العنوان البوسنة:الضحايا يحاكمون كمجرمي حرب
الكاتب عبد الباقي خليفة
تاريخ النشر السبت 11-أغسطس-2001
مشاهدات 47
نشر في العدد 1463
نشر في الصفحة 30
السبت 11-أغسطس-2001
هل يمهد الغرب لمحاكمة الرئيس بيجوفيتش؟
في اليوم الذي حكم فيه على قاتل ١٠٧٤٨ مسلمًا في سريبرنتسا بالسجن ٤٦ عامًا فقط تم اعتقال جنرالات مسلمين
الجنرال أنور حاجي كان نائبًا لرئيس الأركان.. واتهامه يفتح الطريق لاتهام رئيس الأركان والرئيس بيجوفيتش
الرسالة الموجهة للمسلمين في العالم عامة وفي البلقان خاصة هي اقبلوا بما يفرض عليكم، لا تدافعوا عن أنفسكم ولا تشتكوا من الذين ظلموكم، فإذا دافعتم عن أنفسكم ستدفعون ثمنًا غاليًا من دمائكم، من أرواحكم من أرضكم من عرضكم من معتقداتكم. وإذا اشتكيتم ستدفعون الثمن الذي يدفعه غرماؤكم وربما أكثر، هذا ما توحي به عملية اعتقال ثلاثة من الجنرالات المسلمين في البوسنة والهرسك في ٢ أغسطس، فلم يكن أحد في البوسنة أو خارجها يتوقع أن يعمد ما يسمى بالمجتمع الدولي إلى اعتقال عسكريين مسلمين، ما عدا طبعًا الصرب والكروات الذين يسعون لتوزيع الجرائم التي ارتكبوها مناصفة مع المسلمين، في حين أن نسبة الكارثة في المسلمين تصل إلى 90% وليس الصرب والكروات من يسعون لهذه القسمة غير العادلة، بل إن الغرب المتورط حتى ذقنه في الجرائم التي ارتكبت بحق المسلمين معني القسمة حتى يلقي عن كاهله الجريمة الحضارية التي ارتكبها في البوسنة بسكوته عن المذابح، والتأخر في التدخل لوقفها مدة أربع سنوات، بالإضافة إلى تورطه في رسم خطوطها العريضة وفي نسج تفاصيله.
الصرب والغرب والطابور الخامس
يواجه المسلمون في البوسنة أكثر من عدو فإلى جانب الصرب والكروات والجهات الدولية المعادية، هناك الطابور الخامس أو بقايا الشيوعية الذين تحولوا إلى مجرد نفايات تسمم محيط المسلمين وتحاول القضاء على غرسهم والإتيان على حصاد تضحياتهم، فكل همهم هو السلطة، بأي ثمن حتى وإن كان ذلك الثمن تسليم أولئك الرجال الذين تقدموا الصفوف وقادوا شعبهم في مواجهة حرب الإبادة التي تعرض لها المسلمون، فالطابور الخامس لا يعتبر أولئك الرجال قرابين على مذبح العمالة للغرب فحسب، ولا سلعة تقربه لأوروبا وأمريكا زلفى فقط، وإنما ينظر إليهم على أساس أنهم خصوم سياسيون ينتمون لحزب آخر يعد في نظرهم عدوًا يجب التخلص منه. أما الغرب فينظر إليهم كخصوم يمكن أن يفسدوا عليه مشروعه الهادف لصبغة العالم بنموذجه الذي يريد أن يعممه على العالم في إطار مشروع العولمة في صياغاته المختلفة، ورغم أنهم لا يمثلون تهديدًا حركيًا بحكم أنهم يعيشون بعيدًا عن الصراع الأيديولوجي إلا أن نظرة الشعب البوسني لهم كرموز لحقبة التضحية والفداء والتصدي المشروع الإبادة هو ما دفع الغرب للزج بهم في سوق جرائم الحرب كسلعة للمتاجرة بها في سوق المزايدات السياسية والتاريخية في محاولة لتزوير الحقائق ومغالطة الأجيال القادمة.
أما الصرب والكروات، فحسبهم الانتقام ممن عطلوا مشروعهم وأفسدوه عليهم، ومنعوا تقسيم البوسنة بينهم وتهجير أغلبية المسلمين وتدجين من يتبقى منهم. وإن كان ذلك المشروع قد فشل في فترة الحرب فإنه قد استؤنف بعد الحرب، ومن هنا جاء اعتقال كل من الجنرال أنور حاجي حسانوفيتش الذي كان قائدًا للفيلق الثالث بوسط البوسنة قبل أن يصبح نائبًا لقائد الأركان البوسني سنة ١٩٩٤م، والجنرال محمد الأجيتش الذي كان قائدًا للفيلق السابع حتى سنة ١٩٩٥م، وهو من أكفأ وأقدر الجنرالات البوسنيين حيث منع الكروات من إقامة جمهوريتهم داخل البوسنة والتي تسمى هرسك بوسنة والجنرال أمير كوبورا الذي كان قائدًا للواء السابع الإسلامي الذي ضرب أروع الأمثلة في الجهاد والفداء ولقن الصرب والكروات دروسًا لن ينسوها، ولذلك يصر الصرب والكروات على الانتقام منهم من خلال اتهامهم بارتكاب جرائم حرب.
ولا تقف رغبة الصرب والكروات عند حد اعتقال بعض الجنرالات، بل يطالبون باعتقال الرئيس علي عزت بيجوفيتش على غرار سلوبودان ميلوسوفيتش،
ويقولون: إن كان ينبغي سجن زعيم صرب البوسنة «السابق» رادوفان كراجيتش، وقائد العصابات الصربية الجنرال راتكو ملاديتش فيجب أن يكون الرئيس علي عزت معهم في نفس الطائرة التي ستقلهم إلى لاهاي.
ولا ينبغي أن نفاجأ إذا ما حدث ذلك فللغرب سوابق، وإذا لم تستح فاصنع ما شئت.
قراءة بوسنية
يكشف العقيد السابق في الجيش البوسني ناظم عابد خليلوفيتش ل المجتمع ما حدث مع الجنرالات الثلاثة فيقول: تم اعتقال الجنرالات المسلمين الثلاثة في يوم واحد وفي اليوم نفسه الذي صدر فيه الحكم على مجرم الحرب الجنرال الصربي راديسلاف كرستيتش بـ ٤٦ سنة، لقد كان كرستيتش المخطط والمنفذ لمذبحة سريبرينتسا التي قتل فيها على يديه ١٠٧٤٨ مسلمًا ومسلمة، وهذا الحكم لم نكن نتوقعه لقد كنا نظن أنه سيصدر بحقه حكم بالمؤبد، وهو بذلك يتلقى حكمًا مخففًا جدًا، فعلى كل مسلم قتل نال كرسيتش يومًا ونصف يوم سجن فقط وهكذا نجد أن المسلم لا قيمة له في مقاييس ما يسمى بالعدالة الدولية، ورغم ذلك أراد الغرب أن يخفف من غضب الصرب والكروات فأمر باعتقال الجنرالات المسلمين الثلاثة وهم من كانوا قبل شهور عدة في محكمة جرائم الحرب کشهود، فكيف تحولوا فجأة إلى متهمين وكيف يوزع الغرب عدالته بهذه الطريقة، وكيف سمح لنفسه أن يسوي بين المجرم والضحية، بين المتمرد ومن يدافع عن الشرعية بين من مارس العدوان ومن تصدى للإبادة؟
توريط القيادة
يقول العقيد ناظم عابد خليلوفيتش في حديثه لـ«المجتمع» الهدف الحقيقي من وراء اعتقال الجنرالات المسلمين هو إظهار المسلمين بمظهر من شارك في حرب الإبادة، وأنهم طرف وليسوا ضحية، كما يهدف من وراء ذلك إلى توريط القيادة البوسنية متمثلة في القيادة العليا للجيش البوسني والقيادة السياسية متمثلة في بعض المسؤولين بما في ذلك الرئيس علي عزت بيجوفيتش، إضافة للتملص من المسؤولية الأخلاقية التي يتحملها الغرب تجاه المجازر التي تعرض لها المسلمون في البوسنة والهرسك، وهو بذلك كمن يتطهر من الدم بالنجاسة فتوريط الجنرال حسانوفيتش الذي كان قائدًا للفيلق الثالث، ونائبًا لقائد الأركان، محاولة لتقريب الشباك من القيادة العليا، فلم يكن بين الجنرال حسانوفيتش والرئيس علي عزت سوى قائد الأركان الأسبق سفر خليلوفيتش، فهذه الخطوة هدفها الوصول للقمة. أما الجنرال الأجيتش فهو رجل قوي الشخصية حاولوا تدميره من خلال قضية جنائية برأته منها المحكمة، وكان هدفهم تشويهه أمام الرأي العام كمقدمة لاعتقاله حتى لا يأسف عليه أحد، أما أمير كوبورا فقد كان قائدًا للواء الإسلامي السابع، واتهامه اتهام لكل الألوية الإسلامية أثناء الحرب، وللتيار الإسلامي في البوسنة بعد الحرب، ولا شك أن حزب العمل الذي يقوده الرئيس علي عزت هو المستهدف في المقام الأول.
الهدف النهائي
ويضيف خليلوفيتش: «محكمة جرائم الحرب اتهمت المجاهدين الذين قدموا من مختلف أنحاء العالم الإسلامي وأوروبا بارتكاب جرائم حرب وأنهم كانوا تحت قيادة الجنرالات الثلاثة الذين تم اعتقالهم، وهناك خطر عليهم وخوف من اعتقال من يقدر الغربيون عليهم، وهم بدأوا بالفعل في هذا المشروع، فقد وصل عدد المقبوض عليهم حتى الآن إلى تسعة أفراد في خلال شهر واحد ولكن ذلك وإن كان هدفًا سياسيًا، إلا أنه ليس الهدف الأخير، وهو القضاء على الإسلام من خلال ضرب رموزه وعزلهم وإضعافهم تمهيدًا للقضاء عليهم وتسويتهم بالمجرمين الصرب والكروات مواصلة السياسة الغرب أثناء الحرب، فقد كان يلقي باللوم على جميع الأطراف، ويعمم دعواته للهدوء وضبط النفس، كلما تم قصف مدينة مسلمة، أو ارتكبت مذبحة في حق المسلمين من قبل الصرب وهكذا يواصل الغرب سلسلة أخطائه، بل جرائمه في البوسنة والهرسك شعبنا ضعيف أرهقه العدوان، وأرهقه الوضع الاقتصادي، ولا يزال يعيش في وضعية نفسية صعبة فهو لا يصدق بأن المذابح انتهت المذابح مستمرة من خلال سجن رموزه وكوادره فهناك شخصيات مرشحة للاعتقال منهم سفر خليلوفيتش قائد الأركان الأسبق وناصر أوريتش والقائد زوكا من یا بلانيتسا والقائد شولو ورئيس بلدية بوغوينو السابق، وكذلك رئيس بلدية كونيتس وغيرهم فالغرب لم يكن في يوم من الأيام في صف العدالة الحق، فضلًا عن أن يكون في صف المسلمين كل خطوة مزعومة يخطوها ضد الصرب والكروات يقابلها بمصيبة في ساحة المسلمين.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل
نشر في العدد 1119
138
الثلاثاء 04-أكتوبر-1994