العنوان البروفيسور عبد القدیر خان يكشف للمجتمع أسرار البرنامج النووي الباكستاني
الكاتب رأفت يحيى العزب
تاريخ النشر الأحد 26-يناير-1992
مشاهدات 54
نشر في العدد 986
نشر في الصفحة 12
الأحد 26-يناير-1992
إذا كان اليورانيوم المخصب هو المادة الأساسية لصناعة القنبلة النووية فإن باكستان بمقدورها صناعة هذه القنبلة اليوم، فـ«كاهوتا».. ذلك المكان الهادئ الذي يحتضن بين جباله محطة تخصيب اليورانيوم الباكستانية أصبح حديث العالم اليوم منذ أن نجحت باكستان، هذا البلد النامي الذي يفتقر إلى وجود قاعدة صناعية متقدمة في إنتاج اليورانيوم المخصب بأيد باكستانية خالصة وبأحدث وسائل التقنية التي توصل إليها العلم في العصر الحديث، فتصبح باكستان بذلك خامس أو سادس دولة في العالم، والأولى في العالم الثالث التي تنتج اليورانيوم المخصب عن طريق ما يسمي بتكنولوجيا الــUF TRACANTNFUFR.
لقد وضع برنامج «كاهوتا» لتخصيب اليورانيوم باكستان على خريطة العالم
النووي وأرسى أسسًا صلبة للاعتماد على الذات في المستقبل، وضمن للبلاد استقلالها
في هذا المجال، وتصدى لكل من يريد أن يمارس ضغطًا أو ابتزازًا لحرمانها من حقها
الطبيعي في إنتاج اليورانيوم لتوظيفه في الأغراض السلمية أسوة بغيرها من دول
العالم.
إن الشيء الذي يبعث على الإعجاب حقًّا أن برنامج كاهوتا أصبح يصنع كل
الأجهزة والمعدات الخاصة بتخصيب اليورانيوم دون الحاجة إلى أي مساعدة خارجية.
وهو في حد ذاته يجعل من باكستان رمزًا لتحدي الدول النامية والفقيرة
في كفاحها ضد ابتزاز الدول الغنية المتقدمة التي فرضت حصارًا علميًّا واقتصاديًّا
عليها وعلى باكستان منذ الوهلة الأولى التي أقدمت فيها الأخيرة على البدء في هذا
المشروع.
إن هذا الصرح الشامخ الذي تحتضنه جبال كاهوتا وتحرسه عناية الله جاء
نتاج الجهود والتضحيات الضخمة التي بذلها الدكتور عبدالقدير خان عالم الذرة
الباكستاني العالمي، أو كما يجب أن يسميه أبناء وطنه بأبي البرنامج النووي. وقد
كانت «المجتمع» أول مجلة عربية تلتقي مع الدكتور خان، وكان معه هذا الحوار.
د. عبد القدير خان
والدكتور خان ولد بمدينة بوبال بالهند عام ١٩٣٦ وهاجر هو وعائلته إلى
مدينة كراتشي في باكستان عام ١٩٥٤.. بعد انتهاء دراسته الجامعية سافر إلى هولندا
حيث عمل في أحد مراكز الأبحاث النووية بالأميلو.. والمركز كان عبارة عن مؤسسة
مشتركة لعدد من الدول الأوربية ومحاطًا بسرية شديدة، وقد كان من نصیب د.خان أن
يعمل بهذا المركز كمهندس للمواد، واستطاع أثناء عمله أن يظهر كفاء منقطعة النظير
مقارنة بغيره من الأوربيين.. وحينما قررت باكستان الدخول في المجال النووي ترك د.خان
عمله في أوروبا عام ١٩٧٦ مخلفًا وراءه الكثير من الامتيازات ليعود إلى باكستان
مضحيًا بكل شيء في سبيل وطنه ليبدأ رحلة عمل شاقة وعنيفة في صمت وسرية بالغين،
وحوله عدد قليل من المهندسين الباكستانيين الأكفاء. وخلال فترة وجيزة فوجئ العالم
أصدقاء وأعداء بنجاح باكستان في إنتاج اليورانيوم المخصب بأيد باكستانية 100%
رغم كل الضغوط والتحديات، فكان ذلك معجزة لدولة نامية صغيرة.
|
•
رغم أن الغرب قد فرض حظرًا على تزويدنا بالمكونات
الخاصة بالمفاعلات النووية فقد اتفقنا مع الصين على تزويدنا بمحطة نووية قدرتها
300 ميجاوات |
المجتمع: في الندوة العالمية الثانية حول المعادن المتقدمة ذكرتم أنكم قد أنجزتم المهمة التي كلفتم بها، وقد فسر كثير من المراقبين والأمريكيين على وجه الخصوص هذا التصريح بأنه إشارة إلى امتلاك باكستان للقنبلة النووية.
- الذي قصدته من وراء هذا التصريح في الحقيقة
هو أننا انتهينا من بناء محطة تخصيب اليورانيوم.
المجتمع: ما هو حجم التقدم
الذي أحرزته باكستان في مجال التكنولوجيا النووية؟
- لقد نجحت باكستان في تخصيب اليورانيوم للحد
الأدنى وهو 3.5% داخل معاملها عن طریق ما يسمى بـ Uitnacentrtufuge
Techmque وهذا اليورانيوم المخصب
يعد المصدر الأساسي للحصول على الوقود النووي -الذي تستخدمه المفاعلات النووية- ذو
الماء الخفيف Light water Riachors هذا يعني
أنك إذا اشتريت مثلًا مفاعلًا نوويًّا صغيرًا، والذي يصل ثمنه إلى ٦٠٠ مليون دولار
أو الكبير الذي لا يقل سعره عن ۲ بليون دولار. واعتمدت في تشغيل هذه
المفاعلات على الوقود الذي نشتريه من الخارج من الممكن في
هذه الحالة أن يستخدم كأداة للابتزاز والضغط؛ إذ إن عدم وجود الوقود
النووي يعني توقف هذه المفاعلات عن العمل؛ لأن الوقود هو الوسيلة الوحيدة لتشغيل
المفاعل. ومن هنا فإن إنتاجنا لليورانيوم المخصب الذي ينتج عنه الوقود النووي قد
منحنا الاستقلالية، ثم إن سعر اليورانيوم المخصب مرتفع للغاية، ولا يمكن الحصول
عليه ببساطة، وبالتالي فقد وفرنا مئات الملايين من العملات الصعبة للبلاد.
المجتمع: ولكن ما هو الفرق
بين اليورانيوم المخصب الذي تنتجه محطة كاهوتا واليورانيوم الخاص بإنتاج القنبلة
النووية؟ وهل تستطيعون إنتاج هذا النوع الأخير؟
- الوقود المستخدم في المفاعل النووي يتكون
من اليورانيوم المخصب بنسبة 3.5% بينما الوقود المستخدم في إنتاج
القنبلة النووية يجب أن تصل درجة تخصيبه إلى 90% لكننا قصرنا جهودنا على
إنتاج اليورانيوم المخصب بنسبة 3.5%. لكن على أية حال فنحن بمقدورنا
تخصيب اليورانيوم إلى أي نسبة نريدها عن طريق تكنولوجيا
Utracantrifure إلا أن حكومتنا ليست حريصة
على استخدام الوقود كوسيلة لإنتاج الأسلحة النووية وتكتفي بتوظيفه في الأغراض
السلمية، لكن دون أدنى شك فنحن لدينا القدرة والكفاءة على إنتاج اليورانيوم المخصب
كما قلت بأي نسبة نريدها مثل هولندا واليابان وألمانيا... إلخ.
هذه الطريقة تعد من أحدث وأعقد الطرق لإنتاج اليورانيوم المخصب في
العالم وهناك 5 أو 6 دول في العالم تستطيع أن تحصل على اليورانيوم المخصب بهذه
الطريقة. والحقيقة أنني اتجهت إلى هذا النوع من التكنولوجيا نظرًا لما لدي من
خبرة في هذا المجال، ونظرًا لرخصها الشديد مقارنة بالوسائل التقليدية الأخرى باهظة
التكاليف.
المجتمع: هل كنتم تعتقدون
في بداية العمل بمشروع تخصيب اليورانيوم أنكم ستنجحون في تحقيق هدفكم رغم
الظروف الصعبة والحظر الشديد الذي فرضه الغرب على باكستان في هذا المجال؟
- نعم كنا نعتقد أننا سننجح؛ فقد كان لنا هدف
محدد وضعناه نصب أعيننا، وكنا لا نشك للحظة واحدة في أننا سنحقق هذا الهدف، ثم إن
الفضل يرجع إلى توفيق الله عز وجل أولًا وأخيرًا وإلى هدايته لنا، ثم إلى
التشجيع الذي كنا نتلقاه من المسؤولين في الدولة والجهود الضخمة التي بذلها زملائي
في العمل.
المجتمع: ما هي الصعوبات
التي تجعل دولًا متقدمة علميًّا مثل الهند غير قادرة على الوصول إلى مرحلة تخصيب
اليورانيوم؟
- تعد عملية
تخصيب اليورانيوم من أعقد المراحل للحصول على الوقود النووي؛ وذلك لأن جزئيات
اليورانيوم U 235. U 238 تعد
متشابهة للغاية، وبالتالي يصعب الفصل فيما بينها، ولذلك فإن عددًا قليلًا جدًّا من
دول العالم استطاع تحقيق ذلك.. والحقيقة أن الهند يجب أن تبذل جهدًا ضخمًا
حتى تنجح في هذا الميدان.
المجتمع: في تصريحات لكم مؤخرًا
أشرتم إلى أن برنامج كاهوتا لتخصيب اليورانيوم يعمل بالتنسيق والتعاون مع الجيش
الباكستاني، فما طبيعة هذا التعاون والتنسيق؟
- نحن لدينا
فريق من المهندسين على مستوى تكنولوجي عال، وهذه الأيام إذا أردت شراء أسلحة
دفاعية فهي تكلفك الكثير والكثير فضلًا عن الصعوبات المتمثلة في القيود والضغوط
التي تمارس إزاء ذلك، ومن ثم فقد اتجهنا إلى التعاون مع الجيش لبناء بعض الأنظمة
الدفاعية مستفيدين من ورش وأجهزة محطة كاهوتا لتخصيب اليورانيوم، وقد أنتجنا
بالفعل مدافع محمولة على الكتف ومدافع مضادة للطائرات ومنصات صواريخ متعددة
الفوهات وأجهزة لتطهير الألغام وأجهزة ليزر للرصد والمراقبة، والعديد من المعدات
والأجهزة الإلكترونية التي يحتاج إليها الجيش.
المجتمع: هل هذا يعني أن
محطات الطاقة النووية لها علاقة بإنتاج الأسلحة؟
- لا ليس
كذلك، ولكن محطات الطاقة النووية بطبيعة الحال تحتاج إلى أجهزة إلكترونية عديدة
مثل الكمبيوترات والهندسة الميكانيكية والورش والقوى البشرية، وهذه الأجهزة الغنية
لا تستخدم طوال الوقت، وبالتالي يمكن استثمارها والاستفادة فيها في مجالات أخرى
بدلًا من إقامة ورش جديدة وشراء أجهزة ومعدات أخرى جديدة أيضًا مما يكلف البلاد
نفقات باهظة.
وبما أن برنامجنا النووي متواضع فهذه الأجهزة تقوم بوظيفتين في آن
واحد: خدمة البرنامج النووي وتوظيفها في مجال التصنيع العسكري كذلك.
المجتمع: يتردد في الدوائر
العلمية الباكستانية أن باكستان أصبح بمقدورها بناء محطات نووية دون الاعتماد على
أي مصدر خارجي؟
- نحن لدينا
عدد كاف من المهندسين والخبراء في هذا المجال وبمقدورهم تصميم مفاعلات نووية
وتجهيز قدر كاف من مكونات المفاعل النوري، وهؤلاء المهندسون لا يقلون كفاءة عن
أفضل المهندسين في العالم، وقد أثبتوا ذلك بوضع باكستان على خريطة العالم النوري
في زمن قياسي، وبالتالي يمكن القول: إن الخبرة الفنية متوافرة لدينا؛ لكن يبقى
الاعتماد على الخارج في الحصول على بعض مكونات المفاعل النوري، وهذا أمر طبيعي،
فحتى الدول المتقدمة جدًّا في هذا المجال لا تستطيع بناء محطات نووية دون الاعتماد
على الخارج، يدخل ذلك الأمريكيون والألمان والفرنسيون والبريطانيون، فهم يضطرون لاستيراد
أجزاء معينة من بعضهم البعض.
المجتمع: لكن الاعتماد على
الخارج في الحصول على ما تحتاجونه لبناء محطات نووية يشكل تحديًا أمامكم، خاصة وأن
هناك اتفاقًا دوليًّا على حرمانكم من أي تكنولوجيا نووية، ولعل تصريحات المسؤولين
الأمريكيين الأخيرة وما جاء على لسان عضو الكونجرس الأمريكي برسلر خلال زيارته
لإسلام آباد قبل عدة أيام أبرز مثل على ذلك؟
- نحن
بالتأكيد نواجه صعوبات هائلة من أجل الحصول على بعض المكونات الخاصة بالمفاعلات
النووية بعد أن فرض الغرب حظرًا على مثل هذه المكونات لباكستان على أية حال، فقد
وافقت الصين على تزويدنا بمحطة نووية قدرتها ۳۰۰ ميجاوات لباكستان وهذه الصفقة على وشك
التنفيذ عمومًا فنحن في حاجة إلى أكثر من مفاعل لتوفير احتياجات باكستان في مجال
الطاقة النووية.
المجتمع: وسائل الإعلام
الباكستانية ذكرت عقب توقيع الاتفاق بينكم وبين الصين أن المفاعل الصيني سوف يخضع
للتفتيش من قبل هيئة الطاقة النووية الدولية؟ فهل سيمتد هذا التأثير إلى بقية
الأنشطة الباكستانية النووية الأخرى؟
- إن خضوع المفاعل النووي الذي حصلت عليه
باكستان من الصين للتفتيش الدولي لا يعني يحال من الأحوال خضوع بقية الأنشطة
النووية الباكستانية الأخرى للتفتيش الدولي نظرًا لأن باكستان لم توقع على معاهدة
عدم الانتشار الدولي ولهذا فهي ليست ملزمة قانونًا بفتح مشروعاتها النووية للتفتيش
الدولي.. إن المفاعل النوري الذي حصلت عليه باكستان من الصين له خصوصية نظرًا
لأن الصين في طريقها لتوقيع هذه المعاهدة وبالتالي فهي تتعهد دوليًا بإلزام من
يحصل منها على مفاعلات نووية بإخضاعها للتفتيش الدولي.
المجتمع: ولكن ما هي
العلاقة التي تربطكم بالصين في هذا المجال؟
إن علاقتنا بالصين لا تختلف عن علاقاتنا بأي دولة أخرى.. لقد أقمنا
علاقات مع بكين في مجال الزراعة والطب وغير ذلك ونحاول أن نقيم علاقات أخرى مماثلة
معهم في مجال الطاقة النووية.
المجتمع: هناك من يقول إن
البرنامج النووي الباكستاني كان رد فعل للتفجير النووي الذي أجرته الهند في عام
١٩٧٤ بمنطقة راجستان.
إن هذا القول يتنافى مع الواقع فالهند منذ البداية تريد أن تكون قوة
نووية.. إنها دولة كبيرة يقارب سكانها الألف مليون نسمة وتعتبر نفسها قوة كبرى في
آسيا والعالم، ودون أن تصبح لها عضلات نووية فلن تستطيع أن تحقق توازنًا مع الصين
في المنطقة، إن الهند تتنافس مع الصين في جنوب آسيا إن دلهي تبني اليوم صواريخ
عابرة للقارات وتنفق بلايين الدولارات على هذا النوع من الأسلحة.
المجتمع: ولكن علِي بوتو رئيس
وزراء باكستان الأسبق قد صرح عقب التفجير النووي الذي أجرته الهند عام ١٩٧٤ أن
الشعب الباكستاني سوف يأكل الحشائش لو اقتضى الأمر لمواجهة التحدي النووي الهندي.
إن علِي بوتو لا يختلف في تجربته السياسية عن عبدالناصر في مصر أو
موقفه من الصراع مع إسرائيل، لقد كان علي بوتو مثل عبدالناصر يدلي ببيانات وخطب
نارية ليس إلا.
إن الهند عندما أجرت تفجيرها النووي عام ١٩٧٤ كانت قد استولت على نصف
باكستان بعد انفصال بنجلاديش عام ١٩٧١ لقد انهارت معنويات الشعب آنذاك ولذا فقد
كان علي بوتو بخطبه وأحاديثه يريد أن يرفع معنويات الشعب الباكستاني.
المجتمع: أفهم من ذلك أن
باكستان ضد الخيار العسكري النووي كأحد البدائل في مواجهة أي اعتداء؟
نحن ضد الخيار النووي.. ضد من
نستخدمه؟ ضد صديقتنا الصين وهي قوة كبرى أم ضد روسيا أو إيران؟
المجتمع: ضد الهند.
إن الهند كما قلت أجرت تفجيرًا نوويًا منذ 18 سنة ونحن إذا تمكنا
اليوم من صنع قنبلة فهم يملكون اليوم أكثر من 30 قنبلة وإذا ما أسقطنا عليهم واحدة
فسيسقطون علينا 30.. إن أي مدينة باكستانية لا تبعد عن مدى الصواريخ
الهندية.
المجتمع: من الذي يمنع
باكستان إذن من توقيع معاهدة عدم الانتشار النوويNPT؟
- لقد أعلنا
مرارًا ومنذ مدة مبكرة عن استعدادنا لتوقيع معاهدة عدم الانتشار النووي شريطة أن
توافق الهند على ذلك وطالبنا بجعل منطقة جنوب آسيا خالية من الانتشار النووي
ووافقنا على فتح برنامجنا النووي للتفتيش الدولي. إذا ما وافقت الهند على فتح
برامجها النووي للتفتيش كذلك، إلا أن الهند وإلى اليوم رفضت كل هذه المبادرات.. إن
الغرب يريد منا فقط أن نفتح برامجنا للتفتيش ونوقع على معاهدة عدم الانتشار النووي
وأن نتوقف على برنامجنا النووي في الوقت الذي لا يطالب فيه الهند بذلك.
المجتمع: إذا كانت باكستان لا
تملك أسلحة نووية وبرنامجها النووي مقصور نشاطه على الأغراض السلمية، فلماذا إذن
كل هذا العداء الأمريكي- الهندي- الصهيوني ضد باكستان على وجه الخصوص؟
- إن باكستان كانت دائمًا استثناء في نظرة
الغرب إليها؛ لأننا نتفاعل دائمًا مع كل قضايا الأمة الإسلامية، سواء مع مصر أو
سوريا أو فلسطين... إلخ.
باكستان كانت دائمًا في مقدمة المدافعين عن قضايا الأمة الإسلامية،
وهذا يعطي الانطباع لدى الغرب أننا دولة من المتطرفين أو الأصوليين.. إن استمرار
باكستان في برنامجها النووي يعني من وجهة نظر الغرب دعم أقطار العالم الإسلامي،
ومن هنا يأتي الضغط، ومن هنا تأتي الصعوبات، ومن هنا يأتي دائمًا الحظر ضدنا.
لقد أكدنا مرارًا أن برنامجنا النووي هو للأغراض السلمية لتوفير بديل
للطاقة التي تفتقر إليها البلاد، لكن لأن باكستان دولة مسلمة وحريصة على الدفاع عن
قضايا الأمة الإسلامية فهي دائمًا استثناء في نظر العالم إلينا.. لقد رحبنا بفتح
برنامجنا للتفتيش ووافقنا على التوقيع على معاهدة عدم الانتشار النووي شريطة أن
تلتزم الهند بذلك، لكنها -أي الهند- رفضت جميع عروضنا، فماذا نفعل إذن؟
المجتمع: يرى البعض أنه إذا
كانت باكستان حسنة النية في ذلك فلماذا لا تسمح بفتح برامجها للتفتيش دون النظر
إلى غيرها من الدول؟
- إنك لو
ذهبت لمصنع سيارات في اليابان أو حتى مصنع تجاري صغير في أمريكا فلن يسمحوا لك
بفتحه للاطلاع على كيفية وطريقة التصنيع أو الاطلاع على المكونات الإلكترونية
المستخدمة في عملية التصنيع، فما بالك بالبرامج النووية.. إن السماح بفتح محطاتنا
النووية يعني الاطلاع على التكنولوجيا المستخدمة في هذا المجال.. ثم إنها مسألة
سيادة في النهاية، كيف يمكن لطرف واحد أن يفتح محطاته للتفتيش إذا كان الطرف الآخر
يرفض ذلك؟
المجتمع: في تصريح لكم مؤخرًا
قلتم: إن باكستان لديها القدرة العسكرية الكافية لمواجهة أي اعتداء.
- إنني في
الحقيقة لم أقل ذلك لكن الذي قلته: إن رئيس الوزراء ووزير الإسكان أعلنا أن أي
هجوم على بلدنا من جانب أي دولة فإن قواتنا قادرة على مواجهته، ونستطيع أن نلقن
العدو درسًا، وأعتقد أنه من الضروري أن نحمي حدودنا ونحفظ سيادتنا حتى ولو كنا
بلدًا فقيرًا فيجب أن نضحي من أجل الدفاع عن سيادتنا، وأود أن أقول: إن العالم
اليوم قد تغير، فأعداء الأمس أصبحوا أصدقاء اليوم، ونحن نأمل أن نحل مشاكلنا مع
غيرنا بالوسائل السلمية حتى نتفرغ لتطوير بلدنا.
المجتمع: ما هو الدرس الذي يمكن
استخلاصه من تجربة العراق في مجال الطاقة النووية؟
- إنه سؤال
في غاية الأهمية بدلًا من الاستثمار في تكنولوجيا مستوردة يجب أن نركز بصورة كبيرة
على الاستثمار في مجال العلم والتكنولوجيا، فإذا كانت العراق قد أنفقت الملايين
لشراء تكنولوجيا مستوردة من الخارج لم تقدم لها أي حماية ولو لعدة ساعات.. لو أن
هذه الأموال الطائلة استثمرت في مجال التعليم فإن الموقف في العراق سيكون حتمًا
مختلفًا.
المجتمع: من بين الأسباب التي
سهلت مهمة تدمير المفاعل النووي العراقي كما يتردد هو وجود خبراء أجانب داخل
المفاعل النووي العراقي وضعف الإجراءات الأمنية الخاصة بالمفاعل، فهل استفادت
باكستان من أخطاء العراق؟
- لا يوجد
أجنبي واحد داخل محطتنا النووية منذ اللحظة الأولى للبدء في نشاطنا، والمشروع يتم
إدارته بعقول باكستانية 100% وغير مسموح لأي أجنبي بدخول المحطة. أما فيما يتعلق
بالاحتياطات الأمنية الخاصة بالبرنامج النووي فقد أخذنا حذرنا الكافي إزاء تأمين
برنامجنا النووي، وكل من رئيس الدولة ورئيس الوزراء مهتمان بصفة شخصية بتأمين
البرنامج النووي، وقد أكدا بوضوح شديد أن تعرض برنامجنا النووي للخطر قد يؤدي إلى
نشوب حرب، وأعتقد أن قواتنا المسلحة قادرة على الدفاع عن برنامجنا النووي، ونستطيع
أن نلقن كل من يقدم على مهاجمتها درسًا لا ينساه.
المجتمع: ما هي حقيقة القدرات
النووية للنظام الصهيوني في فلسطين المحتلة؟
- لقد اعترف
الصهاينة منذ فترة مبكرة بامتلاكهم أسلحة نووية، وهناك تقارير لا حصر لها تؤكد
ذلك.. جولدا مائير نفسها هددت مصر عام 73 باستخدام السلاح النووي ضدها إذا تجاوزت
مصر حدودها.. أحد العاملين بمحطة رأس النقب النووية كشف النقاب عن امتلاك إسرائيل
لأسلحة نووية، وقد كان المقصود بذلك هو إرهاب العرب والمسلمين من قدرات النظام
الصهيوني في مجال التسليح النووي حتى لا يفكر أحد في الإقدام على أي عمل عسكري ضد
إسرائيل؛ لأن رد الفعل في هذه الحالة سيكون باهظ التكاليف.. إن إسرائيل باختصار هي
ولاية أمريكية تحظى بمستوى عال من الاهتمام والرعاية خاصة في مجال التكنولوجية
النووية.
المجتمع: ما هو تفسيركم للتعاون
الصهيوني- الهندي في مجال التسليح النووي؟
- ليس
غريبًا أن يتعاون النظام الصهيوني مع الهند في ضرب باكستان خاصة إذا التقت مصالحهم
في هذا الشأن، فإسرائيل لا تريد للأمة الإسلامية أن تنهض في هذا المجال، والهند
تعتبر باكستان عدوها الأول، ولذا فليس غريبًا أن تستعين الهند بإسرائيل في مجال
التكنولوجيا النووية، ولعل محاولات الهند وإسرائيل النووية لضرب مفاعل كاهوتا
الباكستاني أبسط مثال على ذلك، لكن الأمر الذي يؤسف له أن الهند رغم ذلك تحظى
بعلاقات سياسية واقتصادية قوية مع العرب.
(السؤال غير موجود بالأصل)
- بالتأكيد
نعم فبعض الدول لديها قدرات بشرية راقية مثل باكستان ومصر والبعض الآخر يتمتع
بوجود رءوس أموال كبيرة مثل دول الخليج، واستثمار هذه القدرات يمكن أن يسهم في
تنفيذ مشروعات ضخمة في هذا المجال، ولكن للأسف فإن الغرب لا يريد لنا أن نعمل
معًا، وهو دائمًا يضع العراقيل في طريقنا حتى تظل الأمة الإسلامية دون غيرها من
الأمم، وما نراه من خلافات بين دول العالم الإسلامي يشكل عقبة كبيرة أمامها مما
يجعل فرص التعاون أمرًا صعبًا.
المجتمع: ولكن لماذا لا تتخذ
باكستان المبادرة وتتعاون مع بعض الدول الإسلامية في هذا المجال؟
- لقد اتخذ
الرئيس الباكستاني الراحل ضياء الحق مبادرات عديدة وتلقى وعودًا كثيرة، إلا أن
أحدًا من الدول الإسلامية لم يبادر بالمشاركة أو تقديم الدعم في هذا المجال.
والشيء الذي يؤسف له أن تجد بعض الدول لا تتردد في وضع بلايين الدولارات في بنوك
الغرب دون فائدة كبيرة ولا تسعى لاستثمارها في مثل هذه البرامج الهامة للأمة
الإسلامية.
المجتمع: هل يمكن أن تشخص
المعوقات الأخرى التي تواجه الأمة الإسلامية في هذا المجال خلاف ما ذكرت من خلافات
بين أقطار الأمة الإسلامية؟
- المشكلة
الرئيسية هي التعليم، العلم والتكنولوجيا، فمعظم دول العالم الإسلامي متخلفة في
مجال التعليم تصور دولة مثل سريلانكا تصل نسبة التعليم بها إلى 97% وهي من دول
العالم الثالث الفقيرة، في حين أن نسبة الأمية في أغلب دول العالم الإسلامي تصل في
الغالب إلى 90% على الرغم من امتلاكنا لكل الأسباب التي تجعلنا أمة متقدمة.
المجتمع: الدولة الإسلامية كما
يبدو تفتقر إلى وجود المعاهد العلمية في مجال الطاقة النووية، فما مدى إمكانية
إيفاد طلاب من العالم الإسلامي للدراسة في باكستان في هذا المجال؟
- الحقيقة أن هناك اتفاقيات علمية بين
باكستان وأغلب الدول الإسلامية والمجال مفتوح لكل من يرغب في الدراسة هنا حيث
يستطيع الطلاب الوافدون الحصول على الماجستير في التكنولوجيا النووية كما يجرى
التخطيط لمنح شهادة الدكتوراه في هذا المجال كذلك، ويمكن لغير الباكستانيين من
طلاب العالم الإسلامي الحصول على هذه الدرجات العلمية والتدريب في المعاهد
الباكستانية المتخصصة في هذا المجال.
المجتمع: كم يوجد مثل د. عبد
القدير خان في باكستان؟
- الحقيقة
هناك زملاء كثيرون على مستوى عال من الذكاء والكفاءة ويستطيعون إدارة العمل بتقنية
عالية جدًّا.. ونحن في برنامجنا نعمل كفريق واحد ولا يمكن إنجاز ما تم إنجازه بجهد
فرد واحد إنما هو إنتاج أفراد عديدين يعملون كفريق عمل واحد كما قلت.
المجتمع: ماذا قدم د. خان
للأجيال الجديدة من المهندسين في باكستان؟
- الحقيقة
أننا قمنا منذ البداية بإنشاء معاهد لتخريج المتخصصين في هذا المجال؛ لأننا نعتقد
أن فردًا واحدًا أو عدة أفراد لا يمكنهم القيام بهذا العمل وحدهم، والحقيقة أن هذه
الخطة قد أثمرت وأصبح لدينا عدد كبير من المهندسين في هذا المجال، ونحن في عملنا
لا نؤمن بدكتاتورية الفرد أو ما يسمى بـOne men
show لقد حرصنا منذ البداية على تأسيس هذه المعاهد المتخصصة التي تستطيع
تزويدنا دائمًا بما نحتاجه من مهندسين في هذا المجال.
المجتمع: في نهاية لقائنا ماذا
يقول الدكتور عبد القدير خان عالم الذرة الباكستاني العالمي للأجيال الشابة من
المهندسين في العالم الإسلامي؟
- عليكم
بالعلم والتكنولوجيا.. ركزوا على هذين المجالين.. فرغوا كل طاقاتكم ووقتكم
لدراستهما فقط.. ضعوا أهدافكم دائمًا نصب أعينكم.. اقرأوا وادرسوا ما استطعتم في
مجال تخصصكم، ولا تنصرفوا عن دراستكم إلى أي نشاط آخر؛ لأن بناء مهندس عالم في
مجال تخصصه أمر شاق وعسير، ولكن ما أيسر أن يكون لدينا الآلاف من السياسيين.
مرة أخرى أقول لهم: ادرسوا أيها الشباب من المهندسين بكل جد واجتهاد
واطلعوا على كل جديد يقع تحت أيديكم في مجال تخصصكم واستعينوا بالله أولًا
وأخيرًا، وهذا أقصر طريق للنهوض بالأمة الإسلامية.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل