العنوان التأثير بالقيم
الكاتب د. علي الحمادي
تاريخ النشر السبت 22-أبريل-2006
مشاهدات 94
نشر في العدد 1698
نشر في الصفحة 56
السبت 22-أبريل-2006
من أراد إحداث التأثير الفذ فعليه أن يلج من باب مهم وسريع الفاعلية ألا وهو باب القيم والمبادئ وأن يقوم بتغيير القناعات وذلك بزرع القيم وإشاعة المبادئ، وهذا أيسر الطرق وأوضحها في آن.
إن الناس على استعداد لأن يضحوا بأنفسهم وأموالهم وأوقاتهم وبكل ما يملكون من أجل قيمة يؤمنون بها أو مبدأ يعتقدونه، وهذا مجرب ومعلوم.
ولكم تغنى الشعراء والحكماء والعقلاء والقادة المؤثرون العظماء بالقيم وسطروها في أقوالهم وأفعالهم، لذا تأمل معي ما ذكره زهير بن أبي سلمى حينما أكد مجموعة من القيم مثل الجود والمعروف والوفاء بالعهود والصدق فقال:
ومن يجعل المعروف من دون عرضه *** يفره ومن لا يتق الشتم يشتم
ومن يك ذا فضل فيبخل بفضله *** على قومه يستغن عنه ويذمم
ومن يوف لا يذمم ومن يهد قلبه *** إلى مطمئن البر لا يتجمجم
ومهما تكن عند امرئ من خليقة *** وإن خالها تخفى على الناس تعلم
وأبلغ من قول هؤلاء الشعراء وأحكم من أشعارهم ما ذكره الله تعالى في كتابه وما أوصى به نبيه في سنته، حيث ذكر الله ورسوله ما فيه غناء لمن أراد أن يعرف منزلة القيم، وإليك بعض الأمثلة على ذلك.
يقول الله تعالى مبينًا قيمة الإنسان، ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾(الإسراء: 70)، ويقول كذلك، ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾(النساء: 13).
وعن قيمة الأمانة يقول أبو هريرة في الحديث الذي يرويه البخاري بينما النبي صلى الله عليه وسلم في مجلس يحدث القوم جاءه أعرابي فقال: «متى الساعة فمضى رسول الله يحدث فقال بعض القوم: سمع ما قال فكره ما قال، وقال بعضهم بل لم يسمع، حتى إذا قضى حديثه قال أين السائل عن الساعة؟ قال: ها أنا يا رسول الله ، قال إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة قال: كيف إضاعتها؟ قال: إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة»...
وحدث أبو سعيد الخدري عن قيمة الصبر فقال «إن ناسًا من الأنصار سألوا رسول الله فأعطاهم ثم سألوه فأعطاهم حتى إذا نفد ما عنده قال ما يكن عندي من خير فلن أدخره عنكم، ومن يتعفف يعفه الله. ومن يستغن يغنه الله، ومن يصبر يصبره الله، وما أعطي أحد من عطاء خير وأوسع من الصبر». (صحيح مسلم) ويقول الله تعالى موضحًا قيمة العدل، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾(المائدة: 8).
أما عن قيمة الوفاء فيقول حذيفة بن اليمان في الحديث الذي يرويه الإمام مسلم «ما منعني أن أشهد بدرًا إلا أني خرجت أنا وأبو حسيل قال: فأخذنا كفار قريش، قالوا: إنكم تريدون محمدا، فقلنا: ما نريده. ما نريد إلا المدينة، فأخذوا منا عهد الله وميثاقه لننصرفن إلى المدينة ولا نقاتل معه، فأتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرناه الخبر فقال انصرفا، نفي لهم بعهدهم ونستعين الله عليهم».. ويقول الله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾(الإسراء: 34).
يقول الشيخ محمد الغزالي رحمه الله قد درسنا في مراحل ثقافتنا فلسفة الأخلاق ومناهج الفلاسفة ومقاييسهم لضبط سلوك البشر، وأعجبنا بما فيها من فكر عميق وتلمس للحقيقة واستشراف للمثل العليا ولسنا نغمط فضل أحد نشد الخير للناس واجتهد في إنارة السبل أمامهم، بيد أننا نلفت أنظار المنصفين إلى أساليب التربية الناجحة والأخلاق الرائعة التي جاء بها صاحب الرسالة الخاتمة ونقل بها العالم من الغي إلى الرشاد، وسوف يرون أن في الإسلام كنوزًا حافلة النفاس دونها ما ورث الناس من فلسفة اليونان والرومان.
وقيل لعالم مسلم: هل قرأت أدب النفس لأرسطو؟ فقال: بل قرأت أدب النفس لمحمد بن عبد الله.
وللذين تخلوا عن مبادئهم وقيمهم وأخلاقهم التي هي من صحيح عقيدتهم ودينهم وتاهوا باحثين عن مبادئ وقيم أخرى، نقول لهم ما قاله المبرد:
يا من تلبس أثوابًا يتيه بها *** تيه الملوك على بعض المساكين
ما غير الجل أخلاق الحمير ولا *** نقش البراذع أخلاق البراذين
(الجل: بضم الجيم البرذعة توضع على الحمار للركوب).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل