العنوان البطيء.. الأكيد المفعول .. خطة الحكومة الباكستانية لأمركة المناهج الدراسية
الكاتب حفيظ الرحمن الأعظمي
تاريخ النشر الجمعة 28-مايو-2004
مشاهدات 62
نشر في العدد 1602
نشر في الصفحة 28
الجمعة 28-مايو-2004
قبل شن الهجوم على أفغانستان أكد الرئيس الأمريكي أن الحملة الأمريكية الانتقامية سوف تطول، وقال مرة: إنها سوف تستمر خمسين عامًا، وإن الحرب الأمريكية المناهضة لما يسمى بالإرهاب سوف تتناول جميع مجالات الحياة. ومن يومها تنبأ المراقبون والمحللون بأن الولايات المتحدة سوف تضيق الخناق على المؤسسات الخيرية الإغاثية والمدارس الإسلامية في شبه القارة الهندية باعتبار أنها تنتج أو تفرخ من تسميهم الولايات المتحدة بالإرهابيين. وكانت باكستان تمثل الخط الأمامي في الحرب الأمريكية لذلك خصها الرئيس بوش بأن تكون أول دولة يطلب منها تغيير المناهج في المدراس والكليات الحكومية وحذف آيات الولاء والبراء وما يتصل بهما، إضافة إلى حذف ذكرالرموز والشخصيات الإسلامية.
تدمير المدارس الدينية
ويذكر الصحفي الباكستاني حامد مير في : تقرير له نشر يوم8/4/ ٢٠٠٤م أن باكستان تلقت هذه الأوامر منذ أن سقط نظام طالبان في: أفغانستان، لكن لم يكن من الممكن للحكومة وقتئذ أن تنفذها لأن الشارع الباكستاني كان يثور غضبًا على الولايات المتحدة.
وقد اعتمد الجنرال مشرف سياسة «البطيء.. بـالأكيد المفعول» فأخذ يمهد الطريق لذلك بوسيلة أو أخرى، ومن ضمن الأساليب التي اعتمدت يومذاك الدخول من بوابة إدخال الثقافات المعاصرة ومهارات الحاسوب، لكن هذه الحيلة لم تجد نفعًا، إذ إن منظمات المدارس الأهلية وهي من مدارس فكرية مختلفة، مثل: الديوبندية، البريلوية،أهل الحديث، والشيعة. كونت تحالفًا عامًّا وقررت بشكل جماعي عدم السماح لأي جهة حكومية أو غير حكومة بالتدخل في شؤون المدارس، ولئن كان هناك نقص في مناهجها الدراسية فإن التطوير لا بد أن ينبع من داخلها، كما قررت أن أي مدرسة تتقاضي الدعم الحكومي فإن عضويتها سوف تلغى تلقائيًّا، وبذلك فشلت الجهود الحكومية الرامية في إيجاد مبرر للتدخل في شؤون المدارس الدينية والتحكم فيها، فلجأت الحكومة إلى حيلة أخرى هي إلغاء نظام تسجيل المدارس الذي كان مطبقًا منذ عهد الجنرال ضياء الحق، وسنت نظامًا جديدًا للتسجيل يهدف أساسًا إلى تكثيف الدور الحكومي في الرقابة عليها. ولكن قيادات المدارس هددت بمقاطعة هذا النظام وتحريض الجماهير على العصيان المدني في حال فرضت الحكومة النظام الجديد بالقوة. وبذلك فشلت الحيلة فعمدت الحكومة إلى حيلة أخرى هي إنشاء مدارس دينية تابعة لوزارة الأوقاف للبنين والبنات بعدد محدود في المرحلة الأولى وفي حالة نجاح التجربة يوسع نطاقها .
ولكي تجذب الحكومة الطلاب إلى هذه المدارس أعلنت عن حوافز تشجيعية لطلابها فخصصت لكل طالب مكافأة (۳۰۰) روبية. إضافة إلى السكن والإعاشة المجانية على أن ينال المتخرجون فيها الأولوية في التوظيف في المدارس الحكومية والدوائر الرسمية، وفتحت الحكومة ثلاث مدارس في المرحلة الأولى في راولبندي المدينة المتوتمة لإسلام آباد وسكر بإقليم السند وكرانشي، وكان وزير الشؤون الدينية الأسبق د. محمود غازي متحمسًا لهذه الفكرة ومشرفًا على المدارس، وكان يريد بالفعل أن يحقق شيئًا غير أنه اصطدم بصخرة البيروقراطية فقدم استقالته وأصبحت الفكرة حبيسة أدراج الملفات الحكومية فوزارة المالية رفضت تخصيص الميزانية لها على حين أن وزارة الأوقاف التي كانت بدون وزير إلى غاية شهر مارس الماضي لم تتمكن من وضع منهج متكامل لها. ولذلك فشلت الفكرة كسابقتها.
في الآونة الأخيرة أبدت الحكومة حماسًا متزايدًا لفكرة تطوير المدارس الدينية، وبهذا الصدد قدم وزير الخارجية البريطاني جاك سترو إلى باكستان في مارس الماضي. وزار برغبة منه جامعة إمداد العلوم، في بيشاور وتحدث إلى طلابها، كما تجاذب أطراف الحديث مع أساتذتها ومديرها وقال: إنه سعيد بهذه الزيارة وإن حكومته مستعدة لتطوير مستواها، وأعقبه كولن باول بزيارة باكستان وذكر الدبلوماسي الباكستاني الأسبق أغاشاهي الذي يحظى بعلاقات صداقة مع دوائر صنع القرار الغربية في حوار أجرته معه جريدة جنك، يوم10/4/ ٢٠٠٤م أن من ضمن أهداف زيارة باول التأكيد على إسلام آباد بضرورة تحجيم دور المدارس الدينية. ومنذ ذلك اليوم أخذت الصحف الباكستانية الناطقة بالإنجليزية مثل "دون"، و"ذانيوز" تربط بين هذه المدارس وتنظيم القاعدة وحركة طالبان، وبعثت قضية مقتل الصحفي الأمريكي دانيل بيرل قبل عامين من مرقدها. وبدأت تكرر أن طلاب هذه المدارس هم الذين تورطوا في قتله، وأن التخطيط لاغتياله تم في مدرسة دينية في كراتشي.
على صعيد آخر، زعم عدد من الناطقين باسم الحكومة الباكستانية أن هذه المدارس تدرب طلابها على استخدام السلاح. وردًّا على ذلك تحدى أحد قياديي مجلس العمل الموحد الحكومة بأنه لو ثبتت هذه التهمة ضد أي مدرسة فإنه سوف يقدم استقالته من عضوية البرلمان الفيدرالي، وقال: إن الجامعات الحكومية وبخاصة في إقليم السند تعج بالسلاح وتمثل أوكارًا لعصابات المافيا والإجرام وتندلع التحرشات والمناوشات بين آونة وأخرى بين التنظيمات القومية واليسارية، ويكون نتيجة ذلك قتلى وجرحى بين الطلاب، وقبل توجيه أصابع اللوم والاتهام للمدارس الدينية يجدر بالحكومة أن تتخذ خطوات جادة في تنظيف الجامعات الحكومية من السلاح وعصابات الإجرام "جريدة نواي وقت15/4/ ٢٠٠٤م". وكان لهذا التصريح الشجاع وقعه العميق في الدوائر الحكومية فخفف الناطقون باسمها نبرتهم تجاه هذه المدارس.
الوافدون في المدارس الدينية
من جانب آخر، شددت الحكومة وطأتها على الطلاب الوافدين الدارسين في المدارس الدينية لبث الرعب في أوساطهم واعتقلت نحو من (١٠) طلاب من ماليزيا وإندونيسيا في جامعة أبي بكر الإسلامية بكراتشي، وقيل عن بعضهم إن لهم علاقات تنظيمية مع عصام الحنبلي المتهم بتفجيرات بالي، وهم لم يكونوا كما ذكروا للصحف يعرفون: من عصام الحنبلي؟ وما أفكاره وما جريمته؟ "جريدة أوصاف1/10/٢٠٠٤م". ووجهت الحكومة أوامرها الصارمة للمدارس الدينية بعدم تسجيل أي أجنبي إلا بعد التنسيق المسبق مع الخارجية الباكستانية كي لا تسري عدوى الإرهاب. حسب المفهوم الأمريكي. إلى الدول الأخرى عن طريق هؤلاء الطلاب ونتيجة لذلك قل إقبال الوافدين على المدارس الباكستانية، وأخذوا يتوجهون إلى الهند، حيث عدد كبير من المدارس الدينية.
أعود إلى صلب الموضوع فأقول: إن الحكومة أخذت تهتم مجددًا بتطوير المدارس. وهو تدمير في الواقع. كخطوة أولى لإلغاء دورها، ولهذا الغرض خصصت (٦٥٨٧) مليون روبية تصرف خلال عامي ۲۰۰٤- ۲۰۰۵م لتوفير المواد الدراسية العصرية مثل الرياضيات والعلوم والتدريب على الحاسوب ورواتب من يتولون تدريسها، وفي جلسة خاصة ترأسها الجنرال مشرف يوم1/1/ ٢٠٠٤م قررت الحكومة توظيف ٦٠ ألف مدرس لتدريب العلوم العصرية.
على صعيد آخر، اتخذت الحكومة تدابير حاسمة للحيلولة دون وصول التبرعات الخارجية لهذه المدارس. حيث كلفت مدراءها بتزويد الحكومة بتفصيل كامل عن الأموال الواردة طوال عقد كامل كما نصت على ضرورة أن تتسلم المدارس التبرعات الخارجية عبر وزارة الخارجية.
المدارس الدينية في فخ مكتب التحقيقات
على صعيد آخر فتح مكتب التحقيقات الفيدرالية الأمريكي FBI قسمًا خاصًّا لمراقبة أنشطة هذه المدارس وبخاصة الطلاب الأجانب الدارسون فيها، وذكرت الإحصائيات الرسمية الموثقة أن عدد الطلاب الأجانب تضاءل نتيجة هذه الإجراءات من (٥٠٠٠) إلى ألف طالب فقط ويتوقع أن ينخفض هذا العدد في المستقبل. ويبلغ عدد المدارس المسجلة لجميع المدارس الفكرية «الديوبندية، البريلوية، أهل الحديث والشيعة» (٦٧٦١) مدرسة، وإذا أضفنا المدارس غير المسجلة فإن العدد يصل إلى (١٥٠٠٠) مدرسة كانت حين قيام باكستان (٢٤٥) فقط موزعة على المناطق والأقاليم كالتالي:
١. إقليم البنجاب (٣١٥٣).
٢. إقليم سرحد (۱۲۸۱).
٣.إقليم السند (٩٠٥).
٤. إقليم بلوشستان (٦٩٢).
٥. كشمير الحرة (١٥١).
٦. إسلام آباد (١٩٤).
٧. المناطق القبلية (٣٠٠).
ويقدر العدد الإجمالي لطلاب هذه المدارس بـ (٢٧٧ ، ١٠٠٦٥) طالبًا.
وإذا وزعنا العدد على المدارس الفكرية تكون الحصيلة:
الديوبنديون ٦٤%
البريلويون ٢٥%
أهل الحديث ٦%
الشيعة ٣%
الجماعة الإسلامية ٢%
وهنالك نحو من (٢٧٦١) مدرسة ليس لها طابع فكري معين.
وتجدر الإشارة إلى أن المدارس الديوبندية تشرف عليها إداريًّا وتربويًّا منظمة «وفاق المدارس العربية» وهذه المنظمة تصدر شهادات للمتخرجين فيها وتتبعها (۷۰۰۰) مدرسة وللبريلوية منظمة باسم تنظيم المدارس تتبعها (٢٥٠٠) مدرسة والأهل الحديث منظمة باسم وفاق المدارس السلفية تتبعها (١٥٠) مدرسة، وللشيعة وفاق المدارس الشيعية وللجماعة الإسلامية رابطة المدارس الإسلامية.
وكان الرئيس الأسبق ضياء الحق قد أقر الاعتراف بشهادات هذه المنظمات وعودلت الشهادة العالمية بالماجستير في الدراسات الإسلامية والعربية ولكن الحكومة الحالية تحاول عبر خطة مرحلية أن تلغي هذا الاعتراف، وكانت جامعة كراتشي مثلًا تسجل الحاصل على العالمية لمرحلة الدكتوراه لكنها الآن ترفض ذلك، كذلك كان الحاصل على العالمية مؤهلًا لتدريس اللغة العربية والتربية الإسلامية في المدارس الحكومية بدرجة ١٤ من أصل ٢٢ درجة في السلم الوظيفي الحكومي إلا أن الحكومة الحالية اشترطت مواصفات إضافية كأن يكون لدى الحاصل على العالمية شهادة الليسانس الصادرة من إحدى الجامعات الرسمية وأن يكون متقنًا للغة الإنجليزية.
جهود لعلمنة المناهج الرسمية
وإلى جانب المحاولات الدائبة التي تبذلها الحكومة لتضييق الخناق على المدارس الدينية تبذل جهودًا محمومة لعلمنة المناهج الرسمية، وقد ذكرت باتريشيا هيريسين نائبة وزير الثقافة الأمريكي أن الولايات المتحدة سوف تمنح باكستان ۲۰ مليون دولار لتطوير المناهج الدراسية الرسمية وغرس فكرة السلام والوئام مع الغرب في أذهان الناشئة "أسبوعية آسيا7/4/٢٠٠٤م"، ولهذا الغرض فوض منصب وزير المعارف في باكستان الزبيدة جلال الأمريكية الولادة والثقافة التي تتقن الإنجليزية أكثر من لغتها الأم «البلوشية» والأردية. وقد زارت وزارة الدفاع الأمريكية رغم أن منصبها في حكومة باكستان لا يقتضي ذلك، وامتدحها وزير الخارجية الأمريكي كولن باول ووزير الحرب رامسفيلد كشهادة اعتراف بالفضل على جهودها في مجال علمنة المناهج.
ومما يثير الدهشة أن حذف الآيات والأحاديث الحاثة على الجهاد من المناهج الدراسية الرسمية قد يكون منطقيًّا لأن الضغوط الأمريكية المكثفة تقتضي ذلك، ولكن يستعصي على الفهم اقتراح الجنرال مشرف بل أوامره لوزارة المعارف بحذف كل ما يثير العداء ضد الهند «جريدة جنك1/3 ٢٠٠٤م» دون مطالبة الهند باتخاذ خطوة مماثلة!!
وبالفعل تخلو المناهج الجديدة التي طرحت في باکستان من أي ذكر للوقائع التاريخية الحاسمة في تاريخ الصراع بين الهند وباكستان مثل حرب عام ١٩٦٥م كما تخلو عن لفظة الهندوس، بل تقول إن باکستان استقلت عن الوطن الأم كما ينفصل الشقيق عن شقيقه بعد الزواج!! وفيها تمجيد للعرق الأري... كما عرضت فيها قصص مزورة. ففي الكتاب المقرر للصف العاشر وتحديدًا في صفحة رقم ۱۰۱ يوجد النص التالي: «كان عمر- رضي الله عنه- يروح عن نفسه بالاستماع إلى الأغاني!»
وقد نحى رئيس الوزراء جمالي منحي الرئيس مشرف، ففي تصريح أدلى به في مؤتمر صحفي يوم:15/4/٢٠٠٤م قال : نظرية الأمتين «التي بموجبها تم تقسيم شبه القارة الهندية» نظرية قديمة أكل عليها الدهر وشرب، وقال: لست أرى أي ضرورة لأن يضم مقررات مادة الأحياء آيات قرآنية.
وقد أجريت تغييرات جذرية في المناهج الدراسية الحكومية حيث حذفت الآيات القرآنية من مقررات الأحياء، كما حذفت سورتا الأنفال والتوبة من مقرر التربية الإسلامية للمرحلة الثانوية، إضافة إلى حذف أهم المعارك والملاحم التي وقعت في صدر الإسلام، أضف إلى ذلك حذف أهم القضايا العالقة بين الهند وباكستان مثل قضية تقسيم الأصول الثابتة والودائع الحكومية، حيث حصلت الهند منها على نصيب الأسد إبان التقسيم، وحذف ذكر المجازر البشعة التي أجراها الهندوس والسيخ بحق المسلمين وقضية «جوناكد» وسقوط دكا وحرب عام ١٩٦٥م التي شنتها الهند على باكستان، وقيل في المنهج الجديد عن الانفصاليين البنغاليين «ماكتي باهني» بأنهم جنود الحرية والنضال، وحذف من منهج التربية الإسلامية للصف الخامس الابتدائي ذكر محمد بن قاسم والإمام ولي الله الدهلوي...
إضافة إلى ذلك تسعى الحكومة إلى علمنة الكادر التدريسي في المدارس الحكومية عبر تدريبهم في الولايات المتحدة وفق خطة مرحلية بموجب اتفاقية ثنائية وقع عليها الطرفان يوم1/3/٢٠٠٤م. وإحالة الإسلاميين منهم إلى التقاعد.
وكتبرير لهذه المحاولات الطائشة صرح الجنرال المتقاعد خالد مقبول حاكم إقليم البنجاب يوم : ١٥/٤/ ٢٠٠٤م بأن الإسلام يعيش في أذهاننا وقلوبنا ولسنا في كثير حاجة إلى معرفته عبر المناهج الدراسية!.
وفي سياق متصل ذكرت أسبوعية «تكبير» يوم٧/٤/٢٠٠٤م أن الحكومة تنوي تسليم المجالس التعليمية التي تشرف على المرحلة الثانوية العامة والثانوية العليا لمؤسسة أغاخان وهي مؤسسة باطنية ذات صلات عميقة ومشبوهة بالغرب على أن تتولى المؤسسة المذكورة إدارة الامتحانات لهاتين المرحلتين في المرحلة الأولى ووضع المناهج لهما في المرحلة الثانية وفق قاعدة «البطيء.. الأكيد المفعول»، وقد طبع على غلاف مقرر العلوم الاجتماعية للثانوية شعار لفيلم هندي شهير مما أثار حفيظة النخب الوطنية ونشأت ردود أفعال غاضبة من الإسلاميين والوطنيين على السواء ولدغدغة مشاعر هؤلاء أصدر الجنرال مشرف يوم17/4/2004م . وتبعه رئيس الوزراء- بيانًا يضمن إبقاء المناهج كما كانت.. ولكن الواقع كان عكس ذلك، فقد سحبت المناهج السابقة من الأسواق وطرحت عوضًا عنها المناهج الجديدة التي سيتم تدريسها، الأمر الذي يدل على أن الحكومة مصرة على تغيير المناهج في محاولة لتغيير أذهان الناشئة .
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل