العنوان البوسنة والهرسك: خطط الغرب لتقسيم البوسنة بين الصرب والكروات
الكاتب حسن مراد كاذيتش
تاريخ النشر الثلاثاء 05-سبتمبر-1995
مشاهدات 67
نشر في العدد 1165
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 05-سبتمبر-1995
بعد سقوط المنشق الشيوعي فكرت عبديتش الموالي للصرب وزوال دويلته في بيهاتش، هناك مخاوف من تنصيب «فكرت عبديتش» الجديد، ولكن موال للكروات هذه المرة.
ولبيان إبعاد ذلك، فهناك أربعة أمور لا بد أن يدركها كل من يتطلع إلى الإحاطة بأبعاد المؤامرة الغربية على مسلمي البوسنة والهرسك:
أولًا: لقد فرض حظر بيع الأسلحة على الحكومة البوسنوية من أجل تسهيل مهمة إبادة المسلمين في البوسنة، فإذا فرض الحظر لهذه الغاية فلا أمل في رفعه قبل تحقيقها، وكل المناوشات الكلامية في هذا الموضوع لا تتجاوز كونها تخديرًا لعقول المسلمين في العالم.
ثانيًا: دخلت قوات حفظ السلام إلى البوسنة لكي تبقى فيها وليس لتخرج منها، والهدف من وجودها مراقبة سير خطط إبادة المسلمين، فما يطلق من التهديدات بسحب هذه القوات ليس أكثر من ممارسة الضغوط على مسلمي البوسنة.
ثالثًا: يسعى الصرب إلى إقامة دولة «صربيا الكبرى»، ولا سبيل إلى تحقيق ذلك إلا بإبادة مسلمي البوسنة، لذلك يظل الغرب صامتًا دون حراك، ومتفرجًا على كل الجرائم التي يرتكبها الصرب، رغم بشاعتها ووحشيتها غير المتناهية.
رابعًا: يسعى الكروات لإقامة دولة «كرواتيا الكبرى»، ولا سبيل إلى تحقيق ذلك إلا بإبادة مسلمي البوسنة، لذلك يظل الغرب صامتًا متفرجًا على كل الجرائم التي ارتكبوها، ومعسكرات الاعتقال التي عذبوا المسلمين فيها من قبل.
فالقاسم المشترك بين الأمور الأربعة هو تسهيل ومراقبة إبادة المسلمين في البوسنة والهرسك، وعلى ضوء ذلك يجب فهم كل التحركات الغربية والمبادرات السلمية والمراوغات الصربية والمناورات الكرواتية، ولا أمل في صمود المسلمين إلا بتحقيق التوازن العسكري، وسيظل وجودهم في البوسنة بقدر متساوٍ تمامًا لقوتهم العسكرية.
ومن هنا ندرك سر الاستياء الشديد لقيادة الجيش الكرواتي من أجل دخول قوات الفيلق الخامس التابع للجيش البوسنوي إلى عمق الأراضي الكرواتية، ضمن العمليات المنسقة بين الجيش البوسنوي والجيش الكرواتي للقضاء على فلول القوات الصربية في جيب كرايينا الكرواتي، وكانت القوات البوسنوية تطارد فلول المجرمين الصرب في عمق الأراضي الكرواتية غرب منطقة «بيهاتش»، كما أن عددًا من الجنود الصرب فضل الاستسلام بأسلحتهم للجيش البوسنوي على الاستسلام للقوات الكرواتية خشية انتقام الكروات على ما ارتكبه الصرب من الفظائع في حق المدنيين الكروات.
الكروات يمنعون وصول السلاح للمسلمين
ولكن حقيقة استياء الجيش الكرواتي، على الرغم من الاتفاق والتنسيق في القضاء على جيش صرب كرايينا تكمن في مخاوف الكروات من حصول الجيش البوسنوي على أعداد كبيرة من الغنائم من الدبابات والمدافع الثقيلة والقذائف والذخيرة، لأن المفترض أن يكون ذلك كله من نصيب الكروات دون الجيش البوسنوي، وقد غنم الجيش الكرواتي من الصرب غنائم كبيرة تقدر بأكثر من (۱۰۰ مليون) دولار، وفي اليوم الأخير من العمليات الكرواتية سلم الجنود الصرب للكروات (۱۳) دبابة و(۱۰) ناقلات جنود مصفحة، و(۲۰) شاحنة محملة بالقذائف والذخيرة، ويقول الخبراء العسكريون: إن ما غنمه الكروات يكفي لتجهيز لواءَين كاملين من المدرعات.
بينما غنم الفيلق الخامس من الجيش البوسنوي دبابة واحدة، وعربتين مدرعتين، وثلاثة مدافع عيار ۱۲۲مم، وخمسة مدافع عيار ١٠٥مم، وعدة مدافع هاون، وعدد من الشاحنات والسيارات، وسيارات مزودة بأجهزة الاتصالات وعدة شاحنات محملة بالقذائف والذخيرة، ولكن النصيب الأوفر من غنائم الجيش البوسنوي كان مما غنمه من قوات الخائن الشيوعي فكرت عبديتش، الذي كان يعتمد على الإمدادات العسكرية الصربية بصورة كلية، فقد غنم الفيلق الخامس في مدينة ويليكا كلادوشا وحدها دبابة واحدة من نوع تي (55) وعربيتين مصفحتين وثلاثة مدافع عيار 130مم، وثلاثة مدافع عيار 122مم، وخمسة مدافع عيار 105مم، وعدة مدافع ورشاشات مضادة للطائرات، وكمية كبيرة من الذخيرة.
وعلى مدى سبعة أشهر ماضية دخل من صربيا إلى البوسنة والهرسك عبر الجسور المتحركة على نهر درينا، التي لا يشرف عليها المراقبون الدوليون نحو (400) دبابة، و (100 ألف) جندي ومتطوع، وكانت في حالات كثيرة تدخل هذه الحشود الصربية إلى البوسنة في شاحنات وعربات الأمم المتحدة وفي زي الجنود الدوليين، ففي اليوم العاشر من شهر إبريل الماضي فقط تكرر ثلاث مرات دخول (9) شاحنات للأمم المتحدة في يوم واحد، وتبين بأنها محملة بالذخيرة.
معادلات القوى في بيهاتش
إن معادلات القوى العسكرية في منطقة بيهاتش، قد انقلبت رأسًا على عقب بعد تحرير الجيش الكرواتي منطقة كرابينا من أيدي الصرب، كما أن التشكيلة السكانية قد تغيرت كليًا، ففي منطقة كرايينا ذات الأغلبية الصربية المطلقة لم يعد فيها وجود للصرب، وفي منطقة غرب البوسنة «بانيالوكا، وكرايينا البوسنوية» ذات الأغلبية النسبية المسلمة لم يعد فيها وجود للمسلمين والكروات، بينما ظلت أغلبية المسلمين في منطقة بيهاتش موجودة رغم حصار دام أربعين شهرًا «ألف ومائتي يوم ويومين» أما من حيث أهميتها الإستراتيجية بالنسبة للصرب، فقد كانت حلقة وصل بين كرايينا في كرواتيا ومنطقة بانيالوكا في البوسنة ذواتي أغلبية صربية، فاستيلائهم على بيهاتش يحقق لهم تكوين منطقة صربية خالصة شاسعة متجانسة لا خطر عليها من الداخل بعد إبادة وتهجير المسلمين والكروات، وهذا الهدف هو الركن الأهم والأقوى في تكوين حلم «صربيا الكبرى»، وفي تلك الحالة تصبح محاولات الكروات التحرير كرابينا ضربًا من المستحيل، ولا يبقى للصرب غير الاستيلاء على المدن الكرواتية الساحلية «زادار وشيبينيك وسبليت» وتقسيم كرواتيا إلى النصفين، والانطلاق في أن واحد الخنق العاصمة زغرب شمالًا، وبقية المدن الساحلية جنوبًا، وهذا يعني النهاية الفعلية لاستقلال وكيان دولة كرواتيا، وكل ذلك لم يمكن تحقيقه لوجود منطقة بيهاتش والفيلق الخامس للجيش البوسنوي، إذ على حصونها تحطمت الأحلام الصربية، وانكسرت آلتهم العسكرية، وبذلك كانت منطقة بيهاتش هي العنصر الأساسي في إنقاذ كرواتيا قبل إنقاذ نفسها.
أما من الجانب الكرواتي، فإن زوال منطقة بيهاتش يعادل زوال دولة كرواتيا، وإقامة أقوى ركائز دولة «صربيا الكبرى» على أنقاضها، وبصمود المسلمين في بيهاتش تحول حلم الكروات في تحرير كرايينا وتحطيم صربيا الكبرى إلى الحقيقة التي شهدناها في الأسابيع القليلة الماضية.
وبالنسبة للمسلمين كان زوال منطقة بيهاتش يعني طرد المسلمين واجتثاث جذور الإسلام في مناطق واسعة من البوسنة والهرسك، تقارب ثلثي مساحة أراضيها، وانحسار الإسلام بأكثر من مائتي كيلو متر من الغرب نحو أطراف مدينة سراييفو، إذ تمثل منطقة بيهاتش أقصى نقطة وجود المسلمين الأوروبيين الأصليين غربًا، وتكون مدينة ترافنيك وما حاذاها «في وسط البوسنة» حدود التقاء العالم الإسلامي بالعالم الغربي، ومع صمود المسلمين في بيهاتش يبقى الأمل في الله -عز وجل- قائمًا بتحرير مناطق غرب البوسنة، وإعادة بيهاتش إلى حظيرة البوسنة والهرسك.
السياسة النفعية للكروات
وبعد أن مُنيت بالفشل كل محاولات الكروات لتشريد وطرد المسلمين من وسط وجنوب البوسنة، في وقت وجه فيه المعتدي الصربي أشد هجماته إلى المناطق الآمنة، وفرض الكروات حصارًا كاملًا على المسلمين أكثر من سنة -بناء على الاتفاق الصربي الكرواتي- كان توقيع اتفاقية الفيدرالية بين المسلمين والكروات من أهم أحداث شهدتها العلاقات بين الطرفين، ومع توقف المعارك بين المسلمين والكروات شهدت العلاقات بين جمهورية البوسنة والهرسك وبين جمهورية كرواتيا مرحلة الاستقرار، وهذا يعني ضمان وصول الامدادات العسكرية للجيش البوسنوي والمعونات الإغاثية للمدنيين، في هذا الوقت ظلت قيادة كروات البوسنة والهرسك تستغل الأوضاع الصعبة بتغيير مستمر للقوانين المفروضة على المسلمين بهدف سرقة ونهب القوافل الإغاثية ومواد الخام والمواد اللازمة لتشغيل المصانع المدنية «فقد حصرت مرور جميع القوافل على طريق ميتكوفيتش-موستار»، وذلك بهدف تمويل أجهزة دويلتهم الانفصالية «هرسك-بوسنة»، ورغم ذلك لم ينجح الطرف الكرواتي في جر سياسة الطرف البوسنوي إلى ساحة المعارك من جديد، ويتم تنفيذ مبادئ الفيدرالية بقدر ما يريده ويحتاجه الكروات، وذلك وفق مصالحهم السياسية وأهدافهم بعيدة المدى، وهي في خلاصتها تقسيم البوسنة بينهم وبين الصرب، وتحويل المسلمين إلى أقلية، ثم تهجيرهم وتذويب ما يتبقى منهم.
صحيح أن اتفاقيات كثيرة وقعت بين البوسنة وكرواتيا في مجال التعاون العسكري والدفاع المشترك، ولكن قوات الكروات لم تشارك حتى الآن في أية عملية عسكرية تخرج عن نطاق مصالحهم القومية العامة في البوسنة، وهي المناطق التي يعتبرها الكروات داخل أهدافهم العسكرية الإستراتيجية؛ فعلى سبيل المثال.. كان دعم الكروات لعمليات فك الحصار عن العاصمة سراييفو محصورًا في الدعم المحدود جدًا للمدفعية الكرواتية، لأن المصالح القومية الكرواتية المتطرفة تتوافق مائة في المائة مع الأهداف الصربية في خنق العاصمة باعتبارها عماد دولة البوسنة، ومقياس درجة استقلالها وقوتها.
وأما التحرك الكرواتي المفاجئ في تحرير مدينتي «غلاموتش» و«غراموفو» فلا يمثل أكثر من عمليات تمهيدية لقطع الصلة بين «كنين» -عاصمة الصرب المتمردين على دولة كرواتيا- وبلجراد، وتدعيم فكرة دولة الكروات المستقلة في البوسنة وتوسيع أراضيها، وليست الدعاية الكرواتية لتخفيف الضغط العسكري الصربي عن منطقة «بيهاتش» أكثر من ستار أو مخادعة
وليس هناك أحد من المحللين العسكريين في البوسنة يتوقع في المستقبل القريب أن يرتقي التعاون العسكري بين الجيش البوسنوي والكروات إلى مستوى أعلى مما هو عليه الآن، أو أن يشهد تغيرًا جذريًا وتحولًا مخلصًا من الطرف الكرواتي.
لذلك سيتجنب الطرف الكرواتي خوض المعارك مع المسلمين، وسينتظر نتيجة المعارك بين الجيش البوسنوي والمعتدي الصربي، لانتهاز أية فرصة لتهديد الصرب في سلافونيا -المنطقة المحتلة من قبل الصرب في شرق كرواتيا- واستيفاء الأمور التكتيكية اللازمة لتقسيم البوسنة والهرسك بين صربيا وكرواتيا -الحدود المرسومة هي نهر «نيربتوا» ونهر «بوسنة» في وسط البوسنة باتجاه جنوب/شمال- كيف لا وقد أنفقت كرواتيا قرابة أربعة مليارات دولار على شراء السلاح الحديث، وحققت انتصارًا مذهلًا على صرب كرابينا على الرغم من تفوق الصرب في السلاح الثقيل وأنظمة الصواريخ، والسلاح المضاد للمدرعات والطائرات، ولا شكّ أن نشوة الانتصار وتحرير كرابينا ستلعب برؤوس الجناح المتطرف بين زعماء الكروات الذين يعتبرون دولة البوسنة والهرسك دولة لا تملك أي مقومات البقاء؛ مثلها مثل دولة يوغسلافيا الشيوعية، والآن هم فرسان الحلبة، وقد خلت الساحة السياسية من أي معارض أو منافس.
خطة التقسيم
في بداية العام الحالي زار ممثلو دول مجموعة الاتصال مدينة بلجراد، وناقشوا مع الرئيس الصربي قضية «تحسين خطة التقسيم» كما صرَّحوا بذلك فيما بعد، وأما صورة وحدود هذا «التحسين» فإننا نراها اليوم جليا: احتلال الصرب السريبرينيتسا وجيبا، والاستعداد لاحتلال جوراجدي، أي أن مجموعة الإاتصال الدولية قد سلمت الجيوب الشرقية للمعتدي الصربي، وهناك أنباء عن اتفاق على تبادل الأراضي تكون كرابينا -الجزء الكرواتي الذي كان يحتله الصرب- من نصيب كرواتيا مع أغلب منطقة بيهاتش، ولكن صرب البوسنة وكرواتيا لا يوافقون على ذلك ويعتبرون اتفاقية الرئيس الصربي والكرواتي على «تبادل الأراضي وتبادل استيطان السكان بطريقة إنسانية» خيانة عظمى لمصالح الصرب القومية.
ومن هنا يظهر الهدف الكرواتي السياسي بكل وضوح في تحرير كرواتيا من الصرب، وضم منطقة بيهاتش إلى دولة كرواتيا -بأسلوب أو بآخر- وهدم دولة البوسنة والهرسك، وضم جزء من البوسنة إلى كرواتيا -مناطق غرب نهر نيريتوا ونهر بوسنة؛ ولتحقيق هذا الغرض.. أبدى الرئيس الكرواتي استعداده للتنازل عن شرق سلافونيا -مدينة فوكوفرار وما حولها- لصالح الصرب، وكان ثمن هذا الاتفاق تسليم كرابينا للكروات، وقد دفعه صرب كرايينا فعلًا، ولو كان الأمر مجرد خوض غمار الحرب والكر والفر لما أمكن فهم عجز الكروات عن تحرير كرايينا أكثر من ثلاث سنوات، على الرغم من محاولات متكررة لتحقيق ذلك؛ فعلى سبيل المثال.. لقد حاولت كرواتيا تحرير كرايينا في بداية سنة ١٩٩٤م، وقامت باستعدادات واسعة لهذه العملية أنفقت لهذا الغرض (120 مليون) دولار، إلا أنها أعرضت عن الفكرة بعد أن قتل الصرب أكثر من (1200) جندي كرواتي خلال أسبوع واحد فقط من المعارك، وبما إن العمليات تزامنت مع هجمات كروات البوسنة على المسلمين، فقد أظهرت وسائل الإعلام الكرواتية هؤلاء القتلى بأنهم «ضحايا علي عزت بيجوفيتش» الذي يسعى إلى إقامة الجماهيرية الإسلامية على «جثث الكروات».
إذن.. ما التفسير لعجز الكروات قبل سنة ونصف، وقدرتهم الفائقة الآن على تحرير ثلث أراضي كرواتيا خلال (72) ساعة فقط، بعد أن عمل الروس جاهدين على تحويل كرابينا إلى ترسانة صربية ضخمة من أسلحتهم المتقدمة؟ ليس هناك أي تفسير مقبول غير تنفيذ مرحلة من مراحل الاتفاقية بين الرئيسين الصربي والكرواتي.
وتعاون الكروات ومشاركتهم في بعض العمليات العسكرية لا يعني أبدًا تنازلهم عن ذلك الهدف المرسوم، بل على عكس ذلك تمامًا، إنه إخفاء أهدافهم الحقيقية النهائية، بناء على تقدير أن بعض انتصارات الجيش البوسنوي بعد توقف المعارك مع الكروات لا تؤثر كثيرًا في تغيير ميزان القوى بين صربيا وكرواتيا، كما لا يضمن للمسلمين نجاتهم من الاتفاق الصربي الكرواتي على هدم وتقسيم دولة البوسنة وإبادة المسلمين.
الكروات يصنعون عبديتش
وأسهل سبيل إلى ذلك.. هو إشعار بعض الشيوعيين السابقين من بين مسلمي البوسنة بأنهم أهملوا ومنعوا ظلمًا من حقهم في المشاركة في السلطة، ولا سبيل إلى استعادة تلك الحقوق إلا بتنحية «الرئيس الأصولي» وتنصيب «سياسي مسلم مرن يدرك أهداف الغرب ويقبل المبادرات الغربية السلمية دون جدال، ويسعى بمسلمي البوسنة إلى اللحاق بركب معطيات الديمقراطية الغربية»، كما كان الرئيس الكرواتي يسمى الخائن فكرت عبديتش، فبقليل من الدعم بالمال والسلاح والمرتزقة ستتهافت «الأصنام الشيوعية» على عروش دويلات صغيرة، أنفسهم خصومًا للرئيس علي عزت بيجوفيتش، فبعد أن كان دعم الكروات للمسلمين في بيهاتش إستراتيجيًا وضروريًا لتخفيف شدة هجمات الصرب على زغرب ومدن كرواتيا -ولتحقيق هذا الغرض.. قدمت كرواتيا تسهيلات كثيرة المرور السلاح والطعام- تغير الوضع كليًا بعد سقوط كرابينا، وفك الحصار عن بيهاتتش، وأصبح مسلمو هذه المنطقة تحت رحمة الكروات بصورة كاملة، إذن فالظروف مهيئة لإعادة فكرت عبديتش إلى عرشه، ليسبح بحمد كرواتيا هذه المرة بدل صربيا، أو لإيجاد فكرت عبديتش آخر في زي مدني أو عسكري، وهذا هو بالذات ما تحتاجه كرواتيا الآن الممارسة الضغط على حكومة سراييفو، والحصول على تنازلات واسعة من المسلمين في المجال السياسي والعسكري، وأن تمنع المسلمون من ذلك فلا أسهل من إعلان استقلال «بيهاتش» عن البوسنة.
هذا هو التحليل الصحيح الواقعي للتحركات الغربية الأخيرة «بريطانيا، فرنسا، روسيا» هدم دولة البوسنة والهرسك، وإبادة المسلمين، واقتلاع جذور الإسلام من البلقان، والقضاء على الإسلام في أوروبا، ومع سقوط جوراجدي تتحول الحدود الصربية من نهر «درينا» إلى قلب العاصمة سراييفو، ومع زوال دولة البوسنة والهرسك من الوجود تكون حدود العالم الإسلامي قد انحسرت من بيهاتش وبليكا كلادوشًا غربًا إلى أطراف مدينة إسطنبول، وقارة أوروبا يجب أن تكون خالية من المسلمين الأصليين، وخالصة لعبادة الصليب، هذا ما علمنا التاريخ عن «تسامح النصرانية ورحابة صدرها للحوار الحضاري».
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل
نشر في العدد 1119
138
الثلاثاء 04-أكتوبر-1994