العنوان التجاوزات في الجمعيات التعاونية إلى متى؟
الكاتب صلاح العيسي
تاريخ النشر الثلاثاء 08-نوفمبر-1988
مشاهدات 78
نشر في العدد 890
نشر في الصفحة 10
الثلاثاء 08-نوفمبر-1988
مسلسل التجاوزات- بشتى صوره- مستمر في الجمعيات التعاونية الكويتية دون انقطاع... وكان آخر هذه التجاوزات ما حدث في جمعية الجهراء، وهي كبرى الجمعيات التعاونية في الكويت... وهذه ليست الحلقة الأولى في تجاوزات جمعية الجهراء، إنما هي حلقة في سلسلة طويلة... بدأت منذ سنوات، وستبقى في السنين القادمة ما لم يتم وضع علاج جذري لأسباب المشكلة.
وما حدث في جمعية الجهراء ليس حدثًا فرديًا، إنما المتورطون فيما حدث كثيرون!! والحادثة ليست مقتصرة على جمعية الجهراء، وإنما هي حادثة متكررة في أكثر من جمعية، لعل أبرزها جمعية الصليبخات التعاونية!! وكل الاخبار تقول: إن هناك ملفًا متكاملًا لأكثر من جمعية تعاونية جاهز أمام المسؤولين في وزارة الشؤون لاتخاذ قرار الحل.
إذن نحن أمام ظاهرة خطيرة في البلد، وليس حدثًا عابرًا أو موقفًا شاذًا!! وأمام هذه الظاهرة التي لا نرى في الأفق ما يبشر بانتهائها، فإننا نود الوقوف عندها قليلًا، أو الحديث عنها بصراحة، بسبب التجاوزات العديدة في تلك الجمعيات.
ما هي أسباب الظاهرة؟
واضح لأول وهلة أن الشخص الذي يقبل الرشوة، أو يتلاعب بالأسعار من أجل تحقيق بعض المكاسب المادية هو شخص نفسه ضعيفة، والخلل يكمن في داخله، إما بسبب عاداته التي تسمح له بارتكاب مثل هذه الأفعال، وإما بسبب ضعف الوازع الديني لديه، وفي كلا الحالتين فإن الضعف يكمن داخل الفرد، الأمر الذي قد لا يمكن حله في المدى القصير ... إذن لا بُدَّ من البحث عن الأسباب التي توصل هذه الشخصيات الناقصة الأهلية إلى مجلس إدارة الجمعية التعاونية... وإذا كانت نتيجة البحث ستوصلنا إلى أن صلة القرابة وقوة الرابطة تجعل القريب مقدمًا على الكفء هو سبب الظاهرة، فإن مثل هذا الأمر أيضًا لا يمكن حله في المدى القريب... ولا بُدَّ من البحث عن سبب مباشر لهذه الظاهرة.
يبقى أمامنا سبب رئيسي لهذه الظاهرة تتفرع منه أسباب وهو قانون 29/1979 والخاص بتنظيم أعمال الجمعيات التعاونية... الذي فتح فيه باب الترشيح لكل شخص من أهل المنطقة السكنية دون قيد أو شرط، الشيء الذي أوصل أفرادًا يديرون جمعية تعاونية فيها أموال تصل إلى ملايين الدنانير، وهم لا يعرفون فك الخطوط، ولم يلتحقوا يومًا بمدرسة... فهل يعقل هذا؟
هذا أمر... الأمر الآخر... أن نفس القانون أجاز لوزير الشؤون تعيين ثلث أعضاء مجلس الإدارة... أي ثلاثة أشخاص إضافة إلى التسعة المنتخبين، وفي هذا ضمان- إلى حد ما- لعدم انحراف مسار الجمعية؛ حيث يشعر بقية الأعضاء بجهة رقابية من الحكومة تمنع حدوث أي تلاعب يمكن أن يتم، ولعل كثيرًا من التعاونيين طالب باللجوء لهذا الحل الجزئي ليشكل نوعًا من الرقابة... ولكن للأسف فإن هذا الحق قد يستخدم في جمعيات لم يشهد لها تاريخها أي تلاعب في أموالها، مثل جمعيات مشرف والسرة ... ولا يستخدم في جمعيات أخرى أولى به.
الأمر الثالث ... إننا جميعنا سمعنا عن العديد من التلاعبات التي حدثت في هذه الجمعية أو تلك، ولكن من منا سمع عن معاقبة المتلاعبين... أو إحالة المتجاوزين إلى النيابة والتحقيق؟! وليت الأمر وصل عند هذا الحد، بل تعداه إلى أن يتم حل مجلس الإدارة الذي قام بالتجاوزات العديدة، ثم يفاجأ الجميع بأن مجلس الإدارة الجديد والمعين فيه العديد من الوجوه القديمة التي قامت بتجاوزاتها العديدة!! ترى هل هناك من يرتدع من أصحاب النفوس الضعيفة في المستقبل إذا رأى هذا «التكريم» لمن يتلاعب بأموال الجمعية؟
الأمر الرابع والأخير... إن جميع التعاونيين يلاحظون أنه حتى المجلس المعين من قبل وزارة الشؤون يقوم بنفس التجاوزات التي نفذها المنتخبون!! وهذا يعني أن الوزارة وقعت في نفس الدائرة التي وقع فيها الناخبون... وهي تعيين البارزين اجتماعيًا حتى ولو على حساب الأمانة والنزاهة والخبرة والثقافة.
ما هو الحل؟
ينادي بعض التعاونيين وغيرهم إلى اللجوء إلى التعيين كحل لهذه المشكلة، ونحن نظن أن هذا ليس حلًا سليمًا 100%... ولعل قيام بعض المجالس المعينة بنفس تجاوزات المجالس المنتخبة، لهو خير دليل على ما نقول، كما أننا لا نستطيع في أي لحظة أن نرفض خيار الشورى والديمقراطية، ونطالب بالتعيين بدلًا منه؛ لأن التعيين سيزيد المشاكل سوءًا.
ولعل الحل الأنسب وكما طرحه تعاونيون آخرون... هو في وضع ضوابط معينة على المرشحين لهذه الأماكن الحساسة... ففي بريطانيا مثلًا، نجد أن المرشح لمجلس إدارة جمعية تعاونية لا بُدَّ له أن يجتاز اختبارًا معينًا تقاس فيه قدرات المرشح المختلفة، ومن لا ينجح لا يحق له الترشيح... أما هنا في الكويت فلا بأس من اشتراط شهادة علمية محددة.
الأمر الثاني... أنه لا بد من تطبيق قانون العقوبات الكويتي على من يقوم بمثل هذه التجاوزات... فحل مجلس إدارة معناه وجود مخالفات... وعدم إحالة أولئك المخالفين معناه تجاوز القانون الكويتي، وتهاون في تطبيق نصوصه، وتشجيع مباشر لكل نفس ضعيفة للاستمرار والاندفاع في اتجاه التلاعب والاختلاس... وهذا أمر لا نظن أن وزارة الشؤون تقبله.
الأمر الثالث... أنه لا بد من كل عضو مجلس إدارة أن يقدم ورقة بممتلكاته وأمواله لحظة دخوله المجلس، وأخرى في نهاية العام، فحديث الناس عن أسماء محددة قد بنت العمارات من جراء تجاوزاتها المالية... وبشكل صريح ومعروف للجميع... أمر لا يقبله أحد... وممكن كشفه بسهولة.
ختامًا:
منذ سنتين تقريبًا ونحن نسمع أن هناك قانونًا جديدًا سيصدر لتنظيم أعمال الجمعيات التعاونية... ولقد آن الأوان للإسراع في صدور هذا القانون... شريطة الاستماع إلى وجهة نظر اتحاد الجمعيات التعاونية والشخصيات التعاونية العديدة في البلد، حتى نضع جميعًا حدًا ونهاية لمآسي الجمعيات التعاونية، متفائلين بحماسة الشيخ بو صباح للتطوير والإصلاح والقضاء على الأخطاء.