العنوان من قلب سراييفو وبعد ١١٥٤ يومًا من حصارها: الرئيس البوسني يوجه رسالة تاريخية لأوروبا المتخاذلة عبر اجتماع برلماني في سويسرا
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 11-يوليو-1995
مشاهدات 70
نشر في العدد 1157
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 11-يوليو-1995
سراييفو: المجتمع
وجه الرئيس علي عزت بيجوفيتش كلمة تاريخية هامة من سراييفو إلى اجتماع دعا إليه عدد من أعضاء البرلمان الأوروبي والشخصيات الأوروبية المرموقة في مدينة «كران مونتانا» السويسرية، وحضره عدد من رؤساء الدول والشخصيات النشطة في مجال حقوق الإنسان.
وقد جاءت كلمة الرئيس بيجوفيتش عبر شريط فيديو، وهي عادته في الشهور الأخيرة إثر رفضه القاطع للخروج إلى خارج البوسنة، لاعتقاده الجازم أن مسألة البوسنة لن تحل إلا في جبهات القتال.
وقد حمل وزير الخارجية البوسني محمد شاكر بيه هذه الكلمة المصورة إلى هذا الاجتماع، ولأهمية ما جاء فيها، حيث تمثل أبلغ وأحدث صورة للأوضاع في البوسنة على لسان رئيسها، كما تمثل الموقف البوسني الصامد والمثابر في الدفاع عن الحياة.
ننشر نص هذه الكلمة......
أيها السادة، إنني لا أخاطب الرأي العام خارج جمهورية البوسنة منذ مدة، ويجب أن أعترف أمامكم أنني أشعر بالمقاومة في داخل نفسي، وأنا أخاطبكم الآن، إن السبب بسيط: أتساءل هل من وراء ذلك أية فائدة أو هدف؟
ولم أسافر خارج البوسنة أيضًا منذ مدة لنفس السبب السابق، لذلك ستكون كلمتي هذه من سراييفو قصيرة جدًّا.
نحن نعيش الآن اليوم الـ ١١٥٤ «المائة والرابع والخمسين بعد الألف» من حصار سراييفو، وقد قتل في هذه المدة عشرة آلاف وخمسمائة رجل وامرأة وطفل في شوارع ومنازل ومكاتب العمل ومستشفيات وطوابير الخبز والماء في سراييفو، اسمحوا لي بعقد المقارنة التالية:
إذا قسمنا ١٠,٥٠٠ قتيل على ١١٥٤ يومًا من الحصار تكون نتيجتها أن كل سبعة عشر يومًا على مدى السنوات الثلاث الماضية كانت تقع في سراييفو كارثة بحجم كارثة أوكلاهوما سيتي.
وفي لحظات كتابتي كلمتي هذه أسمع دوي انفجارات القذائف التي تحصد حياة مزيد من الأبرياء.
إذن.. لا جديد في سراييفو: يستمر العدوان وموت المدينة.
ولا جديد في العالم أيضًا: نفس وجوه التخاذل والنفاق ومنتهى الجبن!! ويستمر الانهزام والتنازل أمام شروط وقوة المعتدي الصربي.
كما أن الصور في البوسنة لم تتغير، باستثناء الشعور بزيادة الفوارق أكثر من أي وقت مضى بين الضحية ومرتكب الجريمة، بين الحق وقوة السلاح، بين الديمقراطية والفاشية، وبين الإنسانية والوحشية.
ولم يبق على مسرح الأحداث سوى إملاء الشروط والقوة يقابلها شعبنا البطل الذي عقد العزم على مواصلة المقاومة، إذن يستمر مسلسل العدوان الصربي، وتنازلكم وانسحابكم ومقاومتنا نحن البوسنيين!! إنني لا أعلم في أية نقطة سوف تتقاطع هذه المنحنيات الثلاث، ولكن الشيء الذي أعلمه علم اليقين أن مقاومتنا ستستمر، وأنها- رغم كل التحديات- سوف تزداد قوة يومًا بعد يوم.
لقد حل شيء من الهدوء النسبي في مدينة سراييفو لعدة شهور قصيرة هزيلة، ثم قرر المعتدي الصربي وضع النهاية لذلك، وقبل أيام قلائل قام بقصف مبنى التليفزيون والإذاعة بصواريخ شديدة الانفجار، كأن العدو يسعى لإطفاء ضوء الشمس في سماء البوسنة، ليكمل دوره الإجرامي في وسط ظلام وسائل الإعلام!
إن العالم قد تراجع أمام إملاء الشروط بـ«عبارات الاحترام اللازم» كما قال أحد كبار موظفي الأمم المتحدة في رسالة اعتذاره إلى قيادة الصرب.
لقد استنتجت كبرى وصغرى قوى العالم من ذلك أن الدفاع عن مبادئ الحرية والديمقراطية أمر ذو خطورة، ففضلت الاستسلام للغة القوة، وهذا ما ينصحوننا به، يرددون دونما ملل: عليكم بالتفاوض، عليكم بالتفاوض، وهذا ما ينصحوننا به اليوم أيضًا في وقت صوب العدو الصربي نحو المدينة فوهات مئات المدافع الثقيلة!
إنه لمن إقرار الحق أن الدفاع عن المبادئ أمر ذو خطر، ولكن من إحقاق الحق أيضًا أن خيانة تلك المبادئ أخطر من ذلك.
وعلى الرغم من كل ذلك لم نفقد الثقة في عامة الشعوب وحكمهم على ما يجري هنا، لذلك أخاطبهم عن طريق جمعيتكم المحترمة «فورم کران مونتانا»، وأؤكد لهم أن أهم ما يجري على وجه الأرض هو ما يجري في مدينة البوسنة الآن؛ لأن كل ما كنا نؤمن به من الحقوق والحرية والعدالة يمكن أن يموت وينقرض تحت أنقاض هذه المدينة.
إننا هنا بدفاعنا عن وطننا البوسنة وشعبنا، ندافع- نيابة عنهم، وعن البشرية- عن القيم والمبادئ الأساسية للحياة، لذلك أصبح مصير مدينة سراييفو أمرًا يهم كل رجل وكل امرأة في العالم.
إن دعم تلك الشعوب ليقوي مقاومتنا، ولكننا سنواصل كفاحنا مع ذلك الدعم أو بدونه، وبإذن الله سينتهي كفاحنا بالنصر المؤزر العادل.