بلاده ودوله ودويلاته... فإنه يصير أكبر قوة اقتصادية في العالم كله ...
فنحن نملك:
أ- من العنصر البشري: ألف مليون مسلم لا يتوافر عددهم لأي دولة في العالم.. فإذا أضفت إلى هذا العنصر عنصر الإخلاص الذي يتطلبه الإسلام من أبنائه.. وعنصر الإتقان كذلك.. لكانت هذه الثروة البشرية هي أول وأكبر ثروات العالم الإسلامي.
ب- الخامات:
وقد قدمنا الحديث عنها ونزيد أنه لا يوجد في العالم كله مكان تتوافر فيه كل المعادن، وكل الطاقات، وكل الخامات... إلا العالم الإسلامي.
ج- رأس المال:
والمنطقة الإسلامية الآن أغنى مناطق العالم برأس المال... لولا أنها تودعه في بنوك أمريكا وإنكلترا، وتدعم بذلك اقتصاد هذه الدول من حيث تدري أو لا تدري...
وفي كل فترة يجري خفض بعض العملات الأجنبية -عمدًا- لتتحقق الخسارة في جانب المسلمين المودعين أموالهم في تلك البنوك، وليتحقق الكسب لأصحاب هذه العملات!
وفي إحصاء أخير تقدمت إحدى البلاد الإسلامية من حيث الدخل القومي، على الولايات المتحدة الأمريكية التي كانت حتى عهد قريب أغنى دول العالم!
فإذا أضفنا إلى ذلك وجود الأسواق الاستهلاكية ووفرة طرق الملاحة البرية والبحرية والجوية، وتوسطنا بين العالم كله شرقه وغربه... لعرفنا كيف يمكن أن نكون أكبر قوة اقتصادية في العالم كله!
ولكن... متى يتنبه المسلمون، ويملكون أمورهم في أيديهم؟!
لا نغض بعد ذلك من قيمة (التكنولوجيا الحديثة) وهي التطبيق العلمي لأحدث النظريات وذلك لازم في مجال الإنتاج لتحسينه كيفًا، وزيادته كمًّا، مع التوفير في التكاليف وهو ما نندب إليه الأمة الإسلامية ونعتبره فرض كفاية تأثم الأمة كلها إن لم تنفر منها طائفة كافية لكفاية حاجة هذه الأمة... لكننا في الوقت نفسه نشير إلى أن تحصيل أمر (التكنولوجيا) صار سهلًا بفضل الله أولًا ثم بترابط العالم، وبتخطيه -إلى حد ما- حواجز العصبية في كتمان العلم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل