; هندسة التأثير: التأثير بالمقارنة المرجعية | مجلة المجتمع

العنوان هندسة التأثير: التأثير بالمقارنة المرجعية

الكاتب د. علي الحمادي

تاريخ النشر السبت 18-أبريل-2009

مشاهدات 87

نشر في العدد 1848

نشر في الصفحة 57

السبت 18-أبريل-2009

أراد أحد الغربيين أن يطور عمله فجاء إلى متر، ووضعه على طاولة (Bench)، ثم وضع علامات (Marking) على الطاولة لتكون المعيار أو المرجع الذي يستطيع به قياس عمله ومدى تطوره، فسمى هذه الطريقة بـ (Bench Marking) أو المقارنة المرجعية أو الأداء المرجعي أو المقارنة المعيارية.

فإذا أرادت إحدى المؤسسات «أو الأفراد» تطوير نفسها فإنها تنظر إلى أفضل المؤسسات في العمل الذي تقوم به أو تريد تطويره، ثم تقارن نفسها بها، وتحاول الاستفادة من جميع الممارسات الإيجابية فيها، وكذلك مما عندها من تميز ونقاط قوة.

وليس شرطًا أن تكون المؤسسة المرجعية تعمل في نفس المجال، بل ربما أحيانًا من الأفضل أن ترجع إلى المؤسسات التي لا تعمل في نفس المجال، فمثلًا من أسرار تقدم «إمارة دبي» هو إدارة المؤسسات الحكومية فيها بعقلية القطاع الخاص.

ولذلك لما أرادت دائرة «الطيران المدني» بدبي تحسين خدمة العملاء رجعت إلى الفنادق واستفادت مما عندها من تميز في خدمة العملاء.

ولما أرادت شركة «زيروكس» تطوير البيع والتسويق عندها، بحثت عن أفضل الشركات في البيع والتسويق، فتوصلت إلى ثلاث شركات استفادت منهن، وهي: «ماكدونالدز، وكنتاكي، وكرايزلر».

نقصد بالمقارنة المرجعية (Bench Marking) أن يحاول صانع التأثير تقليد أو اتباع ما قام به المؤثرون الناجحون سواء كان ذلك في طريقة التفكير، أو في منهجية التأثير، أو في أسلوب الأداء، أو في التقنيات المستخدمة، أو في برامج التأثير المختلفة، أو في غير ذلك.

كما نقصد بالمقارنة المرجعية أن يدرك صانع التأثير أن الناس سوف يتتبعون وربما يتربصون لأقواله وأفعاله ومواقفه وسلوكه، ولذا ينبغي أن يكون أكثر حذرًا واحتراسًا لما يصدر عنه من قول أو فعل، وأن يكون قدوة صالحة حتى يقتدي الناس به، وهذا ما يُطلق عليه التأثير بالقدوة.

وفي هذا يقول المولى عز وجل محذرًا من مخالفة هذا الأمر: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ،  كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (الصف: 2، 3)

يا أيها الرجل المعلم غيره

                    هلا لنفسك كان ذا التعليم

تصف الدواء لذي السقام وذي

                  الضنا كيما يصح به وأنت سقيم

لا تنه عن خلق وتأتي مثله

                 عار عليك إذا فعلت عظيم

ابدأ بنفسك فانهها عن غيها

                   فإذا انتهت عنه فأنت حكيم

فهناك يسمع ما وعظت ويُقتدى

                         بالعلم منك وينفع التعليم

لما جاء بعض الرقيق إلى الإمام الحسن البصري «يرحمه الله» يرجونه أن يخطب في المسلمين، ويحثهم على عتق العبيد، لم يستجب لما طلبوه، وإنما غاب ردحًا من الزمن ثم جاء للمسلمين فخطب فيهم خطبة اهتزت لها المنابر، واقشعرت لها الأبدان، وذرفت لها العيون، وخشعت لها القلوب، إذ حثهم على عتق العبيد، وأوضح لهم فضل ذلك وأجره عند الله تعالى، فلم يبق بعد هذه الخطبة أحد سمعها إلا وأعتق عبدًا.

وبعد ذلك سأل العبيد الحسن البصري عن سر غيابه وتأخره عن مثل هذه الخطبة، فقال: لم يكن عندي عبد، فذهبت لأعمل حتى استطعت أن أجمع بعض المال فاشتريت به عبدًا فأعتقته لله، ثم خطبت، فلما فعلت ذلك فعل الناس ما فعلت.

بل إن الحسن البصري كان إذا دخل السوق ترك المسلمون تجارتهم وقالوا: لا إله إلا الله، وذكروا الله كثيرًا بل قال تلميذه يونس بن عبيد: إن الرجل لينتفع برؤية الحسن البصري حتى لو لم يسمع كلامه ولم ير عمله.

وهذا محمد بن واسع كان إذا رؤي ذُكر الله تعالى، وكان جعفر الصادق يقول: إذا وجدت قساوة في قلبي اطلعت في وجه محمد بن واسع فاجتهدت أسبوعًا.

والتأثير بالمقارنة المرجعية له إيجابيات عديدة من أهمها: اختصار الوقت، وسهولة إقناع متخذي القرار بأهمية المشروع التأثيري وإمكانية نجاحه؛ إذ إنه جرب ونجح.

كما أنه يمكن به التعرف على ثغرات المشروعات المجربة في مكان آخر وسلبياتها والمشكلات التي واجهتها وكيفية علاجها، وبمعنى آخر فإن المؤثر لا يبدأ من الصفر. وكما أن للتأثير بالمقارنة المرجعية إيجابيات عديدة، فإن له أيضًا أخطار وسلبيات، ذلك لاختلاف الظروف، والأحوال، والبيئات، والقيادات، والمكان والزمان، وطبيعة المؤثرين، ونوعية المقارنة، والإمكانات المتاحة، والجمهور المستفيد، والثقافة السائدة، وغيرها.

لذلك ينبغي مراعاة بعض الضوابط قبل استخدام هذه الطريقة، ولعل من أهمها ما يلي:

  1. دراسة تجربة الآخرين عن كثب، والتعرف على أبعادها المختلفة، وإيجابياتها وسلبياتها، والعقبات التي واجهتها، وغيرها من نصائح وإرشادات منفذي التجربة الأصلية.
  2. العمل على تطويع التجربة لتتوافق مع ظروفك وطبيعتك وإمكاناتك.
  3. الرقابة الدائمة على المشروع التأثيري حتى ينجح ويستوي قائمًا.

وعلى كل حال، ورغم أهمية هذه الطريقة وإيجابياتها وأنها ممارسة من قبل كثير من الأفراد، إلا أننا لا ندعو إلى التمادي والإفراط في استخدامها؛ إذ ينبغي للفرد أن ينظر إلى واقعه ويبدع في صناعة التأثير فيه، ولا بأس بعد ذلك أن يستفيد من تجارب الآخرين ويطورها.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل