العنوان التأهيل الشعبي.. نظرة في إشكالية التحول الديموقراطي
الكاتب د. نجيب عاشوري
تاريخ النشر السبت 29-سبتمبر-2001
مشاهدات 62
نشر في العدد 1470
نشر في الصفحة 66
السبت 29-سبتمبر-2001
هل ترفض القوى السياسية المبادرات المحدودة التي تقدمها بعض النظم، أم تقبل بها بدعوى الخوف على جملة من المكاسب المحدودة جدًّا التي تحققت؟
إن النظر في هذه الإشكالية يقود إلى استنتاج أن الخطأ الأساسي الذي وقعت فيه القوى السياسية التي انخرطت في هذا الخيار هو التصديق بأن الحرية والديموقراطية يمكن أن يتوصل إليهما بهذا الشكل، واعتبار أن التقدم نحوهما بهذه الطريقة سيكون قدمًا، وأن ما يتم تحقيقه لا يمكن التراجع عنه، وقد أثبتت التجربة أن هذا وهم كبير.
ونتيجة هذا الخطأ هي الانغماس في العمل السياسي -وكأن الديموقراطية قد تحققت فعلًا- والاهتمام بالتأطير الحزبي، والعمل كل على حدة، لتحقيق غاياته وأهدافه الخاصة، من تكثير للأنصار، وإعداد للنفس للتمتع بمباهج هذه الانفتاحة الديموقراطية.
وقد أثبتت الأنظمة الحاكمة التي مارست ذلك النمط أنها لا تلقي بالًا، ولا تقيم وزنًا للتشكيلات الحزبية والجمعيات المستقلة، مهما بلغت قوتها النسبية، ومهما كان صداها الجماهيري وعندما تحين ساعة الجد، ينزل سيف القمع على القوى التي تمثل، أو يتوهم أنها تمثل خطرًا أو بديلًا، فيتم تفكيكها بصور عدة، تتباين في ضراوتها من بلد لآخر. والنتيجة واحدة، وهي تهميشها، وإخراجها من الساحة تمامًا إن أمكن ذلك، أو تحجيمها والحد من طموحاتها، ومن ثم استمرار الوضع على ما هو عليه، من إغلاق كامل وتام لباب التداول على الحكم بالأساليب السلمية، وهو جوهر الديموقراطية التي لا مغزى لها بدونه.
فما المخرج من هذا المأزق يا ترى؟.. هل هو نفض اليد نهائيًّا من هذه الأساليب، واعتبارها مجرد تمثيليات سخيفة لا تؤدي إلا إلى تأخير ساعة الحسم؟.. أم التعاطي معها بأساليب جديدة تساهم في التحول السلمي الديموقراطي المنشود؟
إذا استبعدنا الجواب الأول لأسباب لا تخفى على أحد، فإننا نعتقد أن المخرج من هذا المأزق يجب أن يقوم على الخلاصات التالية:
الخلاصة الأولى: أن التخلص من الاستبداد والديكتاتورية لا يكون دون ثمن.
والخلاصة الثانية: أن الأنظمة الديكتاتورية لا تتحول من تلقاء نفسها إلى أنظمة ديموقراطية وأن هذا وهم لا يجب الاستسلام له.
والخلاصة الثالثة: أن الهبات الشعبية ذات المطالب المحدودة، والحوافز غير السياسية، والنفس القصير، لا تشكل دافعًا لتنازل الأنظمة الديكتاتورية عن منهجها القائم على الاحتكار والإقصاء.
والناتج من هذه الخلاصات أنه على القوى صاحبة المصلحة في إحداث تغيير نوعي وحقيقي، استغلال المساحات المتوافرة من الحرية النسبية، لا للانخراط في عمل حزبي سياسي، بالمعنى الضيق والمباشر بل استغلال هذه الفترة -التي هي بطبيعتها محدودة مهما امتدت زمنيًّا- في العمل المشترك، الذي يضع نصب عينيه الارتقاء بالوعي الشعبي العام، نحو تبني مطالب سياسية واجتماعية ذات طابع جذري، تقطع مع أساليب الهيمنة والاحتكار والديكتاتورية، مما يؤهل الجماهير لأن ترفع في المستقبل هذا المطلب وتصر عليه وتنتهي بفرضه، كما حدث في بلدان أوروبا الشرقية، وجنوب شرق آسيا، ومؤخرًا في بلدان إفريقية، ليست أكثر وعيًا ولا ثقافة، ولا حرصًا على الحرية من شعوب عربية.
أما إنزال هذا الخيار عمليًّا على أرض الواقع، فيتم بأساليب متعددة.
غير أن الخطوة الأساسية والأولى في هذا السبيل هي:
1-اتفاق القوى السياسية والاجتماعية ذات التأثير الحقيقي أو المفترض على أرضية عامة مشتركة، الغاية منها توحيد الجهود داخل أطر جماهيرية تكون محاضن حقيقية للإعداد للتغيير المنشود.
2- بناء هذه الأطر الجماهيرية من منظمات وجمعيات تغطي مختلف المجالات الاجتماعية والسياسية والحقوقية، التي تستصحب في نشاطها مفهوم التوافق الديموقراطي الذي يؤطر الخلاف، ويوجه الجهود نحو بؤرة واحدة مشتركة، هدفها المعلن هو سد الطريق على قوى الردة.
3- الحرص على القراءة السليمة للواقع الاجتماعي، وتحديد مكامن القوة والضعف لكل من قوى الدفع إلى الأمام، وقوى الجذب إلى الخلف، لحسن إدارة الصراع.
4- ومما يجب تجنبه بأي ثمن، التنافس الحزبي الضيق، وإثارة الخلافات إلى الحد الذي تصبح معه مانعًا من العمل المشترك.
5- الحذر من التعويل على ما قد تبديه الأنظمة من مرونة نسبية، تجاه بعض الأطراف، وفي بعض الحالات للقفز على المراحل، إذا لم يتوافر الوعي الشعبي العام الضاغط والمانع لكل ردة أو نكسة.
ودون توافر هذا الوعي لدى القوى السياسية والاجتماعية التي تناضل، كل من موقعه، لإحداث هذه النقلة النوعية والضرورية في حياتنا السياسية، فسوف نظل إلى أمد بعيد نجني الخيبات تلو الخيبات نظير جرينا وراء ديموقراطية القطرة قطرة، بينما الماسك بالزجاجة يرى نهايته في نهايتها.
الرابط المختصر :