; البعد الإستراتيجي في التعامل الغربي تجاه أحداث أفغانستان والبوسنة والهرسك | مجلة المجتمع

العنوان البعد الإستراتيجي في التعامل الغربي تجاه أحداث أفغانستان والبوسنة والهرسك

الكاتب د. محمد الغمقي

تاريخ النشر الأحد 26-أبريل-1992

مشاهدات 74

نشر في العدد 998

نشر في الصفحة 18

الأحد 26-أبريل-1992

·       الغرب ساند المسلمين في البوسنة والهرسك من منطلق الحفاظ على مصالحه.

·       سياسة الغرب تجاه أفغانستان الآن تقوم على التفريق بين المجاهدين من منطلقات عرقية وقبلية.

تشهد الفترة الحالية أحداثا متزامنة في كل من يوغسلافيا وأفغانستان وبالتحديد في سراييفو «عاصمة البوسنة والهرسك» وكابول العاصمة الأفغانية. وبالإضافة إلى التطورات الخطيرة في هاتين العاصمتين فإن ما يشد الانتباه هو طريقة التعامل الغربي مع القضيتين اللتين تتمحوران حول مستقبل وضع المسلمين في منطقتين إستراتيجيتين من العالم.

وأول ما يلاحظ في هذا الصدد أن الإسلام والقضايا الإسلامية بصفة عامة قفزت إلى صدارة الأحداث وبالتحديد منذ تفكك الاتحاد السوفيتي وسقوط الشيوعية كأيدولوجية ونظام سياسي وظهور نظام دولي جديد قائم على أحادية القطبية بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية، وما يقع في أفغانستان ويوغسلافيا اليوم تأكيد ودليل على الانشغال العالمي بالتحولات السياسية العميقة في المنطقة الإسلامية.


أفغانستان مفترق طرق

إلا أن هذا الاهتمام المتزايد يتفاوت بحسب الموقع الإستراتيجي لكل منطقة. فأفغانستان ليست كيوغسلافيا ولكل بلد وضعه الخاص. فأهمية أفغانستان تعود لكونها مفترق طرق بين كتل جغرافية وسياسية ذات تأثير خارجي على الوضع الدولي والغرب ينظر إليها كهمزة وصل بين العالم الهندوسي والصيني من جهة والعالم الإسلامي من جهة أخرى مع اعتبار الجمهوريات الإسلامية السوفيتية جزءا من العالم الإسلامي في إطار الوضع الجديد للاتحاد السوفيتي.

وسقوط كابول في أيدي المجاهدين هو ناقوس خطر بالنسبة لصانعي القرار الدولي اليوم، لأنه يعني بداية التحول الفعلي في العلاقة بين أفغانستان وهذه الجمهوريات وانعكاس التأثير من الجنوب إلى الشمال بعد أن كان الاتحاد السوفيتي هو الذي يملي سياسته وإستراتيجيته على الشعب الأفغاني، بل تجاوز ذلك إلى حرب استنزافية خلفت وراءها 1.5 مليون شهيد وعشرات الآلاف من الجرحى والمعاقين.

ثم أن هذا التحول سيتجه إلى الانفتاح على المحيط العربي - الإسلامي باتجاه باكستان وبلدان الخليج عموما وكذلك إيران البلد المجاور لأفغانستان وإلى فتح أبوابه للمجاهدين واللاجئين، وينتج عن ذلك ظهور خريطة سياسية ووضع إستراتيجي جديدين في جنوب المنطقة الآسيوية، الشيء الذي يثير مخاوف الأمريكان والقوى الغربية عموما والكتلة الآسيوية الشرقية، على اعتبار أنها كعادتها تنظر إلى قيام حزام إسلامي تهديدا لمصالحها ليس من الناحية السياسية والاقتصادية فحسب، وإنما أيضا من حيث البعد الأيديولوجي.


سياسة فرق تسد

من هنا تم التركيز في الأزمة الأفغانية على الخلافات «العرقية» و«القبلية» من ناحية والأيديولوجية من ناحية ثانية بين مختلف فصائل المجاهدين خاصة بين مسعود وحكمتيار. فقد أطنبت وسائل الإعلام الغربية في الحديث عن هذه «الخلافات» مع إبراز شخصية مسعود على أنه معتدل ويناضل من أجل حقوق الأقلية «المضطهدة» التي ينتمي إليها مقابل صب وابل الانتقادات على حكمتيار الأصولي المتطرف، كما تصفه نفس الوسائل. وتتظاهر هذه المصادر بتخوفها من حصول «حمام دم» في كابول نتيجة الاقتتال بين المجاهدين وحرصها على الحل السلمي وتدعو إلى ضبط النفس والاعتدال وعدم التشفي من سدنة النظام الشيوعي.

وسياسة «فرق تسد» هذه التي توختها الأطراف الغربية وتقديم العديد من المقترحات لقطع الطريق أمام قيام نظام إسلامي حسبما يرتضيه المجاهدون والشعب الأفغاني، ليست سوى مؤشرات للعراقيل والصعوبات التي سيواجهها النظام الجديد في أفغانستان إذا لم يكن مرضيا وغير قابل للسقوط في فلك النظام الدولي الجديد في نظر القوى الغربية والقوى المحالفة لها في المنطقة.


مساندة أمريكية للبوسنة

مقابل ذلك عبر الأمريكان عن مساندتهم لجمهورية البوسنة والهرسك ذات الأغلبية الإسلامية واستنكارهم لاستفزازات وهجمات الصرب. وفي هذا الإطار جاءت التهديدات الأمريكية بتعليق عضوية بلغراد في المنظمة حول الأمن والتعاون في أوروبا إذا لم تنسحب القوات الصربية من جمهورية البوسنة قبل يوم 29 من الشهر الحالي.

وصرح جانوس بوتاسكي باحث بمعهد الدراسات الإستراتيجية والدولية بواشنطن لصحيفة لي فيغارو الفرنسية بأن رئيس البوسنة مسلم من أصل سلافي وليس هناك ما ينقد في سلوكه مع الأقليات الصربية في البوسنة. وتتجلى في ذلك طبيعة الهجوم الصربي اللا مبرر واللا مقبول لذلك تمتلك الولايات المتحدة الفرصة التي تبحث عنها منذ وقت طويل للحسم دون غموض مع جمهورية الصرب. وقد بنى الأمريكان موقفهم المساند للبوسنة على هذا الأساس.

ولكن بغض النظر عن المبررات الظاهرية لمثل هذه المواقف، فإن أسلوب التعامل الغربي مع سراييفو تحكمه خلفيات وأبعاد إستراتيجية وأيديولوجية قائمة على حسابات مصلحية بالدرجة الأولى ذلك أن موقع أوروبا يختلف عن آسيا. لذلك فإن المعادلات والمواقف والسياسات تختلف.


جر المسلمين للصراع

فليس من صالح الغرب إثارة النعرات العرقية والدينية في عقر داره لأن النار إذا اشتعلت في قطر ستأتي على الأخضر واليابس في بقية الأقطار المجاورة، ولكن في المقابل، ليس من صالحه أيضا أنه إذا اندلعت النيران كما حدث بالفعل في يوغسلافيا، أن يبقى الطرف ذي الانتماءات الحضارية الإسلامية العريقة بعيدا عن أتون الحرب والرابح الوحيد في المعركة الدائرة بين أطراف غير إسلامية.

وقد برزت هذه المعادلة بوضوح في الأزمة اليوغسلافية. فقد حاولت الدول الغربية الأوروبية تطويق الصراع بين كرواتيا «كاثوليك» والصرب «أورثوذوكس» لكن تبين أن الأحقاد بين هذين الطرفين دفينة نتيجة تراكمات تاريخية، وأمام الهيمنة الصربية باءت كل المقترحات للحل السلمي بالفشل فانجر عن تعقد الوضع وتعفنه استفزاز البوسنة والهرسك ذات الأغلبية المسلمة حتى لا تخرج سالمة من هذا الصراع في حين لم يكن لها فيه ناقة ولا جمل.


ورقة ضغط وتنافس

وتحرك الأمريكان بعد الشعور بفشل البلدان الغربية الأوروبية للحد من الهيمنة الصربية وساندوا البوسنة لحساب مصالحهم. فهناك تخوف من انفلات الأمور في أيديهم في هذه المنطقة الحساسة بين أوروبا الشرقية والغربية وفي نفس الوقت إثبات للزعامة الأمريكية في إطار النظام الدولي الجديد على حساب أوروبا والقوتين المنافستين فرنسا وألمانيا. ومعلوم أن المجموعة الأوروبية بقيادة ألمانيا اعترفت بكل من كرواتيا وسلوفينيا الشيء الذي رفضت أمريكا القيام به.

ثم إنه من مصلحة أمريكا أن تكسب الطرف الإسلامي في المنطقة كورقة ضغط على المجموعة الأوروبية التي تبقى رهينة أفقها الضيق ذي النزعة الدينية السوفيتية هي تعاملها مع القضايا الإسلامية خاصة إذا كانت في مناطق نفوذها، إذ ما زالت الدبلوماسية والسياسة الأوروبية الغربية تتعامل مع مثل هذه القضايا بعقلية تحكمها رواسب تاريخية ومخزون ثقافي موروث عبر أجيال وتنظر إلى مسلمي أوروبا على أنهم أحفاد العثمانيين أو بقايا الغزو العثماني، كما يسميه البعض.



 

الرابط المختصر :