; التأمل والتعليم.. كما يراهما علي عزت بيجوفيتش | مجلة المجتمع

العنوان التأمل والتعليم.. كما يراهما علي عزت بيجوفيتش

الكاتب عبد الباقي خليفة

تاريخ النشر السبت 25-يونيو-2011

مشاهدات 61

نشر في العدد 1958

نشر في الصفحة 56

السبت 25-يونيو-2011

تاريخ الإمبريالية سلسلة من القصص الحقيقية لشعوب متحضرة شنت حروبًا ظالمة ضد شعوب أقل تعليمًا كل ذنبهم أنهم يدافعون عن أنفسهم وحرياتهم

التأمل... جهد داخلي للتعرف على الذات وعلى مكان الإنسان في العالم... أما «التعليم» فيواجه الطبيعة لمعرفتها ولتغيير ظروف الوجود

العالم وهو يصمم نوعًا جديدًا من المخترعات لا يتأمل إنما يفكر أو يدرس ويبحث ويختبر ويقارن... أما العابد والشاعر والمفكر والفيلسوف والفنان فإنهم يتأملون

الرجل لا يزال حاضرًا في المشاهد كلها، سياسة وثقافة وقد كان أجمل تعبير عن وفاء البوسنيين للراحل علي عزت بيجوفيتش، انتخاب ابنه باكر لرئاسة البلاد في أكتوبر ۲۰۱۰م، كما شهدت البوسنة عدة فعاليات، كان منها هذا الجهد المتواضع الذي نقدمه للقراء حول التأمل والتعليم ، كما يراهما علي عزت بيجوفيتش من خلال أعماله الكاملة التي طبعت مؤخرًا باللغتين البوسنية والإنجليزية.

يؤكد علي عزت بيجوفيتش أن الحضارة تعلم.. أما الثقافة «فتنور»، وأن الأولى «تحتاج إلى تعلم».. أما الثانية «تحتاج إلى تأمل». ويشرح علي عزت يرحمه الله التأمل بأنه: «جهد داخلي (جواني) للتعرف على الذات، وعلى مكان الإنسان في العالم»، ويميز بينه وبين التعلم أو الدراسة: «هو نشاط جد مختلف عن التعلم وعن التعليم وجميع المعلومات عن الحقائق وعلاقاتها بعضها بعضًا».

أما النتيجة فيحددها الراحل بمكوني الإنسان الروحي والمادي، «يؤدي التأمل إلى الحكمة والكياسة والطمأنينة، إلى نوع من التطهير الداخلي (الجواني)، الذي سماه الإغريق «قطرسيس»، إنه تكريس النفس للأسرار والاستغراق في الذات للوصول إلى بعض الحقائق الدينية والأخلاقية والفنية».

ورغم أن علي عزت يستلهم مبادئ القرآن في تفسيره للإنسان الموضوعي وهو ما حفلت به آيات الذكر الحكيم كقوله تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُ الْقُلُوبُ (28)﴾ (الرعد: الآية 28)، وقوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191) ﴾ (آل عمران: الآية 191). وقول الرسول ﷺ : «فكر ساعة خير من عبادة سنة»، إلا إنه اكتفى بالمعنى؛ لأن الخطاب موجه للعقل الغربي ابتداء.

ورغم الاحتفالية الزائدة بالعلمانية في الغرب، فإن علي عزت يشير في أحد هوامش أعماله إلى انتشار التنجيم في العصر الحديث بما لا يقارن بالعصور القديمة، رغم تقدم الحضارة، وهو ما يعني أن الجانب النفسي فرض نفسه وإن كان بطريقة خاطئة لتعويض الجوع الروحي في العصر الحديث.

التعليم والتأمل

ويمضي علي عزت في تعريف التعليم، وما يختلف فيه عن التأمل مظهرًا قدرة هائلة على التحليل: «أما التعليم فيواجه الطبيعة لمعرفتها ولتغيير ظروف الوجود، بينما يعنى التأمل بالفهم الخالص، بل إن الأفلاطونية الجديدة تزعم أنها طريقة للفهم فوق عقلانية».

الملاحظة التأملية، كما ينقل علي عزت عن «أرتور شوبنهور» متحررة من الإرادة ومن الرغبة إنها ملاحظة لا تتصل بوظيفة أو مصلحة» ... فالتأمل «ليس موقف عالم بل موقف مفكر، أو شاعر، أو فنان، أو ناسك»، ولا ينفي الكاتب أن يكون العالم متأملاً، ولكن ليس بصفته عالمًا، «وقد تعرض للعالم بعض لحظات من التأمل. لكنه يفعل هذا. لا بصفته عالماً، ولكن باعتباره إنسانًا أو فنانًا، فجميع الناس فنانون بشكل أو بآخر». ويقول: «يمنح التأمل قوة على النفس أما العلم، فإنه يعطي قوة على الطبيعة وتعليمنا في المدارس يزكي فينا الحضارة فقط ولا يساهم بشيء في ثقافتنا»...

ويتطرق إلى عدة قصص عن المتأملين المشهورين في التاريخ، تذكر لنا الأسطورة بان «بوذا» قبل أن يتلقى الإلهام، كان يقف على ضفة النهر طوال ثلاثة أيام نهارًا وليلاً مستغرقًا في التفكير، غير شاعر بمرور الوقت، وترك لنا «زينوفو» قصة مماثلة عن الفيلسوف «سقراط»، قال: «في صباح أحد الأيام كان «سقراط»، يفكر في أمر لم يجد له حلاً، فلم يستسلم بل استمر في التفكير من الفجر الباكر حتى وقت الظهيرة، ظل واقفًا لم يبرح مكانه مستغرقًا في تفكيره، وعند الظهيرة جذب وضعه اهتمام الناس، وسرت شائعة بين الجمهور المحب للاستطلاع أن سقراط لا يزال واقفاً منذ طلوع الفجر يفكر في شيء، وفي المساء، جاء رهط من الأيونيين. بدافع حب الاستطلاع، وقد أحضروا معهم الحصير فاضطجعوا عليه في العراء ليشاهدوا سقراط، وليروا ما إذا كان سيظل واقفًا طوال الليل، وظل سقراط بالفعل واقفًا حتى الصباح التالي، وما أن ظهر ضوء النهار حتى استقبل الشمس بالصلاة ثم انصرف الحال سبيله»..

لقد نجح سقراط، في هذه القصة فقد كان يعلم الناس الحكمة من خلال التأمل وجلبه الاهتمام واندفاع الناس لمراقبته وقتًا طويلاً، حقق به قصده وهو لفت الانتباه إلى التأمل والصلاة.

«تولستوي» و«نيوتن»

ويضرب لنا علي عزت قصة أخرى «لقد أمضى «تولستوي» حياته يفكر في الإنسان ومصيره بينما كان نيوتن نبي الحضارة الغربية، قد استولت عليه طوال حياته مشكلة الجسم الساقط».

ويقول: «أن تتأمل أو تتعلم أو تدرس نشاطين مختلفين أو نوعين من الطاقة يستهدفان اتجاهين متعارضين، أدى الأول ل «بتهوفن»، إلى إبداع السمفونية التاسعة وأدى الثاني ل «نيوتن» إلى اكتشاف قوانين الجاذبية والحركة»...

ويشدد على أن «التعارض بين التأمل والتعلم يكرر نفسه في التعارض بين الإنسان والعالم بين الروح والذكاء بين الحضارة والثقافة»..

تساءل علي عزت مرة قائلاً: « ما موضوع التأمل... ثم يجيب: في الطبيعة تستطيع أن نكشف العالم والإنسان في - حقيقة الأمر كل شيء يمكن اكتشافه - فيما عدا الذات الإنسانية أو الشخصية - إنه فقط من خلال هذه الذات نتصل باللانهائي خلال الذات، ومن خلالها فحسب تشعر بالحرية وندرك العالم . الآخر الذي نشترك معه في ميراث واحد وخلافًا لكل الكائنات الأخرى التي تحركها الغريزة الإنسان وحده فقط يستطيع أن . يشهد بوجود عالم الأرواح والحرية، وبدون - الذات يستحيل أن تشهد عالمًا وراء عالم الطبيعة لأن كل شيء آخر بجانب ذات الإنسان هو وجود (براني) ظاهري».

استغراق في الذات

يقر علي عزت بأن «التأمل استغراق - في الذات محاولة للوصول واكتشاف هويتنا وحقيقة حياتنا ووجودنا لهذا السبب، فالتأمل لا يحاول الإجابة عن أسئلة عن المجتمع أو البشر، إنه معني - فقط بالتساؤلات التي يضعها الإنسان أمام ذاته، وإذا دققنا النظر في التأمل، نجد أنه ليس وظيفة من وظائف الذكاء»..

وكعادته لا يترك علي عزت القارئ ضائعًا بين مفرداته وقوة معلوماته بل يضرب الأمثلة المتعددة والمتكررة حتى لا يبقى أمام القارئ أي ليس مهما كانت درجة استيعابه فالعالم وهو يصمم نوعًا جديدًا من الطائرات لا يتأمل، إنما يفكر - او يدرس ويبحث ويختبر ويقارن وكل هذه الأنشطة في مجموعها أو منفردة ليست تأملاً، أما العابد والشاعر والمفكر - والفيلسوف والفنان، فإنهم يتأملون إنهم يحاولون الوصول إلى الحقيقة الكبرى - السر الوحيد الأكبر».

هذه الحقيقة تعني كل شيء ولا شيء كل شيء بالنسبة للروح، ولا شيء بالنسبة لبقية العالم من أجل ذلك «كان التأمل نشاطًا دينيًا»

ويعود علي عزت لأبي الفلسفة «أرسطو».. «عند «أرسطو» الفرق بين العقل والتأمل هو الفرق بين الإنساني والإلهي».

في البوذية الصلاة مجرد تأمل، وفي المسيحية نجد أن طقوس الرهبانية التأملية ظاهرة جد منطقية، ويذهب الفيلسوف أسبينوزا» إلى أن التأمل أرقى شكل وهدف للأخلاق.

وفي الإسلام التأمل أفضل من عبادة سنة كما ورد في الحديث.

ويعطي علي عزت وجهًا آخر للمقارنة بين التعليم والتأمل؛ «التعليم وحده لا يرقى بالناس ولا يجعلهم أفضل مما هم عليه أو أكثر حرية أو أكثر إنسانية، إن العلم يجعل الناس أكثر قدرة أكثر كفاءة أكثر نفعًا للمجتمع».

ويؤكد: «لقد برهن التاريخ على أن الرجال المتعلمين والشعوب المتعلمة يمكن التلاعب بهم، بل يمكن أن يكونوا أيضًا خدامًا للشر، ربما أكثر كفاءة من الشعوب المتخلفة»..

كما «إن تاريخ الإمبريالية سلسلة من القصص الحقيقية لشعوب متحضرة شنت حروبًا ظالمة استئصالية استعبادية ضد شعوب متخلفة أقل تعليمًا، كان أكبر ذنبهم أنهم يدافعون عن أنفسهم وحرياتهم، إن المستوى التعليمي الراقي للغزاة لم يؤثر على الأهداف أو الأساليب، لقد ساعد فقط على كفاءة الغزاة وفرض الهزيمة على ضحاياهم»…

الرابط المختصر :