العنوان البرنامج النووي الإيراني.. الطموحات والدوافع وسيناريوهات المستقبل
الكاتب محمود المنير
تاريخ النشر الخميس 01-أكتوبر-2015
مشاهدات 58
نشر في العدد 2088
نشر في الصفحة 72
الخميس 01-أكتوبر-2015
إيران تتفاوض في الملف النووي وفق مبدأ "خطوة مقابل خطوة"
لا حل نهائياً للملف النووي الإيراني والسيناريو الأقرب هو الحلول الجزئية
إيران ترى الملف النووي جزءاً من نهضة علمية كبيرة.. والغرب لا يرى فيه أكثر من برنامج نووي ينبغي أن يكون صغيراً
هناك قوى داخل إيران تضغط باتجاه الحيلولة دون الوصول إلى اتفاق نهائي ومنها الحرس الثوري وكذلك "إسرائيل" في الخارج
حتى اليوم من غير المعروف قطعاً ما طبيعة البرنامج النووي الإيراني هل هو سلمي أم عسكري أم مزدوج الأغراض؟
بيانات الكتاب:
اسم الكتاب: البرنامج النوى الإيراني.
المؤلف: أ.د. عطا محمد زهرة.
الناشر: مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات – بيروت.
سنة النشر: 2015م - الطبعة الأولى.
عدد صفحات الكتاب: 104 من القطع الكبير.
هذا الكتاب:
لم يثر أي ملف دولي في السنوات الماضية جدلاً كالذي أثاره الملف النووي الإيراني، فقد كان الشغل الشاغل للباحثين ومراكز الأبحاث وأجهزة الاستخبارات، والمنظمات المعنية باستخدامات الطاقة النووية، لأكثر من عشر سنوات، وذلك بعد التحول في موقف الدول الغربية من البرنامج النووي الإيراني وخصوصاً الولايات المتحدة الأمريكية، لقد كانت الأخيرة الراعية والمشجعة للشاه "محمد رضا بلهوي" في هذا المجال في إطار ما عرف بـ "الذرة من أجل السلام"، لكنها أصبحت المناوئة بقوة لـ "علي خامنئي"، لاسيما مع الحديث عن أخطار هذا البرنامج على الأمن والسلام الدوليين.
وخلال الشهور من سنة 2013م التي شهدت مفاوضات ماراثونية بين إيران ومجموعة (5+1)، والتي انتهت بالتوصل إلى اتفاق مبدئي في جنيف، قضى بتعليق العمل في هذا البرنامج مقابل وقف جزئي للعقوبات المفروضة على إيران، الأمر الذي دعا البعض إلى توقع القضاء على المشروع النووي الإيراني بصورة نهائية، فهل يمكن القول: إن ذلك الاتفاق كان فعلاً بداية الطريق نحو نهاية الطموح الإيراني؟
إن الإجابة عن هذا التساؤل يجيب عنها هذا الكتاب في خمس محاور رئيسة، حيث يلقي المؤلف نظرة سريعة على الطموحات والدوافع الإيرانية المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني، ويرصد في المحور الثاني والثالث مسيرة هذا البرنامج، ثم يعرض لتداعياته وتطوراته، وفي المحور الرابع يطرح المؤلف جوانب الخيار الدبلوماسي في التعامل معه، وفي المحور الخامس والأخير من الكتاب يستعرض المؤلف ما يمكن تصوره فيما يتعلق بمستقبل هذا المشروع وسيناريوهات الاتفاق النهائي والاتفاقات الجزئية وسيناريوهات إيران النووية.
أولا: الطموحات والدوافع
يشير المؤلف بداية إلى أنه ليس هناك اتفاق حول طبيعة البرنامج النووي الإيراني، ويلاحظ عموماً وجود ثلاثة اتجاهات واضحة؛ الأول يقر بأن هذا البرنامج سلمي تماماً، بينما يصر الثاني على أنه ذو طبيعة عسكرية، أما الثالث فإنه يقف حائراً متردداً بين الاتجاهين.
ويرى المؤلف أن طموحات القيادية الإيرانية السياسية بغض النظر عن منطلقاتها الفكرية حول نوعين من التطلعات يدوران بصفة عامة حول حلم امتلاك القدرة النووية من جهة، وتطوير الطاقة النووية السلمية من جهة ثانية.
أما عن حلم امتلاك القدرة النووية، فلقد راود هذا الحلم القادة الإيرانيين منذ أيام الشاه في منتصف القرن العشرين، لاسيما مع وجود ثروة بترولية تسمح بتمويل المشروع النووي، وفي ظل التحالف مع أمريكا والدور الذي اضطلعت به إيران كشرطي في وجه النفوذ السوفييتي أيام الحرب الباردة.
وفيما يتعلق بتطوير الطاقة النووية السلمية، فقد أعلن الإيرانيون في أوائل التسعينيات، أي في أعقاب استئناف العمل بالبرنامج النووي، أنهم يسعون إلى تحقيق إنجازات سلمية بالكامل، وأن اهتمامهم بالتكنولوجيا النووية لا يخرج عن ذلك.
ويرى المؤلف أن الباحثين في هذا الشأن يرون أن الدوافع تتشابك وتتفاعل، وأنها تقف خلف السياسة الإيرانية النووية، لعل من أهمها خمسة دوافع، هي:
- تدعيم الاقتصاد الوطني.
- الإسهام في النهضة العلمية الإيرانية.
- الإسهام في حماية الثورة والنظام الجمهوري.
- مواجهة التحديات الخارجية.
- تعزيز مكانة إيران الدولية.
ثانياً: مسيرة البرنامج النووي
في هذا الجزء من الكتاب يتناول المؤلف مسيرة البرنامج النووي الإيراني منذ أيام الحكم الملكي في عهد الشاه، بدءاً من سنة 1957 وحتى سنة 1979م، والمرحلة الثانية بعد وقوع الثورة الإسلامية حتى يومنا هذا.
هذا وقد فصل المؤلف بين العهدين فترة تعليق للبرنامج من جانب القادة الإسلاميين؛ بسبب موقفهم السلبي منه، وقد تعزز هذا الموقف بفتوى أصدرها "علي خامنئي" بمنع إنتاج الأسلحة النووية بأي شكل، ووجد هذا الموقف انعكاساته بتعطيل البرنامج وإلغاء صفقات الأسلحة والمشاريع الصناعية المرتبطة به، واستمرت هذه السياسية لخمسة أعوام بعد الثورة، أي حتى مارس 1984م، عندما قامت العراق بضرب مفاعلات بوشهر، وبرز شعور الإيرانيين بتعاظم القوة العراقية، إذا أدرك قادتهم أهمية بناء قوة نووية.
وتناول المؤلف مراحل ومسيرة البرنامج النووي والتي قسمها كما يلي:
1- مرحلة التأسيس 1958 - 1977م؛ وهذه شملت البدايات الأولى ومن الشاه، ثم جهود منظمة الطاقة الذرية لإيران والتي عملت على مستويين؛ تنظيم عمل منشآت البرنامج النووي وتسهيل عمله من خلال التعاون مع المؤسسات الدولية، ثم بروز الجهود الرسمية لوضع أسس البرنامج.
2- مرحلة التشغيل 1984 - 2004م؛ وتتضمن عدة خطوات أساسية يمكن التمييز بينها بصورة رئيسة، وهي انطلاق العمل في البرنامج بصورة فعلية، وتوسيع البنية التحتية للبرنامج، وأخيراً الدفع إلى الأمام بمجالات البحث والتطوير.
3- مرحلة التحديث والتطوير؛ وفي هذه المرحلة لم تلتزم إيران بما أعلنت عنه سنة 2004م من وقف كافة أنشطتها النووية خلال فترة مفاوضتها مع دول الترويكا الأوروبية (بريطانيا وفرنسا وألمانيا)، واستمرت في تشغيل برنامجها بسرعة حالت دون وصول مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى بارشين ولافيزان؛ وهما موقعان عسكريان أعدا لاختبار المتفجرات التقليدية وتخزين معدات ومواد منقولة من مواقع أخرى ذات طبيعة نووية؛ الأمر الذي زاد من مخاوف الدول الغربية، وأدى إلى تعثر تطبيق اتفاق باريس من الجانبين، وشملت هذه المرحلة:
- تطوير القدرات الفنية في المجال النووي.
- توفر إمكانيات إنتاج اليورانيوم.
- توفير أجهزة الطرد المركزي.
- مرحلة التصنيع والإنتاج.
- العمل على إنتاج الثقيل.
ثالثاً: تداعيات تطور البرنامج النووي
رصد المؤلف ثلاثة من التداعيات لتطوير البرنامج النووي الإيراني في وضعها الداخلي، وفي علاقاتها على المستويين الإقليمي والدولي، وهي:
1- فرض العقوبات الدولية والتي تنوعت لتشمل الجوانب التجارية والمالية، وما يسمى بالعقوبات الذكية؛ والتي يقصد بها وقف تصدير المنتجات التكنولوجية المتطورة إلى إيران، بحجة أنها ستستخدم في نشاطات عسكرية، ثم حظر هبوط الطائرات الإيرانية المدنية في مطارات العالم المختلفة، والتضييق على خطوط ملاحتها البحرية، ووضع أفراد من النخبة الإيرانية على القائمة السوداء إذا أرادوا التنقل بين دول العالم المختلفة، فضلاً عن هروب قرابة ثلاثة مليارات دولار سنوياً.
2- بروز الشكوك الغربية، وذلك بعد الكشف عن آثار مشعة بدرجة عالية في عام 2003م في عينات مأخوذة من مفاعلات نووية، وهو ما عدته دليلاً على قيام طهران بتنقية اليورانيوم دون إبلاغ الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وعمدت إيران إلى المراوغة فيما يتعلق ببرنامجها النووي، ففي أواخر سنة 2005م أعلن الرئيس الإيراني السابق "نجاد" عن إصرار إيران على تطوير برنامجها النووي، وتأكيد حق الشعب الإيراني في الحصول على التكنولوجيا النووية المخصصة للأغراض السلمية؛ مما أدى إلى تجدد الأزمة مع المجتمع الدولي.
وفي أبريل 2006م أعلنت إيران عن نجاحها في تخصيب اليورانيوم بنسبة 3.5%، ثم بنسبة 4.8%، وعزمها على دفع برنامجها النووي بوتيرة سريعة إلى الأمام مع ما حققه من تطور كبير، ورفضت طلب المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية تعليق أنشطتها النووية؛ الأمر الذي دفع إلى إبلاغ الأمم المتحدة.
3- نشوء الأزمة مع المجتمع الدولي ورفض الوكالة الدولية لأنشطة إيران النووية، وصدور خمسة قرارات دولية ضد إيران تتضمن مجموعة من العقوبات الاقتصادية والفنية المتصاعدة، وهي: القرار (1696) في 31/7/2006م، والقرار (1737) في 23/12/2006م، والقرار (1747) في 4/3/2007م، والقرار (1803) في 3/3/2008م، والقرار (1929) في 9/6/2010م.
رابعاً: تسوية الأزمة النووية الإيرانية (2003 – 2015م)
حيث عرض المؤلف لثلاثة جوانب على درجة كبيرة من الأهمية؛ أولها: مفهوم الطرفين للتسوية وما يرتبط به من ملابسات، والثاني: متغيرات التسوية في مستوياتها المختلفة، وأخيراً تجاه العملية التفاوضية خلال الأعوام العشرة الماضية أي ما بين عامي 2005 و2015م.
ويشير المؤلف إلى أن الغرب يرى أن التسوية المثالية للبرنامج الإيراني تتمثل في عدة أمور تضع حداً للملف النووي الإيراني، وهي:
1- الوقف النهائي والشامل للأنشطة الإيرانية الخاصة بتخصيب اليورانيوم وتفكيك منشآتها النووية، وفي مقدمتها مفاعل آراك ومنشأة فوردو.
2- التأكيد على ضرورة طرح موضوع برنامج الصواريخ للبحث في أي مفاوضات ضمن إطار مجموعة الـ(5+1)، وذلك لأن هذا البرنامج يقلق الدول الغربية.
3- التأكيد على استمرار العقوبات الدولية المفروضة على إيران، والتلويح باستمرار باحتمال اللجوء إلى الخيار العسكري.
4- تأكيد الرئيس "أوباما" خلال مكالمته في 27/9/2013م مع الرئيس الإيراني "روحاني" على الاعتراف بحق إيران في امتلاك الطاقة النووية السلمية، وأن الحوار يجب أن يبدأ بين الجانبين على هذا الأساس، وجزم الثاني بأن بلاده لا تتجه إلى إنتاج القنبلة النووية.
وفي هذا السياق، دعا مسؤولون سابقون في البيت الأبيض إلى صفقة أمريكية إيرانية تقوم على فلسفة الحد الأدنى الممكن، وتنهي سياسة الحافة التي تنذر بالانزلاق نحو الحرب، ورأوا أن الصفقة تتضمن ستة بنود، هي:
1- تجميد مقابل تجميد: أي تجميد تخصيب اليورانيوم مقابل تجميد العقوبات.
2- شراء إيران للوقود النووي من السوق الدولية.
3- وقف المناوشات بين السفن الأمريكية والإيرانية في مياه الخليج.
4- التعاون في مجال مكافحة تهريب المخدرات من جانب أفغانستان.
5- التعاون في مواجهة المجموعات العسكرية في العراق.
6- مشاركة إيران إلى جانب "إسرائيل" في مؤتمر يهدف إلى جعل منطقة الشرق الأوسط خالية من أسلحة الدمار الشامل، ويكون في إطار معاهدة حظر الانتشار النووي.
القاعدة الجديدة للمفاوضات
يشير المؤلف إلى أن إيران أعلنت أنها ترغب في أن يجري التفاوض وفق مبدأ "خطوة مقابل خطوة"، مع تحديد سقف زمني بعدة أشهر، ووافقت أمريكا على ذلك في جنيف سنة 2013م، وتمثلت البنود فيما يلي:
1- وقف تخصيب اليورانيوم فوق مستوى 5%.
2- التخلص من المخزن الإيراني من اليورانيوم المخصب بنسبة 20%.
3- التعهد بإيقاف العمل في مفاعل آراك بصورة مؤقتة؛ وذلك يعني عدم إنتاج الماء الثقيل والبلوتونيوم.
4- عدم نصب أي أجهزة طرد جديدة، وتجميد 800 جهاز لم تعد تغذى باليورانيوم بعد.
5- السماح لإيران باسترداد قرابة 7 مليارات دولار من أموالها المحتجزة في أمريكا وعدد من الدول الغربية والآسيوية.
6- تخفيف القيود المفروضة على تصدير النفط الإيراني.
7- بقاء هيكل العقوبات المتعلقة بالاستثمارات الخارجية في حقلي إنتاج النفط والغاز والنشاطات المالية الإيرانية عبر العالم على حاله.
8- عدم فرض أي عقوبات إضافية أو اللجوء إلى مجلس الأمن لفرض عقوبات إضافية ضد إيران.
9- رفع القيود عن صناعة السيارات الأمريكية، وقطع غيار أسطول النقل الجوي والمدني، والخدمات التي تحتاجها الناقلات الإيرانية في الخارج.
10- مضاعفة تراخيص التحويلات الإيرانية لأغراض استيراد الغذاء والأدوية.
11- تمكين الطلاب الإيرانيين، خصوصاً في الجامعات الأمريكية، من الحصول على منح دراسية من ودائع إيران المجمدة.
خامساً: مستقبل البرنامج النووي
وختم المؤلف كتابه برسم ثلاثة سيناريوهات لكل واحد منها ظروفه ودوافعه ومبرراته وأنصاره، وهي سيناريو الاتفاق النهائي، وسيناريو الاتفاقات الجزئية، وأخيراً سيناريو إيران كدولة نووية.
1- سيناريو الاتفاق النهائي: تسوية دائمة مع اختلاف الطرفين في تحديد الفترة الزمنية التي يستوجبها مفهوم الديمومة، فالإيرانيون يرون أن أي اتفاق ينبغي ألا تتجاوز مدته الخمسة أعوام، وقبلوا أخيراً أن تصل إلى عشرة، والغرب يرى أنه ينبغي أن يمتد إلى ما لا يقل عن عشرين عاماً، وتكمن صعوبة تحقيق هذا السيناريو في التباين العميق بين وجهات نظر المتفاوضين حول البرنامج، فإيران ترى فيه جزءاً من نهضة علمية كبيرة، والغرب لا يرى فيه أكثر من برنامج نووي ينبغي أن يكون صغيراً، فضلاً عن وجود قوى محلية تضغط باتجاه الحيلولة دون الوصول إلى اتفاق نهائي؛ ومنها الحرس الثوري، والتيار الديني المحافظ داخل إيران.
2- سيناريو الاتفاقات الجزئية: يرى المؤلف أنه قد لا يتم التوصل إلى اتفاق نهائي بالنظر إلى عمق الخلاف وتباعد وجهات النظر، لكن الحرص على الخيار الدبلوماسي قد يدفع إلى واحد من ثلاثة حلول جزئية؛ وهي التوصل إلى اتفاق مرحلي جديد، أو تمديد اتفاق جنيف كما هو، أو إدخال تعديلات معينة عليه.
3- سيناريو إيران النووية: ويرتكز هذا السيناريو على فكرة أن إيران مصممة على إنتاج السلاح النووي، وأنها تتوارى في هذا الخصوص وراء الطابع السلمي لبرنامجها من جهة، والدخول في مفاوضات مع الغرب من جهة أخرى، فالثقافة الإيرانية القائمة على الالتزام بالمذهب الشيعي ورؤية إيران لنفسها كزعيمة للعالم الإسلامي، وإحساسها أحياناً بالعزلة على المسرح الدولي؛ تجعل من امتلاك أسلحة نووية من بين المقدمات التي لابد منها لتولي هذه الزعامة والقيام بمتطلباتها.
ويرى المؤلف أنه من خلال قراءة التفصيلات الخاصة بكل واحد من هذه السيناريوهات الثلاثة، يبدو له أن سيناريو الحلول الجزئية هو الأقرب إلى الواقع، فهو من جهة ينسجم مع دبلوماسية "الخطوة خطوة" التي تبناها الطرفان، وينسجم مع مسار المفاوضات على أرض الواقع، وإن كانت تفاهمات تشير إلى الأمل في تسوية نهائية.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل