العنوان (2007) عام الاحتفال بالأمجاد الخالدة في البلقان.. البوسنة تستعيد ذاكرتها الإسلامية
الكاتب عبد الباقي خليفة
تاريخ النشر السبت 29-ديسمبر-2007
مشاهدات 56
نشر في العدد 1782
نشر في الصفحة 25
السبت 29-ديسمبر-2007
د. مصطفى تسيريتش: مهمة المسلمين الأولى في الغرب.. المحافظة على الهوية الإسلامية وحمايتها
»وثيقة ناما» أو العهد الإسلامي.. قدمه محمد الفاتح سنة 1463 م للطوائف الدينية في البوسنة ومنطقة البلقان ليؤكد عدم إجبار أي شخص على تغيير دينه أو توجهه السياسي
لقد قدم محمد الفاتح تلك الوثيقة بينما كان المسلمون في الأندلس وجنوب فرنسا يتعرضون للإبادة وتحويل مساجدهم إلى كنائس وإجبارهم مع أطفالهم على الردة
تستعيد البوسنة هذه الأيام ذاكرتها الإسلامية وتحتفل بذكرى مرور عدد من الأحداث والأمجاد الخالدة في منطقة البلقان ومن أهمها: مرور 560 عامًا على بناء أول جامع في البوسنة «أوساتي كولوني»، و 550 عامًا على بناء جامع «عيسى بيكوفا» ، و 530 عامًا على بناء دار العالم «إلياس بيكوفا»، و 470 عامًا على بناء مدرسة الغازي خسرو بك، الثانوية التي خرجت أجيالًا من العلماء والمفكرين والسياسيين والشعراء والأدباء، و 450 عاما على بناء مدرسة كراجوز بيكوفا في موستار »120 كيلومترا شرق البوسنة«، و 120 عامًا على بناء دار القضاء الشرعي »مكتب نواب «في سراييفو، و 75 عامًا على إصدار مجلة «غلاسنيك» التابعة للمشيخة الإسلامية، و 30 عامًا على تأسيس كلية الدراسات الإسلامية بسراييفو .
وتهدف المشيخة الإسلامية من خلال إحياء مجموعة من المحطات المهمة في تاريخ البلقان إلى التأكيد. على عراقة الإسلام في هذه الديار. واحترام التقاليد والتراث الإسلامي الذي أثر ولا يزال في المكونات الأساسية لثقافة المنطقة ونسيجها الثقافي والسياسي والاجتماعي والديموجرافي.
كما تهدف من خلال المناشط التي تقوم بها إلى توعية الأجيال الجديدة بالإضافات التي قدمها المسلمون للحضارة الإنسانية، وهي إضافات جوهرية ساهمت بشكل فعال عبر الأندلس في تغيير وجه أوروبا وبناء العقلانية فيها بعد د. علي عزت بيجو عصور الظلام الكنسي.
وثيقة مهمة
وقد أصدرت المشيخة وثيقة بهذه المناسبة تشير إلى الأبعاد الروحية والثقافية لهذه المحطات المهمة في تاريخ البلقان التي قال عنها د. محمد علي حاجيتش الدبلوماسي السابق ورئيس تحرير مجلة «غلاسنيك« وأحد منظمي المؤتمر لـ المجتمع:«إن هذه الوثيقة مهمة لأوروبا.. وليس للبوسنة فحسب.«
وقال د. فكرت كرتشيتش: ليس هناك أخطر على شعب من الشعوب أو أمة من الأمم مثل ازدراء ثقافتها بيجوفيتش وجهلها بتراثها وعدم اعتزازها بماضيها. وأشار إلى أنه ليس هناك أفضل من التعريف عن طريق التوثيق وعقد المؤتمرات وإحياء المناسبات وتذكير الأجيال بهويتها وتعريفها بثقافتها وبدون ذلك لا يمكن الدفاع عنها وعن مستقبل الأمة.
التاريخ والعبر
وحول التعددية في الثقافة الإسلامية قال د. كرتشيتش: يجب أن يكون التعدد تكامليًا ليصبح تعدد جسور للوصل لا جدران للفصل الثقافي والعرقي والديني والمذهبي والسياسي.
وعن أهمية الحدث الذي يحتفى به في البلقان قال: هذه ثالث مرة نقيم فيها مؤتمرًا حول المعرفة الإسلامية تحت إشراف المشيخة الإسلامية، فقد تطرقنا في وقت سابق لموضوع العلم في الإسلام وفي سنة 1991 م ناقشنا التطرف والآن نتحدث عن التراث الإسلامي في البلقان، وهذا أمر مهم جدًا للتعريف بالتراث الإسلامي البوشناقي.. مقوماته ومظاهره وفوائده وما يمكن التعلم منه.
أضاف: ابن خلدون يؤكد في كتابه »العبر« أهمية قراءة التاريخ للاستنتاج وأخذ العبر ومعرفة التاريخ تساعد على دخوله وعلى صناعته وليس العيش فيه فقط .
وعن مستقبل التراث الإسلامي ودوره في مستقبل المسلمين بأوروبا قال: المسلمون موجودون في ثلاث مناطق أساسية وهي: البلاد الإسلامية البلقان وأوروبا، القوقاز، فالمسلمون في روسيا الفيدرالية مثلًا وكذلك المسلمون في البلقان من أصول محلية بينما المسلمون في الاتحاد الأوروبي خليط بعضهم من الجيل الثاني والثالث، والمسلمون في أوروبا يمكنهم تعلم أصول البقاء من المسلمين في البلقان الذين اختاروا طريق الحداثة غير المتناقضة مع الإسلام ونحن نفعل ذلك منذ 100 عام.
الماضي والمستقبل.
أما الدكتور محمد علي حاجيتش فقد أشار في حديثه له المجتمع إلى إنه كلما عاد الإنسان إلى الماضي فهو يفعل ذلك من أجل المستقبل، ونحن أيضًا في هذه الاحتفالات تريد العودة للماضي لا لنعيش فيه ولا لنتغنى بمآثره ولا حتى لنأخذ حلولًا جاهزة منه، وإنما لدراسته ومعرفة محتواه وما يمكن أن نأخذ منه، ونرد وما يمكن أن نفيد منه في الوقت الحاضر من ذلك التراث وبناء بعض رؤانا للمستقبل، فهناك عودة صحيحة للماضي وعودة خاطئة وجميع الأمم تدرس الماضي وتستفيد منه.
مهمة المسلمين
ويعتبر عام 2007م عام الذكريات التاريخية في البوسنة ليس في البلاد فحسب بل في أوروبا ولا سيما الشرقية منها وتحديدًا منطقة البلقان. وذلك وسط تطورات جيوسياسية وثقافية شديدة التعقيد، وهو ما يدركه المسلمون في البلقان ولا سيما البوسنة حيث يعيش المسلمون هامشًا من الحريات غير متوافر حاليًا في الكثير من البلاد الإسلامية، ومن بين الذكريات مرور 600 عام على دخول الإسلام للبوسنة وعدد من دول البلقان. وقال الدكتور مصطفى تسيريتش لـ المجتمع: »إن مهمة المسلمين الأولى في الغرب هي المحافظة على الهوية الإسلامية في أوروبا وحمايتها«.
ويذكر الدكتور تسيريتش بالحقيقة الغائبة أو المغيبة في الغرب وهي أن الإسلام وبقية الديانات الإبراهيمية جاءت من الشرق على فترات متباينة لذلك. ويقول: لا يحق لأي كان الاستئثار بأحقية الانتماء الجغرافي وتطرق رئيس العلماء في البوسنة إلى تاريخ دخول الإسلام إلى أوروبا، حيث دخلها من جهتين شبه جزيرة أيبيريا في القرن الثامن الميلادي، وشبه جزيرة البلقان في القرن الرابع عشر الميلادي. وقد عاش المسلمون 8 قرون في الأندلس وأقاموا حضارة فريدة عرفت بالتعايش والتسامح. وقال: إن المسلمين في الأندلس فقدوا دولتهم بسبب نزعات التسلط والتفرق لدى ملوك الطوائف وابتعادهم عن هدي دينهم في الوحدة والتكاتف والتقوى حتى أصبح لكل بضعة آلاف من الكيلومترات، ولكل بضعة آلاف من السكان دولة وصدق فيها قول الشاعر:
ومما زهدني في أرض أندلــــس ألقاب معتصم فيها ومعــــــــتضد
ألقاب سلطنة في غير موضعها كالهر يحكي انتفاخًا صولة الأسد
وما أشبه اليوم بالبارحة!رحم الله بيجو فيتش.
وقال الدكتور تشيريتش: إن الإسلام في البلقان لا يزال حيًا بفضل الله ثم بالمجاهدين وسيبقى المسلمون هنا بعون الله إلى يوم القيامة، وأشاد بالدور التاريخي والمحوري للرئيس المفكر علي عزت بيجوفيتش، رحمه الله، مؤكدًا أنه كان له الفضل الكبير في صمود وبقاء المسلمين في البوسنة، ليكونوا جديرين بتوحيد الله سبحانه وتعالى، فجزاه الله عنا كل خير وأسكنه فسيح جناته.
وأضاف: إن أوروبا تبحث عن حلول للتعايش والتسامح بين الشعوب ولاسيما علاقتها مع الإسلام والمسلمين، وتابع: لقد تم عقد الدورة السابعة عشرة للمجلس الإسلامي الأوروبي في سراييفو في منتصف شهر مايو الماضي، وهذه الدورة ترسل رسالة واضحة للعالم كله بأن المسلمين صادقون في الدعوة للحفاظ على التعايش والتسامح والتعاون. وعلى هذه الطريق يجب أن تظل البوسنة الموحدة.
شهادة للتاريخ: وكانت البوسنة قد احتفلت في وقت سابق بمرور أكثر من 5 قرون على صدور أول مرسوم لحقوق الإنسان في أوروبا، والاحتفال بذكرى مرور 544 عامًا على صدور أقدم مرسوم لحقوق الإنسان في أوروبا، وهو العهد المسمى »وثيقة ناما« الذي قدمه السلطان محمد الفاتح سنة 1463م للطوائف الدينية في البوسنة ومنطقة البلقان والمتعلق بعدم إجبار أي أحد على تغيير دينه أو توجهه السياسي. وقد تسلم القس الكاثوليكي في ذلك الحين »أنجيلو زفيزدوفيتش« نسخة من »العهد الأسلامي« في وقت كان المسلمون في الأندلس وجنوب فرنسا يتعرضون للإبادة وتحويل مساجدهم إلى كنائس و إجبارهم مع أطفالهم على الردة واعتناق النصرانية. ولا تزال تلك الوثيقة »وثيقة ناما« حتى الآن محفوظة في المكتبة الكاثوليكية في وسط البوسنة. وقال القس »لوكا ماركشيتش«: إن العهد العثماني والحكم الإسلامي في أوروبا عامة اتسم بالتسامح واحترام الآخر وهو ما لم نشهد له مثيلًا في تاريخ أوروبا القديم منه والحديث، وهو ما يجب أن نتعلم منه من أجل مستقبل أفضل بين الشعوب والثقافات. وهذه الوثيقة ستبقى شاهدًا على مدى تفوق الحضارة والثقافة الإسلامية في مجال التسامح الديني .
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل
نشر في العدد 1119
138
الثلاثاء 04-أكتوبر-1994