العنوان التاريخ القريب يكرر نفسه في تركيا
الكاتب مصطفى محمد طحان
تاريخ النشر الأحد 24-نوفمبر-1991
مشاهدات 55
نشر في العدد 977
نشر في الصفحة 26
الأحد 24-نوفمبر-1991
· حزب الوطن الأم قفز إلى السلطة في انقلاب للقضاء على الأخطار الثلاثة.
· مسعود يلماز: سأخدم الأمريكان وسأجتث الأصولية من جذورها.
· الدافع الأساسي وراء انقلاب سبتمبر 1980: التقارب التركي مع العالم الإسلامي والمبتعد عن إسرائيل.
«التاريخ يكرر نفسه» مقولة يرددها الكثيرون لأحداث تجري على الساحة يقارنونها بأحداث مُغرقة في القدم أما في تركيا فأحداثها السياسية اليوم تكرر بالضبط ما حدث عام 1977. ففي عام 1977 عندما بدأت الأصولية -كما يسمونها- والمتمثلة يومذاك في حزب السلامة الوطني تتصاعد نغمتها، وتوجه من خلال اشتراكها في الائتلاف الحكومي، السياسات العامة لتركيا الحديثة يومها دعا مجلس الأمن القومي التركي إلى لقاء طارئ تكلم فيه رئيس المخابرات التركية وقرأ على الحضور جزءًا من تقرير أعدته المخابرات الأمريكية وقدمته إلى الرئيس الأمريكي كارتر في بدء ولايته تطلعه على أهم الأحداث العالمية كان هذا الجزء يتعلق بالأوضاع في تركيا وتحدث التقرير بإسهاب عن خطر الأصولية في تخريب البنية الأساسية للسياسات العلمانية التركية واقترح التقرير بعض الإجراءات للحيلولة دون تصاعد المد الأصولي وكان منها تقديم موعد الانتخابات. في مثل هذه الحالة تتوه الأحزاب الصغيرة في متاهة ديمقراطية ليبرالية تعتمد على تزوير الأموال والرشاوي.
أما اليوم فسياسة حزب الوطن الأم على حافة الإفلاس فديون تركيا الخارجية تزيد عن الستين مليار دولار وفوائدها المركبة السنوية تحطم قيمة الصادرات الخارجية مهما سهلوا أسبابها وارتفعت أسعار الداخل من أجل زيادتها أما الأمن فهناك حرب مستمرة بين الحكومة والأكراد، فإذا أضفنا إلى الانهيار الاقتصادي والانهيار الأمني تصاعد المد الأصولي الذي أحدثه حزب الرفاه الذي هو امتداد لحزب السلامة فما الذي يكون قد حققه انقلاب سبتمبر 1980 الذي أعلن عسكريوه أنهم جاءوا للقضاء على الأخطار الثلاثة هل يعتبر ذلك إفلاسًا لحكومة أوزال التي تطوعت بكل طاقاتها لخدمة الأمريكان؟
في مارس 1991 في لقاء كبار التجار الأتراك والأمريكان الذي عُقد في الهيلتون - إستانبول قال مسعود يلماز إنه إذا انتُخب رئيسًا لحزب الوطن الأم فسيخدم الأمريكان الذين تعتبر خدمتهم خدمة للإنسانية جمعاء وإنه سيجتث الأصولية من جذورها وبالفعل فقد انتُخب الرجل رئيسًا لحزب الوطن الأم وعُمد رئيسًا للوزراء وجاء جورج بوش إلى أنقرة يثني على الرجل ويقول إن على الأتراك أن يعرفوا قيمته.
يقول العارفون أن العلاقات التركية - الأمريكية دخلت في مرحلة التعاون الاستراتيجي، وهي تختلف جذريًا عن علاقات الغرب السابقة بتركيا والتي كانت تتلخص باعتبار تركيا الموقع المتقدم للدفاع عن الغرب على طول الحدود مع الاتحاد السوفياتي ودول حلف وارسو. وبالرغم من أن الحرب الباردة قد انتهت والعلاقات بين الشرق والغرب أصبحت أقرب إلى التفاهم والتكامل منها إلى التناحر والاستقطاب إلا أن دورًا جديدًا خطيرًا للغاية يرقى إلى درجة الدور الاستراتيجي بدأ بالظهور.
فما هو هذا الدور؟
في 31 ديسمبر 1990 بعث أوزال برسالة إلى السيناتور الأمريكي بور يضع له سمات الدور الذي يمكن أن تلعبه تركيا في ظل الاستراتيجية الجديدة فهي:
1. تستطيع أن تزود إسرائيل ودول الشرق الأوسط بمياه نهري سيحون وجيحون اللذين تذهب مياههما هدرًا في البحر.
2. تستطيع أن تمتص الأصولية الإسلامية المتنامية في جمهوريات الاتحاد السوفياتي ودول البلقان وتقنع المسلمين وأغلبهم من أصل تركي باتباع النهج التقدمي الذي تسير فيه تركيا.
3. إبقاء النموذج التركي العلماني شامخًا لا تؤثر فيه الأصولية وقد تعهد رئيس الوزراء باقتلاعها من جذورها وبدأ بالفعل بإقصاء جميع الوزراء المتدينين، وتسريح جميع أفراد البوليس الذين يصلون وكان رئيس المخابرات التركية «ميت» حذر من تغلغل إسلاميين أصوليين إلى قوات الشرطة.
4. فإذا أضفنا إلى هذه الأسباب الهامة والاستراتيجية قضية الأكراد وقضية قبرص وقوة التدخل السريع المزمع تطوير مهمتها كل ذلك يجعل من تركيا مركزًا هامًا لصالح الإسلام أو لقمعه وهذا الأمر يضفي أهمية خاصة على الانتخابات التي قُدم موعدها إلى 20 أكتوبر.
فماذا كانت نتيجة الانتخابات؟
حصلت الانتخابات في جو مشحون بالقلق فتورغوت أوزال الذي يحكم تركيا عمليًا منذ انقلاب سبتمبر 1980، ورسميًا منذ عام 1983، وانتخب رئيسًا للجمهورية عام 1989، تورغوت أوزال الذي ولغ في الكسب الحرام وحول أقاربه إلى فئة تتحكم بالبلد ومصالحه وملياراته، كان يحلم أن يستمر حكمه أربع سنوات أخرى ولكنه فشل وتقدم عليه منافسه سليمان ديميريل زعيم حزب الطريق المستقيم.
ونستطيع أن نذكر بعض الملاحظات حول هذه العملية الانتخابية:
1. كانت نتائج الانتخابات كما يلي:
o 27% حزب الطريق المستقيم - حزب يميني يتمتع بتأييد التجار ومعظم النورسيين.
o 24% حزب الوطن الأم - حزب يميني، يتمتع بتأييد أصحاب المصالح وبعض الطرق الصوفية.
o 20,75% حزب الشعب – حزب يساري يتمتع بتأييد النصيريين بصورة رئيسية.
o 17% حزب الرفاه - حزب أصولي إسلامي، يتمتع بتأييد الإسلاميين في تركيا وخاصة المنطقة الكردية.
o 10,75% حزب الديمقراطي الاجتماعي - برئاسة أجاويد، وهو حزب يساري، يتمتع بتأييد الطبقات المثقفة وهو أقرب إلى العقائدية من حزب الشعب.
2. هذه النتائج تدل بوضوح على عودة القوى التي كانت ظاهرة في تركيا قبل انقلاب سبتمبر 1980. فسليمان ديميريل الذي كان يومها رئيسًا للوزراء يعود إلى موقعه ثانية ونجم الدين أربكان الذي كان مؤثرًا في مجرى الأحداث عاد بقوة أكبر فأصبح واحدًا من الأحزاب الكبيرة في البلد.
3. وتدل النتائج على أن حزبًا واحدًا لن يستطيع الحكم بمفرده، الأمر الذي يفتح الباب على مصراعيه لائتلاف حكومي لا يستبعد أن يكون بين حزب الطريق القويم وحزب الرفاه الإسلامي فتعود تركيا إلى أجواء السبعينيات المعادية للمغرب والصهيونية وإسرائيل مع عودة جميع الاحتمالات التي تُبنى على هذه السياسات.
4. أما الخيارات السياسية أمام الحكومة التركية القادمة، فتتمثل في: أ. التعلق بالغرب والانضمام إلى السوق الأوروبية المشتركة وهذا الخيار هو الذي راهن عليه أوزال طويلًا. وإذا كانت السوق الأوروبية المشتركة تتذرع في رفضها انضمام تركيا للسوق بأسباب منها: هشاشة النظام الديمقراطي في تركيا واستمرار احتلالهم لشمال جزيرة قبرص وسجل تركيا السيئ بالنسبة لحقوق الإنسان، إلا أن خوف الغرب من الإسلام ومن عدد الأتراك الكبير هو السبب الرئيسي الذي حال باستمرار دون قبولها ضمن أسرة المجموعة الأوروبية. ومازالت السياسات الأوروبية والأمريكية تتجاذبان مواقع التأثير في الساحة التركية. ب. «تركيا الكبرى»، وهو مصطلح بدأ يشيع استعماله على نطاق واسع داخل تركيا وخارجها هذا العالم الموجود بحكم الواقع منذ مئات السنين من البلقان وحتى سور الصين، بدأ يكتسب أهمية خاصة نظرًا للمعاني السياسية التي بدأت تصبغ عليه. والأتراك خارج تركيا هم:
o مجموعات في بلدان أوروبا الشرقية مثل: بلغاريا ورومانيا والمجر وبولونيا وتراقيا الغربية ويوغسلافيا.
o أتراك جزيرة قبرص.
o الأتراك الذين يعيشون في الجمهوريات السوفياتية والصين وفي كل من سورية والعراق وإيران وغيرها. يُقدر الباحثون عدد هؤلاء بمائتي مليون نسمة، يتوزعون على مساحات واسعة ودول متعددة لغاتهم متقاربة وأبجدياتهم مختلفة ولا يجمعهم غير الإسلام. أما المشاعر القومية التي بدأت بالظهور خاصة في السنوات الأخيرة فهي مشاعر متناقضة والصدامات بين الأتراك المسخيت مع الأتراك الأوزبك، والأتراك الأوزبك مع الأتراك القرغيز في الاتحاد السوفياتي مجرد مثال على هذا الكلام. تعتبر تركستان أقدم موطن للترك في التاريخ، وفقدت الآن وحدتها الجغرافية والسياسية وتوزعت بين:
o تركستان الشرقية «التي تحتلها الصين» وتُطلق عليها «سينغيانغ»، ويعيش الأتراك فيها ظروفًا بالغة الشدة.
o تركستان الغربية «التي هي جزء من الاتحاد السوفياتي».
o تركستان الجنوبية التي تقع في أفغانستان. إن قضية تركيا الكبرى من القضايا الهامة الاستراتيجية التي تهم جميع الكتل السياسية في العالم وللأسف الشديد فإن اهتمام أمريكا والاتحاد السوفياتي بهذا الموضوع يفوق اهتمام دول أو منظمات العالم الإسلامي. فالأتراك الذين يشكلون ست جمهوريات سوفياتية وجمهورية كبرى في الصين الشعبية وجمهورية ألبانيا، وأخرى في يوغسلافيا هناك إمكانية تحولهم جميعًا إلى الأصولية الإسلامية وهذه الكلمة تقلق الغرب والشرق وبإمكانها لو حدثت أن تغير موازين القوى العالمية.
o من أجل ذلك كان الغزو السوفياتي لأفغانستان.
o ومن أجل ذلك تسكت أوروبا الآن على تحطيم جمهورية البوسنة والهرسك واقتسامها بين الصرب والكروات وضم كوسوفو إلى الصرب.
o ومن أجل ذلك تعقد المؤتمرات الآن في تركيا وفي الاتحاد السوفياتي التي تدعو صراحة إلى اقتفاء الشعوب التركية إثر النهضة العلمانية في تركيا واستبدال الأبجدية العربية فيها باللاتينية. ولقد صرح أوزال رئيس جمهورية تركيا في جلسة تلفزيونية في يناير 1991 بأن أوروبا وأمريكا أوكلت إلى تركيا الاهتمام بالشعوب التركية وإبعادها عن الأصولية ودفعها للسير في طريق العلمانية الأتاتوركية. ج. أما الخيار الثالث فهو الخيار الشرق أوسطي والذي وضع أسسه ونادى به نائب رئيس الوزراء نجم الدين أربكان أثناء اشتراكه في السلطة ففي عهده في بداية السبعينيات انضمت تركيا إلى منظمة المؤتمر الإسلامي بعد أن كانت مجرد مراقب ويومها رُفع شعار السوق الإسلامية المشتركة وبدأت العلاقات التركية - العربية تسجل ارتفاعًا ملحوظًا. يذكر المراقبون السياسيون أن الدافع الحقيقي الذي يقف وراء انقلاب سبتمبر 1980 كانت سياسة تركيا المتقاربة من العالم الإسلامي المبتعدة عن إسرائيل بعد الانقلاب ومجيء أوزال إلى الحكم رُبطت تركيا بعجلة إسرائيل فالمخابرات التركية وثقت صلتها مع الموساد ومشاريع المياه التي أُعلن عنها مؤخرًا حرصت على تزويد إسرائيل بمياه نهري سيحون وجيحون.
تبادل المواقع بين أوزال وديميريل:
وهكذا أسفرت الانتخابات عن تقديم ديميريل على أوزال، والرجلان أبناء مدرسة واحدة فكلاهما من اليمين المدعوم من الولايات المتحدة ولقد عمل أوزال مدة طويلة في إطار ديميريل ولم تحدث الفرقة بين الرجلين إلا بعد الانقلاب العسكري عام 1980. الذي انتهز الفرصة فيه أوزال فتقرب للعسكر، بينما كان ديميريل يمر بأقسى أيامه السياسية.
وإذا كان الفارق بين أصوات الحزبين جزئيًا «لا يتجاوز 3%» إلا أن الفارق في عدد أصوات النواب كبير «يقرب من 65 نائبًا». ويرجع ذلك إلى قانون الانتخابات الذي كان أوزال قد فصله على مقاسه، بأن يأخذ الحزب الأعلى أصواتًا بقية أصوات الأحزاب التي لا تجتاز الـ 10% «النسبة المقررة لدخول البرلمان» فاستفاد ديميريل من هذه الميزة بعد أن أصبح حزبه أكبر الأحزاب.
أما التوقعات حول المسيرة السياسية خلال الفترة القادمة فقد تتمثل في:
1. إسناد الوزارة إلى ديميريل وحزبه «الطريق المستقيم» ومن غير المتوقع أن يستطيع هذا الحزب أن ينتشل تركيا من التضخم الهائل الذي وقعت فيه أو أن يوقف الانهيار الأمني الموجود بالفعل وستتفاقم الأمور سوءًا نتيجة عدم الانسجام القائم بين رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء.
2. سيحاول ديميريل أن يتجنب التحالف مع حزب الرفاه حتى لا يدخل في إشكالية مع الغرب أو الجيش وديميريل بطبعه سيئ وجريء في معاداته للإسلام، ولقد أعلنها أكثر من مرة بأنه هو وحده القادر على استئصال الأصولية من جذورها يصرح بذلك وهو مطمئن إلى أن أصوات النورسيين في أغلبها تصب في جرابه.
3. قد يكون الخيار الماكر الذي يراهن عليه ديميريل هو كسب عدد من النواب الموالين لأوزال، خاصة وأن أوزال قد أعلن في الراديو بأن عهده قد انتهى. فلا يستبعد أن يتجه نواب حزبه وهم من أصحاب المصالح إلى ديميريل فيصونون بذلك مصالحهم.
4. إن رقم 17% التي حصل عليها حزب الرفاه، هو قفزة كبرى لم يتوقعها أحد، وقد يكون لهذه القفزة مشاكلها الإيجابية والسلبية والأمر يتوقف على مقدرة الحزب على السير الحذر في هذه المرحلة القلقة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل