; التاريخ الإسلامي منائر لا حفائر | مجلة المجتمع

العنوان التاريخ الإسلامي منائر لا حفائر

الكاتب أ.د. عبد الرحمن علي الحجي

تاريخ النشر الثلاثاء 15-يناير-1985

مشاهدات 62

نشر في العدد 700

نشر في الصفحة 30

الثلاثاء 15-يناير-1985

منبر المجتمع

التاريخ الإسلامي منائر لا حفائر

بقلم: الدكتور عبد الرحمن علي الحجي

إن كافة المحاولات والخطط والمؤامرات التي حبكت ضد الإسلام في داخل الرقعة الإسلامية أم خارجها، عسكرية أو فكرية أو فنية على شكل أفراد أو تجمعات، أحبطت جميعًا بفضل الله تعالي، والحاضر منها كذلك، وبدأت في الانحسار ولكن الأمر الآن يتطلب ويندب الجهود الخيرة المتعاونة المنظمة للإتيان على الباطل من القواعد. 

كان ذلك واضحًا ومعلومًا خلال عصور الإسلام لكل من له دراية وعلم بهذه الأحداث، على أن هذا الموضوع متسع وعريض يمتد على طول  التاريخ الإسلامي منذ أنزل الله تعالى قرآنه على رسوله صلى الله عليه وسلم وحيًا من عند الله.

وأشد هذه كلها ما كان فكريًا داخليًا، سواء من خلال عرض الإسلام من أي جانب فيه أو من قبل جل المهتمين لأي جانب بدراسته أم ممن حمل اسمه ولبسوا زيه تسربت خفية بحسن نية أم التحفت بسواها جريًا على ما قام به إخوان الصفا أو المستشرقون الذين جمعوا من هذا وذاك.

 وهذا يوضع بجوار العروض المكتوبة لتقديم الأفكار والأوضاع والتوجهات المنبثة في أي من العلوم والمعلومات والمواد الدراسية، لتقدم بثوب العلم وستاره وبسرد يقصد منها الإشادة بكل ما هو غير إسلامي دعوة إلى معارضته، وهو أمر مكشوف ومردود ومرفوض وملفوظ.

 وهذان الاتجاهان- التشويه في عرض  التاريخ الإسلامي وتدسيس العتمة في المواد الدراسية المتنوعة- متجاوران يجريان في كثير من مناهجنا في المراحل الجامعية وغيرها، وهذا ما نعاني منه الآن في مواد دراسية كثيرة، نشهدها تقدمت في مقررات مكتوبة أو محاضرات مسموعة أو أنشطة أخرى منها مرئية على صور ربما قام بها البعض انجرافًا جهلًا أو اندفاعًا.

الحقيقة في هذه الأمور ناطقة تكشف الزيف وترمي بالزيد وتنطلق بالحق وتنادي بالإشراق لا سيما للمتخصصين، لكنها وإن بدت مخنوقة وغير مسموعة ومقهورة في أي وقت وظرف ويتولى حجبها جهات من أهل الأقلام والإعلام بمراكزهم العلمية ومناصبهم الرسمية يتم لكثير من هذا باستبطان الرغبة الذاتية مفروضة على وقائع  التاريخ وروحه وتصوراته بأسلوب تراعى فيه مقدار قوة مداه وسعة رفده لكن ذلك كله لا ينفع أمام الأقلام الحقة الفاضلة المتأصلة في ثنايا العلم والتخصص ووجائب الالتزام والصبر عليه بحثًا وقولًا وإشاعة وإضاءة، وإلا فكيف استساغ صناع الأوهام في تاريخنا خزعبلات بدت هزيلة لمن وردوها ورددوها ورادوها وكيف ارتضى البعض جلد الحقيقة بسياط الطغيان الفكري والنفسي وكيف استساغت من ذلك ورددت تزويرًا من «أربعة عشر قرنًا في الهجرة زالت والهجرة ما زالت» لتكون في زعمهم نهرًا عربيًا أخضر. فالهجرة قائمة بروعتها ومعانيها خلال القرون السالفة وستتسع تلك المعاني إن شاء الله في أقطار هذه الأرض لتنيرها. والخطورة تأتي من تسيير ثقوب وفتوق خلال أجواء إسلامية أو اصطنعت تلصيقًا لكلمات استرضاء للعواطف لينتقل على أثيرها المظلوم حبيبات استقطرتها ألوان من الحقد الدفين أو الجهل العميق أو التربية في أجواء لا تصح معها الأبدان والنفوس والتصور، وهي بحاجة إلى أن تدرك نفسها وتستدركها بحقائق الحياة وتبني مقوماتها لنرى بعيون بصيرة ما تندب حظها السالف لأيامها الخالية حين تعيش في مرابع النور أنبتتها هداية الله فقامت سامقة رائعة عالية صافية.

إن الإسلام دين الله الظاهر على كل ما عداه، أثقلت جوانب مجتمعه الأحداث وتقصيرات أهله في أوقات تضيق حدوده يومًا وآخر يزيد يحفظون على دوام رغم كل ذلك أربعة عشر قرنًا من الهجرة وهي ما زالت كذلك وتستمر إن شاء الله.

ومن أخطر ما في هذا الأمر أن تقدم أغاليط من خلال الكتب الدراسية المقررة في  التاريخ الإسلامي لا سيما في المراحل قبل الجامعة، وهي خطيرة بتدريسها وأعمار الطلبة وقدرة استقبالهم وتقبلهم.

وهذه تدعو إلى إعادة النظر وتبني غير هذا الأسلوب الوارد فيها، أسلوب يكون ثمرة لتبني الحقائق، إيمانًا بها وامتلاكًا لمستلزماتها وانسجامًا مع بنيتها، للمعاونة في عملية البناء الخير القائم القادم.

إن الكتب المقررة في  التاريخ الإسلامي في المراحل الإعدادية والثانوية في بلداننا المسلمة لا بد من أن تنحو منحى جديرًا بالرعاية المكثفة ليكون جديدًا ناصعًا غيورًا على الحقيقة العلمية والأمانة الموضوعية في ظل العقيدة الإسلامية وشريعتها الربانية، لإنقاذ هذه الحقائق مما نراه جائزًا حائرًا وضائعًا في كثير من صفحات هذه الكتب. وهي دعوة ليس فقط للقائمين على سياسة التعليم ومن بيدهم الكلمة التنفيذية بل وكذلك لمن كتبوه، فلا بد أن تبدل الكتب بأخرى غيرها بل لإعادة قراءتها ليروا هل يقبلون بها ويرتضون ما فيها ويحتملون أسلوبها؟

 إنه من الغريب أن نجد كثيرًا مما دون في هذه الكتب لا ينسجم مع التصور الإسلامي والتناول العلمي الأمين بكل جوانبه وعلميته، ووقائع تاريخه ومجريات أحداثه وطبيعة حقائقه.

 هل لو أعاد مؤلفوها النظر فيه لأقروا بنسبهم إليه أو أبقوا عليه جميعًا، بل هل لو تولاه مستشرق غیر مسلم سيقبله كله؟ وهذا هو مصدر الدهشة بالكتب التي أجرت سطورها أيادي إسلامية لتكون مقررات يدرسها فتية في مثل هذه الأعمار وعلى مدى سنين هم أمانة عزيزة تعدها لمستقبل الأمة الكريمة.

جرت فيها الأفلام قهرًا بالتأكيد على الجانب القومي وبشكل مفتعل ملصوق، بحاجة وبدون حاجة، لا يكاد يمكنه معه التعرف على طبيعة هذا  التاريخ الإسلامي الواضح، حتى لكأنك بهم ساووا بين  تاريخ الجاهلية والإسلام، فكله عندهم  تاريخ العرب، فهم دائمًا لديهم أهل حضارة وفضائل وخلق، وليس الإسلام في زعمهم إلا مرحلة في  تاريخ العرب، وهم أبقى وأدوم.

فبينما أجروا الكتب هذا المجرى وقد فاتهم أن يقروا بأن العرب وغير العرب بدون الإسلام وعلى الدوام لا شيء، مشركين كافرين ضالين تائبين متخلفين في كل الميادين معذبين في الدنيا والآخرة أشد، وهم وغيرهم كانوا بالإسلام كل شيء، وكل البشر في ذلك سواء. 

ومكانة الإنسان في إسلامه ومقداره بقدر التزامه بتقوى الله واتباع شرعه 

﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (الحجرات: 13) وكذلك «لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى» وبدون ذلك استحقوا هم وغيرهم من أمثالهم في كل الأمم والأجيال والعصور قول الله تعالى في القرآن الكريم:

﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ (الأنبياء: 98).

ومع فداحة هذه الكتب بالأخطاء العلمية التي فيها وضع وترويض الوقائع التاريخية والتعليلات الضعيفة فقد أخطأت كذلك في الجانب الفني والتربوي من حيث مراعاة مساحة كل حدث بمقداره ومراعاة استيعاب الطلبة حسب أعمارهم وكذلك نوع الهدف التربوي المطلوب من وراء تدرب هذه المادة الأساسية لإعدادهم إعدادًا خيرًا فاضلًا كريمًا بعلمية ومنهجية وخلقية أمينة رصينة.

والنقص والنقائص والفضائح العلمية في هذه الكتب المدرسية في عرضها للتاريخ الإسلامي غريبة قاصرة مثخنة بالأوضار لا بد من أن يلقى بها في الأنقاض، لتدفن على ملأ من الناس، إثر تقديم الحقائق المثيرة.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل