; التاريخ.. عبرة الزمن وحق الأمم | مجلة المجتمع

العنوان التاريخ.. عبرة الزمن وحق الأمم

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر السبت 10-يناير-2004

مشاهدات 64

نشر في العدد 1584

نشر في الصفحة 47

السبت 10-يناير-2004

التاريخ حق الأمم تتزود من موائده العبر والعظات، وترى فيه مصارع الطغاة والظلمة، ونهاية المفسدين والضالين وتنظر إلى منازل العاملين والمخلصين، فتقيم حاضرها على الاقتداء بالطيب ومجافاة الخبيث، وتعد لمستقبلها ما يحميه من الضلال والفساد، ﴿وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ﴾ (إبراهيم:45).

وتاريخنا في هذه الأيام لا ندري بأي مداد سيكتب، ومعالمه بأي لون سترسم، وقد حمل من الحوادث ما يندى له الجبين، ومن الوقائع ما تقشعر منه الأبدان، لقد صحبنا هذا التاريخ إلى غابة من الطغاة، وإلى جبال من الظلم، وإلى متاهات من الفساد الذي عمّ وطمّ، حتى ترك الأمة حطامًا في تيه وصحاري مهلكة، تحوطها الذئاب وتتخطفها السباع، والطغاة اليوم قد جمعوا أسوأ ما في الطواغيت قبلهم، فهم أنانيون، ومغرورون، وساديون، وسفاحون، وقتلة، ومفسدون، وجاهلون ومدمرون... إلخ، ومع هذا يحمون طبقة من المخربين الذين يكونون دكتاتوريات أخرى داخل الشعب يسمون به «مراكز القوى»، لهم دول داخل الدول يقول عنهم مصطفى أمين: كانوا برامكة بغير رشيد، وفصحاء في أمة مكتومة الأنفاس مقطوعة الألسن، يسرقون كل مقدرات الناس حتى أقواتهم، وينهبون الشركات والمؤسسات، ويحرقون ما بقي منها وهكذا تكثر الحرائق التي تحدث عند الجرد لإخفاء السرقات، وهذه بعض النتائج، وتلك أشياء طبيعية لسنوات طوال، كان اللص فيها مواطنًا شريفًا، لأنه يهتف للحاكم، والشريف مجرمًا أثيمًا، لأنه ينتقد الحاكم، هذه نتيجة طبيعية الظهور طبقة من الآلهة الذين لا يجرؤ أحد على انتقادهم، أو يشير إليهم، وإلا قطعت اليد كلها، هي نتيجة طبيعية لتوهم الكثيرين منَّا أن المقربين من الحكام هم حماتهم، لا يجوز اتهامهم، ولا يمكن محاسبتهم، أو الاعتراض عليهم، وهذه نتيجة لأننا جعلنا الجهلاء رؤساء العلماء، واللصوص حراسًا، والعميان قادة للمبصرين، والمجانين في موقع القرار، ووضعت السلطات في يد مجنون واحد وكيف لا يتسرب إذن الخراب إلى المال الذي يتولى إدارته اللصوص؟ وكيف لا ينهار الاقتصاد الذي يديره الجهلاء المعتوهون؟ متى يستقيم الأمر إذا قاد الأعمى البصير، والجاهل العالم والمجنون العاقل، والخسيس النبيل، والوضيع الشريف؟ تلك هي حالة دولتنا، وكانت النتيجة التي لا مفر منها أبدًا، هي تحطيم كل شيء على أيدي السفهاء المأجورين النفعيين الذين لا يظهرون إلا إذا ساد الظلام، كخفافيش الخرائب، وبقايا النفايات، فلا حول ولا قوة إلا بالله».

هذه حالة دول حكاها رجل متصل بالأوضاع ومطلع على خبايا الأمور، ومعايش لهؤلاء وهؤلاء وقد ذهب الرجل إلى ربه، وقد بقي التاريخ يحكي الآلام ويقص الفساد والضلال، ويتكلم الحقائق التي ما استطاع أحد أن يبوح بها في وقت من الأوقات.. هذه واحدة.

 

أما الثانية: فهي الكذب: ماذا يستطيع أن يقدم هذا الكم العجيب من العاهات للأمة حتى تنهض، أو تتفادى الخراب؟ ولهذا كان الغش والكذب هو المخرج، فعاش الشعب تحت هذه المظلة البيئية، وكان ضحية الخداع والتضليل فكذبنا بشان حقيقة قوة جيشنا، فكانت الهزائم هنا وهناك، وكذبنا بشأن حالتنا الاقتصادية حتى جاء الإفلاس، وكذبنا بشأن حالتنا الصناعية والزراعية، حتى كدنا نموت جوعًا ونتكفف الناس وكذبنا في التربية والتعليم حتى صرنا في ذيل الأمم، وبعدنا عن التكنولوجيا والفكر، وفاتنا ركب التقدم والحضارة وكذبنا في العدالة والقانون، حتى صرنا نندم على عصور سبقت ونبكي على ايام خلت أيام كان الحاكم فاسدًا، فصار اليوم مثالها مهلكًا مجنونًا بالخراب وسفك الدماء.

الثالثة: امتهان إنسانية الإنسان: لقد رجع تاريخ حقبتنا بنا إلى العصر الحجري وإلى عصور الهمجية التاريخية، وتصرفت دكتاتوريتنا في هذا العصر في حق الشعب بما يندى له جبين الإنسانية، ستجد في عالمنا المعاصر من قتل حرقًا بالنار، مثل حادثة قتل الشهيد حسين شعبان حين صُب عليه الكحول وهو حي معلق على صليب، وأُشعِلَت فيه النيران، وستجد وترى من رُبطِت به المفرقعات، ونُسِفَ نسفًا، وستجد من دُفِنَ حيًا وأُهيلَ عليه التُراَب بعد تعذيب يشيب منه الولدان، لا يَرحم شيخًا أو صغيرًا، حيث كانت تعذب الرجال، فإذا صمدوا عن الاعترافات الكاذبة التي تُلفن لهم جيء بأولادهم الصغار فعذبوهم أمام آبائهم وأمهاتهم لكي يجبروهم على الاعتراف بما لم يفعلوا، وقد تفيض الأرواح قبل النطق والاعتراف، وجيء بالزوجات أمام الأزواج، ليعذبن وتنتهك حرماتهن حتى يكن أداة ضغط وتعذيب، وكان من تفيض روحه في أثناء التعذيب يدفن في الجبال في أماكن مجهولة، ويُبلغُ عن هروبه، لقد كان هؤلاء الطغاة بدل استيراد التكنولوجيا، أو اكتشاف المخترعات يستوردون خبراء التعذيب للإشراف على تعذيب الخصوم، وتدريب فريق يتولى ذلك، وهذا ما أهلك إنسانية الإنسان وأصاب الناس بالإحباط وقتل الطموح والإحساس في نفوسهم، وأصابهم بالإحباط وعدم المبالاة، لما كان يستعمل معهم من كل أنواع التعذيب المستورد وغير المستورد من استعمال للكلاب، والصعق بالكهرباء، والتعليق والضرب، وعدم النوم والحرمان من الطعام حتى ترتب على ذلك انتشار كثير من الأوبئة والأمراض، وأصيب البعض بالجنون والصرع والأمراض النفسية.

الرابعة: الجبن والعمالة والتخريب: سيروي التاريخ تلك الحروب الجبانة التي كان يجريها الطغاة لتفريق الأمة وبذر العداوة فيما بينها، فحاربت مصر اليمن وصدرت المؤامرات والاغتيالات، وحاربت العراق إيران والكويت وحرب الحدود بين كثير من البلاد العربية التي عمقت العداوات، وأضافت بعدًا جديدًا للتدابر والتناحر لصالح الأعداء.

ورغم ذلك ترك العدو الأصلي وهو «إسرائيل» يرتع في فلسطين، ويغزو بعض البلاد العربية، ويفعل ما يريد ويهدد من يشاء، وسمح للاستعمار أن يحتل ويقتلع من يشاء، والجبن يسكت أصحاب الديار، ويخلع قلوب الدكتاتوريات المرتعدة، وهذا هو تاريخ حقبتنا الذي سيكتب ويقرأ ويعيش حتى تستفيد منه الأمة في نهضتها إن شاء الله، ويكون عبرة لمن أراد أن يتذكر، أو أراد نهوضًا.

الرابط المختصر :