; البطالة في العالم العربي | مجلة المجتمع

العنوان البطالة في العالم العربي

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 02-فبراير-1988

مشاهدات 76

نشر في العدد 854

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 02-فبراير-1988

لا بد من وضع برنامج على المستوى العربي لحل مشكلة البطالة التي تورث أمراضًا خطيرة لا تُحصى.

العالم العربي الزاخر بالخيرات، والذي يتمتع بثروات معدنية وزراعية كبيرة وأرض خصبة وأنهار عذبة، وموقع جغرافي فريد، وغالب سكانه من فئة الشباب... هذا العالم الذي يملك من الإمكانات ما يجعله خلية نحل نشطة تعج بالعمل والحركة الحيوية وتخلق فرص العمل لعشرات الملايين من الشباب الراغبين ببناء بلادهم وإيجاد فرص أفضل في الحياة... هذا العالم يعاني من الكساد والبطالة وتجتاحه أزمات اقتصادية خانقة تحيل حياة الغالبية العظمى من مواطنيه إلى عالم ضيق تكتنفه الضائقات والديون والعيش العسر.

ثم لماذا يحتاج عالمنا العربي المسلم إلى شد الحزام لكي يدفع الديون الربوية للبنوك الغربية التي يسيطر عليها اليهود فيستعمرون البلاد ويسترقون العباد باسم الديون والفوائد، ويتركون بلادنا خرابًا لا تقدر على إيجاد فائض مالي يمكنها من استغلال ما لديها في الصناعة والزراعة والنهضة الشاملة، ويفرضون عليها القيود المادية والمعنوية لكي يمنعوها من ارتياد الطريق إلى العزة والمنعة، أو تحقيق الاكتفاء الذاتي في المأكل والملبس والمسكن والسلاح.

إن الديون المصرية مثلًا «أكبر دولة عربية من حيث عدد السكان» تستهلك تقريبًا حوالي 40% من إجمالي الدخل القومي كل عام، وقد صاحب موجة الديون التي أغرقتها بها سياسة الانفتاح الساداتية انخفاض في القوة الصناعية المصرية بلغت في عام 1978 حوالي 50%، ورغم أنها تعافت بعد ذلك نسبيًا ما بين 1984 - 1988، إلا أنها لا زالت مكبلة بالديون، والتي تتجاوز مع فوائدها مبلغ 40,000 مليون دولار، مما يستهلك الجزء الأكبر من طاقة هذه القوة الصناعية في سداد الديون المركبة وفوائدها. وقد نتج عن ذلك ارتفاع حاد في أسعار السلع والمواد الغذائية بلغ 500% ما بين 1980 - 1985 دون زيادة تذكر في الأجور للقطاع الأكبر للموظفين والعمال، مما يشكل عبئًا ماديًا كبيرًا وضغطًا رهيبًا على هذه الفئات الوظيفية.

كلها أسئلة حائرة تحتاج إلى إجابات واضحة ومحددة من القيادات السياسية الحاكمة في بلادنا، والقيادات الاقتصادية التي ترسم مسارات بلادنا المسلمة في خطوط غير مستقيمة تنحرف من الرأسمالية يمينًا إلى الاشتراكية يسارًا وتترك نهج الإسلام الوسط!!

وفي خضم هذه الحيرة والتساؤلات، نطرح إحدى الصور المريرة والمحزنة التي يعاني منها الشباب العربي كعينة من شباب العالم الإسلامي، وهي الصورة السوداء للبطالة.

هذه الأزمة التي تقتل الأمل بوجود مستقبل مشرق في نفوس الشباب، وتدفعهم إلى أبواب السفارات الأجنبية طلبًا للهجرة بحثًا عن المستقبل في بلاد الآخرين بعد أن فقدوا الثقة في بلادهم، أو تدفعهم إلى أعمال بعيدة تمامًا عن مجال تخصصاتهم التي أنفقوا فيها سنوات العمر وأنفقت فيها دولهم الأموال الطائلة حتى تخرجوا منها.

البطالة: هذه الكلمة المخيفة التي ترسم ظلالها صورة الفقر والعوز والدين والاعتماد على الآخرين في المصروف اليومي، وتقتل في الإنسان إحساسه بالوجود وتحرمه من مقتضيات الخلافة في الأرض كما أراد الله تعالى وشاء أن تكون لبني آدم... كيف صورتها في العالم العربي؟

هذه لمحة سريعة عن الواقع المؤلم.

عمال يعملون ومهندسون عاطلون:

عندما سُئل نقيب العمال الأردنيين في مقابلة صحفية أجرتها معه مجلة «العامل» الكويتية قبل شهور، طُرح عليه محررها السؤال التالي:

سمعنا أن عدد العاطلين عندكم يبلغ حوالي الأربعين ألفًا، فهل هذا صحيح؟

وكان رده:

•       لا يوجد لدى نقابة العمال، ولله الحمد، هذا العدد من العاطلين، فمعظم هؤلاء العاطلين لدى النقابات الأخرى كالأطباء والمهندسين (!!).

ورغم أن الكثير يشككون في صحة الرقم المعلن، وأن الرقم الحقيقي أضعاف ما ذكر، إلا أنه يعكس جزءًا من الحقيقة التي يعاني منها بلد عربي واحد من مجموع وطن إسلامي كبير. فالماشي في شوارع عمان والزرقاء يلحظ الاكتظاظ الغريب للمقاهي حتى في ساعات الصباح الباكرة، لا بالشيوخ المتقاعدين، وإنما بالخريجين الشباب! ونتيجة لإقبال الشباب على التسجيل المبكر لأداء الخدمة العسكرية الإلزامية فور تخرجه لكي يشغل فراغه، فقد ازدحمت القوائم وازدادت فترات الانتظار.

وحتى القوة العاملة الأردنية، مثل غيرها، تتعرض لمشكلة عدم كفاية الأجور أو الضمانات الصحية والاجتماعية والوظيفية مقابل ما تؤديه من عمل، وهو الحالة السائدة في العالم العربي والإسلامي وكل دول العالم الثالث، إضافة إلى دول أوروبا الشرقية، وهو أمر إن كان يليق بغير المسلمين الذين لا يجدون في دينهم وعقيدتهم ما يردعهم عن الاستغلال الحرام لطاقة الإنسان وعرقه مقابل ما يؤديه من عمل، فإن المسلمين لا يليق بهم مثل ذلك. فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول عن اليد العاملة المخشوشنة: «هذه يد يحبها الله ورسوله»، أو يدعو صاحب العمل لتعجيل دفع أجر العامل حين يقول عليه الصلاة والسلام: «أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه»، وهو قانون لم تستطع سنَّه أعظم التشريعات البشرية الأرضية على الإطلاق! وفي الجزائر والمغرب تعتبر فرنسا أرض الأحلام الوردية للباحثين عن عمل يتعايشون منه، ورغم أن العديد منهم ترتطم أحلامه على صخرة الواقع الصلدة بمجرد وصوله إلى هناك، فإنه يواصل الحياة ويستمر رغم العنصرية وقسوة ظروف العيش طمعًا في تحسن أحواله وخجلًا من العودة من الغربة بخفي حنين، ويبلغ تعداد الجالية العربية في فرنسا بحدود المليون نسمة.

أما في مصر، حيث لا يجد المهندسون والأطباء فرصًا للعمل أو التنافس الشريف، فإن أمريكا تعتبر المثل الأعظم لكثير من الشباب والبلد الذي يطمح كثير من الشباب أن يجد فيه فرصة العمل، أو على الأقل السفر لدول الخليج لتحسين أوضاعه المعيشية وشراء شقة وسيارة، وذلك في مواجهة قيمة الجنيه المتدهورة وغلاء الأسعار المتزايد ورفع الدعم الحكومي عن كثير من السلع. أما في السودان واليمن فإن الوضع أشد سوءًا بكثير.

ومن المفارقات الغريبة في هذه البلاد أن العامل الحر غير المؤهل فنيًا والذي يعمل كسباك أو أجير بناء قد يكسب أضعاف ما يكتسبه المهندس أو المدرس من مهنته الحكومية، مما يعرض الخريجين والمتعلمين والمثقفين لضغوط نفسية ومعنوية عنيفة في مواجهة هذا المد مع اشتداد الأزمات الاقتصادية في بلادهم.

بطالة الغرب وبطالتنا:

نعم! فهناك بطالة غربية إلا أن أسبابها مختلفة عن البطالة العربية، فإن السبب الرئيسي للبطالة الغربية يكمن في الأزمات التي تعاني منها عجلة الاقتصاد الرأسمالي في تلك البلاد، مما يؤدي إلى الكساد ورفع درجة بطالة القوى العاملة. إلا أن الأسباب الرئيسة للبطالة عندنا تكمن في سوء الإدارة والفساد الإداري، وعدم وجود سياسة تعليمية واضحة وتقديرات واقعية لما تحتاجه البلاد من خريجين في مختلف المجالات الخمس أو العشر سنوات القادمة، إضافة إلى فساد سياسات التعيين والترقيات والتي لا تتم حسب الكفاءة والخبرة والإبداع وإنما بناءً على القرابة والمعرفة والوساطة.

كما أن أرقام البطالة الغربية أخف من الأرقام العربية والتي تعتبر أرقامًا عالمية في هذا المضمار.

فنسبة البطالة في أمريكا تبلغ 8% من قوة عمل كبرى تبلغ حوالي 120 مليونًا من البشر، وتتركز هذه النسبة لدى النساء والسود، وترتفع هذه النسبة في بريطانيا لتصل حوالي 13% من قوة العمل الفعلية وهي حوالي 30 مليونًا، أي حوالي 4 ملايين شخص.

وتقل النسبة لتصل 4% في ألمانيا، ومثلها تقريبًا في اليابان عام (1985). ولكن كيف بطالتنا العربية؟

لا توجد للأسف إحصاءات رسمية حول هذا الموضوع، لأن إعلامنا العربي المؤدب لا يتحدث عن السلبيات ويكتفي دومًا بذكر الإنجازات، كنتائج الانتخابات والاستفتاءات الشعبية التي تفوق الـ 99%. ولكن التقديرات الأولية تشير إلى ما يلي:

أدنى نسبة للبطالة في العالم العربي هي في المشرق العربي ودول الخليج خاصة، ولكنها للأسف تحوي أكبر نسبة عمالة أجنبية غير مسلمة ولا عربية. فالأمية التي تبلغ فوق 70% في أمتنا العربية هي في حد ذاتها بطالة مقنعة تعني أن هذه النسبة عاطلة من أمتنا، وأن العمالة الحقيقية في بلادنا تبلغ 30% فقط من إجمالي عدد السكان.

كما أن هناك بطالة أخرى مقنعة، هي بطالة الوظيفة الحكومية حيث يتكدس عدد كبير من موظفي الخدمة المدنية في مكتب واحد لأداء عمل واحد يستطيع أن يقوم به نسبة صغيرة منهم، وحيث تتحول المكاتب الخشبية والحديدية الحكومية إلى توابيت ونعوش يُدفن فيها طموح وإبداع وعبقرية الشباب الخلاقة في مجالات الصناعة والزراعة والاقتصاد وغيرها.

وهناك بطالة أخرى هي بطالة الموقع الخطأ، حيث توضع الكفاءة والخبرة البشرية في غير موضعها الصحيح، وفي غير مكان إبداعها وتفجير طاقاتها، مما يشكل هدرًا لهذه الطاقة وإخلالًا بموازين الاستفادة من الطاقات والخبرات.

إن الضرر في هذا النوع من البطالة مضاعف لأن كل موقع وظيفي أو إنتاجي تشغله كفاءة أو خبرة غير مناسبة يعني هدرًا لطاقة الشخص الذي تم تعيينه، وهدرًا لطاقة الشخص الآخر المناسب لهذه الوظيفة ولم يحظَ بفرصة التعيين!

وهناك نوع رابع من البطالة تشهده بلادنا الإسلامية وهو ناجم عن هجرة الفلاحين وترك القرية والأرض الزراعية إلى المدينة والعمل الصناعي ولما يتم تأهيلهم بعد، مما يهدر الإنتاج الزراعي، ويحد من الإنتاج الصناعي ويقلل من مهارة اليد العاملة الفنية ويخفض مستواها، ويشكل عبئًا كبيرًا على المدن التي لا تستطيع استيعاب الزيادة الطبيعية في سكانها الأساسيين فضلًا عن استيعاب الوافدين إليها من الأرياف والمناطق المحيطة.

هل هناك حلول؟

ويبدو الحل الأمثل لهذه المشاكل التي تبدو مستعصية على الحل فيما يلي:

1.     محو الأمية.

2.     التخلي عن النظم الاقتصادية الغربية والشرقية ومفاهيمها الاقتصادية، واتباع النظام الاقتصادي الإسلامي المميز لعقيدتنا وحضارتنا.

3.     الحد من سياسة الاستدانة الخارجية والاتجاه نحو البناء الداخلي.

4.     الحد من الاستدانة للاستهلاك وتحويل القروض لمشاريع إنتاجية صناعيًا وزراعيًا.

5.     تغيير الإدارة الاقتصادية الحالية وإعادة رسم المنهجية الفكرية والتطبيقية للسياسات الاقتصادية المطبقة حاليًا في الدولة وفي قطاعات الإنتاج وتحديث أساليبها لتتماشى مع العقيدة الإسلامية وطبيعة مجتمعاتنا نظرًا لعمق ارتباط الإدارة بالنظام العقائدي والاجتماعي والاقتصادي للمجتمع الذي يطبقه.

6.     استصلاح الأراضي الزراعية وبناء المزيد من المصانع، والحد من سياسة الاستهلاك والاستيراد الخارجي وتقييده تدريجيًا من حيث نوع وكم السلع مع بناء المصانع المحلية التي تنتج السلع البديلة.

7.     رسم سياسة واضحة الأهداف والمعالم للدولة في الكفاية الزراعية والصناعية، أو في مجال الخدمات وتحقيق التقدم في تلك القطاعات كمرحلة تالية، وبناء على ذلك يتم رسم الخطة التعليمية للدولة وتحديد حاجتها للأعداد والكفاءات البشرية المناسبة.

8.     وضع الكفاءة المناسبة في المكان المناسب.

9.     الحد من هجرة الفلاحين وهجر القرى برفع مستوى المعيشة والخدمات في القرية وتأهيل أبناء القرى علميًا وتهيئتهم للعناية بالأرض والزراعة.

10.   تقليل أعداد موظفي الخدمة المدنية بتغيير النظام الحالي ورفع كفاءته وإدخال الحاسوب «الحاسب الآلي» في مجالات الخدمة المدنية المختلفة.

والله يهدي إلى الحق وهو يهدي إلى سواء السبيل.

 

الرابط المختصر :