العنوان البوسنة والهرسك.. مرحلة جديدة من النضال
الكاتب أسعد طه
تاريخ النشر الثلاثاء 16-نوفمبر-1993
مشاهدات 98
نشر في العدد 1075
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 16-نوفمبر-1993
شهدت القضية البوسنية خلال الأيام السابقة عدة أحداث عدَّها المراقبون
تطورًا جديرًا بالاهتمام في مسار الحرب التي اندلعت قبل حوالي عشرين شهرًا، فعلى
الصعيد العسكري تمكنت وحدات الجيش البوسني من تحرير بلدة فارش الواقعة في وسط
البلاد وعلى بعد حوالي 30 كيلو مترًا شمال العاصمة سراييفو.
ورغم كونها بلدة صغيرة إلا أنها تمثل وفق المعطيات الحالية والقائمة
على أرض الميدان موقعًا استراتيجيًّا هامًّا يمكن المسلمين من فتح الطريق الواصل
بين مدينة «زينتا» إحدى المعاقل الإسلامية الحصينة وبين مدينة «توزلا» ومدن شرق
البوسنة، كما يفتح المسلمون بذلك جبهة جديدة مع القوات الصربية المتمركزة في منطقة
إلياش المطلة بدورها على سراييفو، والتي تنطلق منها القوات الصربية لقصف العاصمة
وشن الهجمات عليها.
وكان عدد سكان البلدة يبلغ قبل الحرب 22,114 نسمة، واحد وأربعون
بالمائة منهم كروات، وستة عشر بالمائة صرب، وثلاثون بالمائة مسلمون، وثلاثة عشر
بالمائة من قوميات أخرى يدين معظمهم بالإسلام. وقد شنَّ المسلمون هجومهم على هذه
البلدة عبر ثلاث فرق عسكرية، اثنتان انطلقتا من مدينتي «بريزا» و «فيسكو» جنوب
غربها، والثالثة من مدينة «أولوفو» الواقعة شرقها، وقد أثار سقوط فارش في أيدي
المسلمين اهتمام الإعلام العالمي بشكل لم تحظ به المدن البوسنية الأخرى التي تمكن
المسلمون من تخليصها من أيدي الميليشيات الكرواتية الانفصالية وذلك لعدة اعتبارات.
فقد أتى تحرير فارش عقب المذبحة البشعة التي ارتكبها الكروات في قرية
«ستوبني دول» المجاورة والتي قاموا على أثرها بنقل من بقي حيًّا من المسلمين إلى
معتقلات خصصت لهم في هذه البلدة. وكذلك للسرعة والكفاءة التي تمت بها العملية إلى
الحد الذي دعا قائد الميليشيات الكرواتية في البوسنة إلى التصريح بأن وحداته
العسكرية لم تقابل في هذه البلدة وأنها انسحبت طواعية دون إطلاق أي رصاص في محاولة
للتقليل من شأن النصر الذي حققه المسلمون، كما أن هذه العملية تأتي طبقًا للتوقعات
التي كانت قد أوردتها «المجتمع» عن تنامي القدرة العسكرية للمسلمين، ومع مثول هذا
العدد للطباعة وردت أنباء عن وشك سقوط مدينة «فيتيز» في أيدي المسلمين.
وعلى الصعيد العسكري أيضًا أصدرت الحكومة البوسنية مرسومًا يقضي
بتغييرات في القيادة العسكرية أثارت العديد من التساؤلات عن مغزاها، ونصَّت هذه
القرارات الحكومية على تعيين قيادات جديدة للجيش في مناطق موستار وبيهاتش ووسط
البوسنة. ورغم أن الأسباب وراء ذلك لم تذكر بشكل علني إلا أنه لوحظ أن القيادات
الجديدة معروف عنها أداؤها العسكري الناجح والتفافها حول القيادة السياسية، وعلقت
على ذلك إذاعة بلغراد يوم 4 نوفمبر حين ذكرت أن الرئيس البوسني ينوي مواصلة الحرب
مستشهدة على ذلك بتعيين قيادات عسكرية جديدة وصفتها بأنها أكثر تطرفًا.
انقلاب في الشكل السياسي
إلا أن هذه التغييرات لم تقتصر على المجال العسكري، وإنما طالت أيضًا
النظام السياسي الذي يدير شئون البلاد والتي قضت بتعيين حارس سيلاجيتش وزير
الخارجية البوسني رئيسًا للحكومة الجديدة، وهو الأمر الذي مثل مفاجأة باعتبار أن
سيلاجيتش كان هو الدبلوماسي البوسني الجوال الذي استطاع إقامة خطوط اتصال جيدة مع
فاعليات دولية عديدة، مما جعل المراقبين يعبرون عن اعتقادهم بأن المسلمين قد فهموا
أخيرًا أن رسالتهم إلى العالم قد وصلت وبشكل واضح منذ الأيام الأولى للحرب، وأن
المواقف الدولية السلبية لم تبن على مفاهيم خاطئة يجب تصحيحها وإنما عن حسابات دقيقة
باتت اليوم في غير حاجة إلى توضيح، وهذا يدفع إلى الاعتقاد بأن المسلمين يسعون في
الفترة القادمة إلى الاعتماد على قدراتهم الخاصة مهما كانت ضئيلة لتحريك قضيتهم
وهو الأمر الذي يستلزم حكومة قوية كالتي شكلت مؤخرًا من شخصيات ذوات مراكز علمية
رفيعة ومؤهلات عالية.
كما يجب الإشارة إلى أن منصب رئيس الحكومة البوسنية وفق قاعدة التداول
القومي المعمول بها في البوسنة والهرسك على مستوى الوظائف الحكومية هو حق لأصحاب
القومية الكرواتية في الوقت الذي يشغل فيه منصب رئيس الدولة مسلم ورئيس البرلمان
صربي، واستبدال كرواتي بمسلم وتعيين حكومة جديدة ليس فيها إلا أربعة من الكروات
والصرب والحديث عن التوجه لاستبدال رئيس البرلمان الصربي القومي بآخر مسلم يوحي
بأن أسلمة الحكومة هو الهدف الذي يسعى إليه الآن المسلمون في إطار إعادة ترتيب
صفوفهم الداخلية، ورغم أن ذلك يفتح عليهم باب الانتقاد الشديد بحكم أنهم سيحرمون
البوسنة والهرسك بذلك من تعدديتها القومية والتي يطالبون على أساسها بأن تظل
البوسنة والهرسك دولة واحدة، مما يدفع إلى الظن بأن المسلمين يتجهون إلى القبول
بإقامة جمهورية مسلمة في إطار مشروع تجزئة البلاد المطروح عليهم، إلا أن المطلوب
هو أن تتمتع هذه الجمهورية المسلمة باعتبارات جديدة بالموافقة عليها.
هل تتغير المواقف الدولية؟؟
في غضون ذلك تصاعدت من جديد حملة النقد الموجهة إلى مواقف الفعاليات
الدولية الرافضة للتدخل العسكري أو حتى رفع حظر بيع السلاح عن المسلمين، وفي هذا
الإطار تعرض وزير الخارجية الأمريكي وارن كريستوفر لكلمة نقد شديدة من قبل عضو في
الكونجرس الأمريكي بسبب السياسة التي يقودها كريستوفر بشأن الحرب في البوسنة
والهرسك، إلا أن الرجل لم يجد حرجًا في أن يقول: إن الولايات المتحدة الأمريكية
ليست على استعداد لإرسال الآلاف من أبنائها إلى مناطق يوغسلافيا السابقة للدفاع عن
المسلمين، في الوقت الذي انتقدت فيه مجددًا مارغريت تاتشر رئيسة الوزراء
البريطانية السابقة عجز المجتمع الدولي عن إنقاذ أرواح الأبرياء في البوسنة
والهرسك، وقالت: إذا كان العالم يرفض إرسال جنوده لحماهم فيجب عليه أن يسمح لهم
بالتسلح وأن يقوم بتدريبهم على هذا السلاح.
وقبل ذلك كانت الولايات المتحدة الأمريكية من جهة وبريطانيا وفرنسا من
جهة أخرى تبادلوا الاتهامات بشأن تردِّي الأوضاع في البوسنة والهرسك، وبغض النظر
عما إذا كان ذلك يدخل في نطاق الأعمال المسرحية التي يستهدف بها امتصاص غضب
المسلمين في العالم الإسلامي وكل الشرفاء في العالم بغضِّ النظر عن دياناتهم فإن
الحديث مجددًا عن المطالبة برفع حظر بيع السلاح عن المسلمين في البوسنة والهرسك
يعتبر شيئا إيجابيًّا، خصوصًا وأن هناك من يؤمن بين صفوف الساسة المسلمين بأن
العالم لن يستطيع الاستمرار في الحيلولة دون حصول المسلمين على السلاح للدفاع عن
أنفسهم.