; التاريخ يعيد نفسه | مجلة المجتمع

العنوان التاريخ يعيد نفسه

الكاتب الدكتور محمد حسن هيتو

تاريخ النشر الثلاثاء 22-يناير-1980

مشاهدات 74

نشر في العدد 466

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 22-يناير-1980

إن آيات المواعظ والاعتبار التي وردت في القرآن الكريم لم يكن المراد بها أبدا جيلا من الأجيال، أو زمانا من الأزمنة، وإنما هي آيات عامة لكل زمان ومكان، ولكل أمة وجيل.

كما أن الله عز وجل عندما سرد علينا قصص الأمم السابقة؛ لم يكن ذلك للتسلية، وإنما كان لضرب الأمثال، وإيقاظ الهمم، وإشعار الناس أن ما أصاب غيرهم من الأمم، من الذل والهوان، وإنما هو مصيبهم، ونازل بهم، إن هم ساروا على طريقتهم ونهجوا نهجهم، ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ ۗ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ (يوسف:111).

والتاريخ دائمًا يعيد نفسه لتكون حوادثه المستمرة شاهدًا على أن قوانين العدل الإلهية سارية على جميع أمم الأرض سريان الزمان، لا يفلت منها عربي ولا عجمي، ولا صغير ولا كبير، ولا غني ولا فقير.

وما أكثر ما في التاريخ من العبر....

ولكن أين المعتبر؟

لقد أكرم الله الأمة العربية بدينه الذي ارتضاه ورسوله الذي اصطفاه فدانوا به، وساروا على نهجه، وضحوا من أجله فكانوا خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر ويؤمنون بالله.

ولذلك أيدهم الله بنصره، وملكهم أرضه، وأمكنهم من قيادة العالم تظلهم راية الإيمان، وتجمعهم عقيدة التوحيد، ويحدوهم الأمل برضاء الله.

غايتهم تبليغ دينه، وهمهم إعلاء كلمته، هذه سيرتهم أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأيام الخلافة الراشدة أمة طلبت الموت في سبيل الله فوهبت لها الحياة.

وانتقلت الخلافة لبني أمية في دمشق واستتب لهم الأمر في صدر دولتهم، فكثرت فتوحاتهم، واتسعت رقعة الأرض الإسلامية على أيدي الأبطال المجاهدين، يسوسهم أناس يحسبون لكل صغيرة وكبيرة حسابها، إلى أن اضطرب أمرهم، وتنازعوا الملك فيما بينهم. وساروا فيه سيرًا غير محمود فغربت شمسهم بعد الشروق وأفل نجمهم بعد البزوغ، وزالت دولتهم بعد حكم دام تسعين سنة وثلاثة أشهر وثلاثة أيام...

قامت دولة بني العباس، وتعاظم أمرها. وازدادت فتوحاتها واستتب لها الملك والسلطان في ديار تناءت أقطارها، وتباعدت مسافاتها، كان الرشيد فيها يتحدى السحاب الذي لن ينزل إلا في أرض يأتيه خراجها أينما نزل...

فازدهرت الحضارة، وتقدمت العلوم، وأنشئت المدارس والجامعات، وبنيت المراصد والمكتبات، وصارت بغداد حاضرة العالم، يشع منها نور العلم والمعرفة، ويشع في جنباتها الترف والنعيم.

وخلفاؤها يسوسونها خير سياسة ساهرين على وحدتها حريصين على كرامتها وعزتها يتنافسون على اتساع رفعتها، واستتباب أمنها وازدهار رقيها وحضارتها.

إلى أن أحدق بهم الترف، واستبدت بهم الشهوة، وغلب عليهم الهوى، فصاروا يتسابقون في الملذات بعد أن تركوا الفتوحات ويخلدون إلى مجالس اللهو والشراب وبدلًا من أن يصولوا في ميادين الجهاد، وقد نسوا ما كان قبلهم من العبر، وغفلوا عما أحدق بهم من الخطر.

فاضمحل أمرهم، ووهى سلطانهم، حتى استبد بهم قوادهم وولاتهم وتشتت ملكهم وصار الواحد منهم لا يملك لنفسه ضرًا ولا نفعًا علاوة عن أن يملك لغيره خفضًا أو رفعًا. 

وهم مع ذلك نائمون وفي ترفهم غارقون لم توقظهم المحنة ولم تنفعهم العبرة إلى أن أتاهم قدر الله بما لا يرد.

فظهر التتار بزعامة جنكيز خان على حدودهم وبدأوا بشن الغارة عليهم، وأخذت مقاطعات المسلمين تسقط الواحدة تلو الأخرى بأيديهم.

فسقطت بخاری وقتل فيها ما يزيد عن عشرين ألفا من المسلمين.

ثم سقطت سمر قند وقتل بها ما يزيد على خمسين ألفا.

ثم سقطت خراسان، ثم الري ثم همدان ثم زنجان ثم قزوين ثم أذربيجان ثم تبريز ثم مرو ثم نيسابور.

وكلما دخلوا مدينة جعلوا عامرها خرابا ومعالمها يبابا، ويهدمون المساجد والمدارس ويحرقون الكتب والمصاحف ويقتلون الرجال والنساء والصبيان ويعيثون في الأرض الفساد.

وتوالت على أيديهم النكبات وتساقطت المدن العامرات، فحال ضياء ديار الإسلام إلى ظلام، وتبدلت الملذات إلى الأحزان والآلام.

ورغم هذا لم يصح المسلمون من سكر الترف والنعيم ولم يحاولوا أن يستيقظوا من سباتهم الذميم.

وانتقل الأمر إلى هولاكو، فسار على نفس المنهج ووالى الزحف في بلاد المسلمين يقتلع القلاع ويملك الحصون ويسبي النساء ويقتل الأطفال والرجال.

وعزم على دخول العراق بل بغداد... حاضرة العالم ومركز الخلافة التي أخضعت الدنيا لسلطانها يوما ما ومنبع العلم والثقافة ومجمع الفقهاء والأدباء ومرتع القواد والأمراء ذات الأبهة والجلال والعز والجمال.

والخليفة المستعصم بالله في لهوه وقصفه يلعب بالطيور ويلهو مع الجواري ويخلد إلى اللذة والنعيم.

وإذا نبه إلى استفحال أمر التتار وما يجب عليه من أخذ الأهبة وإعداد واتقاء ما عسى أن يصيب الخلافة منهم قال: أنا تكفيني بغداد، وهم لا يستكثرونها علي إذا تنازلت لهم عن باقي البلاد ولا يهجمون علي وأنا بها وهي بيتي ودار مقامي...؟!

أمور يضحك السفهاء منها *** ويبكي من عواقبها الحليم

ودخل هولاكو بغداد سنة ٦٥٦ه‍ فوضع الخليفة في بساط ورفسوه بالأرجل حتى مات، وقتل الأعيان والعلماء والقواد والأمراء فوجًا بعد فوج.

واستباح بغداد بجنوده ما يزيد عن ثلاثين يوما، فقتلوا فيما يروى ألف ألف وثمانمائة ألف من المسلمين «1.800.000»

وهدموا المساجد والمدارس ودمروا البيوت والقصور وأحرقوا المكتبات بعد أن ألقوا بكثير من التراث الإسلامي في نهر دجلة مما جعل ماءه يتضخم بالسواد لعدة أيام حدادًا على ذلك التراث الخالد الذي أضاعه أهله.

وجهر النصارى بشرب الخمور وأكل الخنزير بل أرغموا المسلمين على أن يشاركوهم في ذلك بعد أن أجبروهم على الفطر في رمضان، ومنعوهم من الجهر بالأذان وأعطي بيت الخليفة لرجل نصراني...

وسقطت خلافة بني العباس... بعد حكم دام خمسمائة وأربع وعشرين سنة.

وهل اعتبر المسلمون بما آل إليه اللهو والترف والنعيم والخلود إلى الشهوة والمتعة والهوى؟

لا...

فها هم بقية خلفاء بني أمية في الأندلس يسلكون نفس الطريق، بعد أن أقاموا فيها أعظم معالم الحضارة التي أضاءت الدنيا، وأثارت ظلمات الحياة، والتي لا زالت آثارها إلى يومنا هذا شاهدًا على عزهم ومجدهم.

إلا أنهم لم يعتبروا بسنن الأولين من أجدادهم الأمويين وأقرانهم العباسيين فأخلدوا إلى حياة الترف وأكبوا على اللهو وتكالبوا على الملك فجعلوا من مملكتهم القوية الجبارة ممالك صغيرة مهانة، فضعفت شوكتهم وانهارت قوتهم وتجرأ عليهم النصارى فبدأوا بغزوهم وأخذت مدنهم تتساقط في أيديهم وملوك الطوائف ينظرون بل ينتظرون أن يأتيهم قدر الله المحتوم إلى أن سقطت غرناطة آخر معقل من معاقل المسلمين في الأندلس في يد فرديناند بعد أن سلمها أبو عبد الله عام ١٤٨٦ م. كما سقطت بغداد في أيدي التتار.

وحدث للمسلمين فيها من المآسي ما لم نشرع له هذا المقال مما يصدع القلب، ويدمي الفؤاد ومما لا يكاد يصدق من فظاعته وبشاعته.

وانتقلت الخلافة العباسية إلى بني عثمان الذين أعادوا لها مجدها وعزها وأرجعوا لها سلطانها وهيبتها، وبدأت جيوش المسلمين تتوغل ثانية في مشارق الأرض ومغاربها، وأخذت معاقل الصليبيين تتساقط الواحدة تلو الأخرى تحت قوى ضرباتها وصارت القوة الأولى والعظمى على وجه الأرض تخفق في جوانبها رايات التوحيد وتسودها شريعة الله إلا أن أحفاد أولئك الأبطال الميامين من خلفاء بني عثمان نسوا ما كان قبلهم من الدروس والعبر فحاق بهم ما حاق بمن قبلهم من بني أمية وبني عباس.

هل سيظهر من حكام المسلمين من يقسم قسم المعتصم؟ 

وسقطت الخلافة العثمانية في عهد الخليفة الراشد السلطان عبد الحميد الذي لم يمكن من إصلاح ما أفسده من سبق وكان سقوطها على يد اليهودي للماكر مصطفى كمال في عام ١٩٢٤م.

وأخذت صيحات المخلصين تتوالى صباح مساء من أجل استدراك ما فات، بتوحيد الصفوف وتجميع القوى تحت راية العقيدة والإيمان إلا أنه السميع ولا مجيب.

بل زادت الفرقة، وتمزق شمل الأمة ونشأت فيها الأفكار الهدامة والمبادئ المنحرفة، والقيادات الإلحادية.

وظهرت الدعوة إلى القومية فزاد الشتات واتسعت الهوة بين الشعوب الإسلامية ورسمت الحدود الإقليمية- بفعل الدول الاستعمارية التي تكالبت على أمة الإسلام- من أجل أن يسهل عليهم القضاء عليها.

وأخذ التاريخ يعيد نفسه ليعيد إلى الأذهان مآسي سقوط المقاطعات الإسلامية في أيدي التتار والممالك الأندلسية في أيدي الصليبيين.

فاقتسم المستعمرون الشرقيون والغربيون البلاد الإسلامية التي سلبت من الدولة العثمانية.

والمسلمون ينظرون...

وقسمت البلاد الإسلامية إلى عربية وأعجمية.

والمسلمون ينظرون...

وقسمت البلاد العربية إلى دول ودويلات.

والمسلمون ينظرون...

وأبعد شرع الله عن الحكم في البلدة تلو الأخرى.

والمسلمون صامتون...

وعاد العدو يسلب ما أعطى ويبيد ما أبقى.

فسقطت فلسطين في يد اليهود...

والمسلمون غافلون...

وتبعتها القدس، والضفة وسيناء والجولان والمسلمون لاهون...

وأقيمت المجازر والمذابح للمسلمين في كل بقعة من بقاع الأرض ونحن في الملذات مقيمون...

لم تهتز أفئدتنا ولم تبك قلوبنا ولم نقلع عن لهونا.

إذاعاتنا تذيع صباح مساء ما يندى له الجبين من أغاني الفرح والمجون، مما لا تفعله أعتى الأمم وهي في أوج انتصاراتها، فما بالنا ونحن نعاني من الهزيمة تلو الهزيمة...؟!

وسقطت باكستان الشرقية في أيدي القوات الهندية التي كان يدعمها الاتحاد السوفيتي ونحن نسمع ونرى، وبدأ الثأر من المسلمين في أبشع صورة فماذا فعلنا.

وها هو الاتحاد السوفيتي يغزو أفغانستان فتتساقط مدنها في أيديه ويبيد الشعب المسلم فيها فماذا نحن فاعلون...؟!

وغدًا ستتم بقية المسرحية وينفذ البرنامج المتفق عليه بين الشرق والغرب، فيأخذ الغرب نصيبه من التركة مقابل ما أخذه الشرق.

وها هي إسرائيل ترسم حدودها من الفرات إلى النيل.

وها هم المستضعفون ينادون ويستغيثون...

رب وامعتصماه انطلقت *** ملء أفواه الصبايا اليتم

لامست أسماعهم لكنها *** لم تلامس نخوة المعتصم

فهل سيظهر في حكام المسلمين من يقسم قسم المعتصم ويعيد ذكرى صلاح الدين...؟

أم أننا سننتظر انتظار المستعصم حتى تتساقط بقية البلاد بأيدي الغاصبين المعتدين...؟

وعلى كلا الحالين إننا لعلى يقين بأن النصرة لهذا الدين.

﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (الحجرات:9)

فيا حكام المسلمين عامة...

ويا حكام العرب خاصة...

إن مئات الملايين من المسلمين لينتظروا منكم الجواب ولسان حالهم يرد:

هلا تبنى زعيم ساحة فينا *** كما تبنى صلاح الدين حطينا

واستنصر الله والإيمان رائده *** وعقد العزم أن يفني أعادينا

فقد سئمنا حياة الذل وانبعثت *** فينا الحمية، ما مات الرجا فينا

فهل من مجيب يريد أن يسطر اسمه في سجل الخالدين مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين...؟

أم أننا نردد قول الشاعر:

لقد أسمعت لو ناديت حيا *** ولكن لا حياة لمن تنادي

ونار لو نفخت بها أضاءت ***ولكن أنت تنفخ في الرماد

إن الأمر جد والخطب جلل والزمان لا يتسع للتردد فإن سيف البغي قاطع وسمه ناقع وما أصدق نصر بن سيار حين قال:

أرى خلل الرماد وميض جحر *** ويوشك أن يكون لها ضرام

فإن النار بالعودين تذكى *** وإن الحرب أوله كلام

وان لم يطفها عقلاء قوم *** يكون وقودها جثث وهام

فإن يك قومنا أضحوا نياما *** فقل هبوا فقد حان الحمام

فإن كانت لكم يومًا عليهم *** فذاك القصد وانقطع الكلام

وإن ظفروا فما تحمي حريم *** لكم عنهم ولا البيت الحرام

فموتوا في ظهور الخيل صبرا *** كما قد مات قبلكم الكرام

ولا تتدرعوا أثواب ذل *** وعار قد تدرعها اللئام

فإن الضيم لا صبر عليه *** لمن شهدت بسؤدده الآثام

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2173

112

الثلاثاء 01-نوفمبر-2022

نظرات اقتصادية في سورة البقرة (6)

نشر في العدد 62

117

الثلاثاء 01-يونيو-1971

الإسلام و.. الثروة

نشر في العدد 77

104

الثلاثاء 14-سبتمبر-1971

الحقّ الذي عاد..