العنوان التجديد والمراجعة والنقد الذاتي
الكاتب د. عصام العريان
تاريخ النشر السبت 09-نوفمبر-2002
مشاهدات 68
نشر في العدد 1526
نشر في الصفحة 42
السبت 09-نوفمبر-2002
الإجماع على أمر فرعي من أمور الدين مطلب مستحيل يتنافى مع طبيعة الدين
التجديد والمراجعة والنقد الذاتي تحتاج إلى جو من الحرية والأمان.. وليس من الإنصاف التقليل من العوامل التي تعوق ذلك أو تبطئ من سيره
كان الإخوان أسبق التيارات الإسلامية إلى إجراء المراجعات في سجون عبد الناصر وتصدوا المحاولات الغلو التي ظهرت آنذاك
وجود خلاف في بعض القضايا الجانبية لا يسمى تجديدا
في رؤية الإخوان: الصدام مع الحكومات مرفوض والحوار معها مطلوب.. والتعايش معها ضروري
حين خرج الإخوان من السجون في السبعينيات لم يكن لديهم ما يعتذرون عنه.. بل كان النظام هو الحريص على الاعتذار لهم عن سنوات القهر والمحن والمعاناة. وصدور قانون العفو العام دليل على ذلك
كتب جمال سلطان مقالًا في عدد أكتوبر من مجلة «المنار الجديد» الفصلية التي تعنى بالبحوث والدراسات الإسلامية، أعادت جريدة «القاهرة» نشره في 22/10/2002م، وقدم له رئيس تحريرها صلاح عيسى، داعيًا إلى الحوار حول ما تضمنه من قضايا وأفكار تتعلق بما يدور داخل جماعة «الإخوان المسلمون» من حوارات ونقاشات.
وأود في البداية أن أشكر الصديقين على اهتمامهما بالإخوان المسلمين وما تطرحه الجماعة وما يتردد عنها، وفتح الحوار حول ما تضمنه المقال من مسائل يجب إلقاء الضوء عليها؛ لأنها لا تهم الإخوان فقط، بل تشغل بال الكثيرين من العاملين للإسلام والمراقبين للحالة الإسلامية ومختلف الفصائل والقوى السياسية والاجتماعية.
ولا بدّ في البداية من تحرير بعض المفاهيم حتى لا يحدث اختلاط في الرؤى.
أولًا: الإخوان المسلمون دعوة وفكرة ورسالة قبل أن تكون هيئة وجماعة وتنظيمًا، وأكثر ما يسعد الإخوان أن تنتشر فكرتهم وتزدهر رسالتهم، وتنتصر دعوتهم، وأن يحملها أكبر عدد من البشر، لذلك كان من كلام مؤسس الجماعة: «كم منا وليس معنا»، وطالما ردد قادة الإخوان: «نحن نريد أن يحكم الناس بالإسلام، لا أن تحكم نحن».
ومن الطبيعي أن يكون هناك اختلاف واختلال فيمن ينضم للحركة تجاه هذين الأمرين، ومن الطبيعي أنه في حال اليسر والانفتاح، يسود تيار الدعوة، وفي حال الشدة والعسر يتغلب تيار الحفاظ على التنظيم.
ولعل في كلام الشيخين «فيصل مولوي»، و«فتحي يكن» الذي نقله جمال سلطان ما يؤيد أهمية إعادة التوازن إلى الصف الإخواني عندما يختل الميزان
ثانيًا: الإخوان المسلمون دعوة تجديدية وفق نشأتها فهي كما سماها مؤسسها: «دعوة الإسلام في القرن الهجري الرابع عشر»، وهي ليست جامدة على قوالب ثابتة، وقد تحدث البنا في المؤتمر الخامس عن إسلام الإخوان المسلمين فقال:
«نحن نعتقد أن أحكام الإسلام وتعاليمه شاملة تنتظم شؤون الناس في الدنيا وفي الآخرة».
«وإلى جانب ذلك، يعتقد الإخوان أن أساس التعاليم الإسلامية ومعينها هو كتاب الله تبارك وتعالى، وسنة رسوله الله ﷺ، وأن كثيرًا من الآراء والعلوم التي اتصلت بالإسلام وتلونت بلونه تحمل لون العصور التي أوجدتها، والشعوب التي عاصرتها، ولهذا يجب أن تستقى النظم الإسلامية التي تحمل عليها الأمة من هذا المعين الصافي... حتى لا تلزم عصرنا لون عصر لا يتفق معه، والإسلام دين البشرية جميعًا».
«وأيضًا يعتقد الإخوان أن الإسلام جاء أكمل وأسمى – من أن يعرض لجزئيات هذه الحياة وخصوصًا في الأمور الدنيوية البحتة، فهو يضع القواعد الكلية في كل شأن... ويرشد الناس إلى الطريق العملية للتطبيق عليها...».
هذا الحديث نحن في حاجة إليه لتبيين كم تحمل دعوة الإخوان من أفكار تجديدية بخلاف ما يتهمها به خصومها.
ثالثًا: الإخوان يرحبون بالحوار والجدال بالحسنى والنقاش الحر النزيه، كيف لا وهم يعتقدون أن الخلاف في فروع الدين أمر لا بد منه ضرورة وأن الإجماع على أمر فرعي من أمور الدين مطلب مستحيل يتنافى مع طبيعة الدين وأنهم يعتذرون لمخالفيهم في الفروع؟! ذلك كله من أجل أن تتوحد الجهود والهمم حتى يكون العمل أجدى والإنتاج أعظم وأكبر، وموجز ذلك كما قال البنّا:
«الإخوان يجيزون الخلاف ويكرهون التعصب للرأي ويحاولون الوصول إلى الحق ويحملون الناس على ذلك بالطف وسائل اللين والحب» (رسالة دعوتنا).
الشورى
ويعمل الإخوان وفق لوائحهم الداخلية المنشورة بمبدأ «الشورى» في كل تشكيلاتهم كما كانوا في حال الوضع القانوني، وكما هم الآن في البلاد التي تسمح لهم بذلك، وفي المنافي التي خرج إليها إخوان من مختلف البلاد، بل وفي السجون عندما يعتقلون، ولذلك فهم يحترمون مبادئ مثل اختيار الأفراد لمسؤوليهم اختيارًا حرًا، وتجديد هذا الاختيار بصورة دورية لإتاحة الفرصة للمحاسبة والتغيير واتخاذ القرارات بآلية الحوار، وطرح البدائل، ثم التصويت واحترام قرار الأغلبية، مع وجود محاسبة دورية لمراجعة نتائج العمل الميداني، مما يتيح مراجعة القرارات وتغييرها.
ولقد عرف الإخوان طوال تاريخهم عقد مؤتمرات خاصة وعامة، وكان من بين ذلك مجلس الشورى المعروف الذي كان مجرد تصوير دخول الأفراد إلى اجتماعه عام ١٩٩٥م، دليلًا قدمته أجهزة الأمن في قضيتنا المشهورة «8جنايات عسكرية»، وقد وصل إلينا من تراث الإخوان مؤتمرات ست قبل الثورة ولا ندري كم بعدها.
رابعًا: التجديد في تقديري عملية بناء وهدم مستمرة لیست ظرفية ولا ترتبط بوقت، وإذا كان التجديد في الأفكار والرؤى، فإن ذلك يكون أصعب ويحتاج إلى مزيد من الوقت والحوار والإقناع في جو هادئ، أما إذا كان في مجال الإدارة والتنظيم، فإنه يكون أسهل نوعًا ما، مع ملاحظة صعوبة الفصل بين الفكر والإدارة، لأن الإدارة تنبع أساسًا من فكر أيضًا، وملاحظة طبائع المجتمع المصري الذي يخاف من التغيير، ويتوجس من الجديد وملاحظة صعوبة التغيير في التنظيمات السياسية والاجتماعية في مجال الإدارة خاصة إذا كانت قديمة وتاريخية.
لذلك، فإنني أتحفظ على وصف الخلافات في بعض القضايا الجانبية بأنها تجديد، وكذلك إضفاء وصف «تيار» على أفراد – كلهم لهم احترامهم وتقديرهم - اختلفوا في مناسبات محددة ومرتبطة بعوامل متعددة، لعل أقلها تأثيرًا هو قضية «التجديد» نفسها. ولا شك أن التجديد والمراجعة والنقد الذاتي، كل ذلك يحتاج إلى جو من الحرية والأمان، لكي تنتج ثمارها، ومن هنا فليس من الإنصاف التقليل من أثر العوامل التي تعوق تلك العملية المستمرة أو تبطئ من سيرها كالضغوط الحكومية والحصار السياسي والمطاردات الأمنية، فضلًا عن حال التنافس السياسي والفكري. ولعلي لا أبالغ في القول بأنني لم أشهد حوارات ثرية وقوية داخل الإخوان مثلما رأيت في حالتين الأولى أثناء دورة مجلس الشعب ۸۷ – ٩٠، وبعدها حتى عام ۱۹۹۳م، وأثمرت الورقتين الشهيرتين حول المرأة في المجتمع المسلم والشورى، وتعددية الأحزاب في المجتمع المسلم «صدرتا في مارس ١٩٩٤م».
والحالة الثانية داخل السجن بعد انتهاء المحاكمات، حيث كان «الأمن والأمان»، فلا مطاردات ولا اعتقالات!
خامسًا: لا بد من تصحيح ما يقال عن صراع الأجيال داخل الإخوان، فتصوير الأمر على أنه هناك «حرس قديم» يواجه «جيلًا جديدًا» أو «تيار التجديد»، وأن الخلاف ليس بين تيار الجديد والقيادة العليا، بل هو مع القيادات الوسيطة، فذلك تبسيط شديد للمسائل.
أجيال وراء أجيال
الإخوان الآن ومن واقع القضايا الأمنية ذاتها، تعرف 7 أجيال «إذا اعتبرنا كل عقد جيلًا بذاته»، أو 4 أجيال، إذا أخذنا في الاعتبار عوامل أخرى: هناك جيل عاصر التأسيس، وهناك جيل عاصر فترة الازدهار في بداية الخمسينيات، وجيل نشأ عقب بداية المحن عام ٥٤ واستمر حتى تنظيم ١٩٦٥م، وهناك جيل السبعينيات كما يطلق عليه، وهناك أجيال جاءت بعد ذلك في الثمانينيات والتسعينيات، بل هناك جيل من عرف به «تنظيم الأطفال» وقد أصبحوا الآن شبابًا في الجامعات أو تخرجوا منها!
وداخل كل جيل من هؤلاء هناك تصنيفات متعددة، قد تكون هناك آثار أو صفات عامة نتيجة ظروف النشأة وبيئة التربية والعوامل المجتمعية وغيرها تطبع كل جيل بطابع عام، إلا أنه يصعب إضفاء صفة عامة تطبع أفراد جيل ما بطابع خاص كالتشدد أو المرونة، الانغلاق أو الانفتاح.
ولكن ما يجمع هذه الأجيال جميعًا ويزيد لحمتها أمور كثيرة، كالغايات العليا، والأهداف المشتركة، والسمت العام، والاتفاق على المنهج، وقبل ذلك وبعده الحب في الله والهم المشترك في البحث والسعي إلى رضوانه وجنته.
وفي كل مجتمعات الإخوان هناك حوار متصل وخلاف لا ينتهي ونقاش حار بين هذه الأجيال، لكن كل ذلك لا يؤدي إلى فرقة وشقاق إلا في النادر، تمنع ذلك أمور كثيرة منها أن مساحة الاتفاق تكون دائمًا أكبر بكثير من قضايا الخلاف، ومنها أن روح الشورى هي الأساس، وعمادها عند الإخوان اتخاذ القرارات بالتصويت واحترام رأي الأغلبية، مع استمرار المراجعة ووجود آلية لتغيير القيادات باستمرار، ومنها أنه ليست هناك مغانم ولا مكاسب، بل هي تضحيات مستمرة.
إذن ما بين أجيال الإخوان هو تكامل لا تناقض، حوار لا شقاق، هناك بلا شك خلافات في وجهات النظر لكنها دائمًا وفي الأغلب تنتهي عند اتخاذ القرار.
سادسًا: قضية المراجعات وما أثير حولها خاصة في الأحاديث الصحفية يجب أن تكون في الإطار الزمني الذي تجري فيه.
لقد كان الإخوان أسبق التيارات الإسلامية إلى المراجعات والتصحيح في السجون وبعد انتهاء محاكمات ١٩٦٥م، والإعدامات في ١٩٦٦م، ومع التعايش داخل العنابر، ظهرت أفكار متشددة، ومغالية وصلت إلى حد تكفير المجتمع أو النظام، وأمعنت في الغلو عند قراءة كتابات الشهيد سيد قطب، وابتعدت كثيرًا عن الفهم الوسطي المعتدل والمنهج التأسيسي للإمام البناء وتصدى الإخوان لتلك الأفكار، وقام المرشد الثاني المستشار حسن الهضيبي بتشكيل لجنة قامت برصد كل القضايا المثارة وبحثها وتمحيصها، وكان نتيجة ذلك كله بحث صدر في كتاب «دعاة لا قضاة»، في مراجعة شجاعة لم توقفها هالات الشهادة، وحجم التضحيات ومعاناة السجون.
قواعد للعمل الإسلامي
بعد مراجعات مستمرة طوال سنوات المحن، خرج الإخوان وقد تخلصوا تمامًا من أوهام العجلة والتسرع التي تسببت في تعاونهم مع انقلاب يوليو وبذلك أصروا عقب خروجهم على قواعد عامة للعمل الإسلامي.
الإصرار على العمل الدعوي والتربوي السلمي الهادئ المتدرج.
مواصلة السير على منهج التأسيس الوسطي المرن والبعد عن الغلو والتشدد.
البحث عن مساحات الاتفاق والمشاركة مع كل القوى الفكرية والسياسية في المجتمع.
العمل على حماية الشباب من الانحرافات الفكرية أو الحركية برفق وحكمة، مما أدى إلى انضمام آلاف الشباب إلى الحركة، أما من أصر على انتهاج مناهج أخرى سواء في الحركة «العنف»، أو الفكر «التشدد والغلو»، فلم يتركهم الإخوان، بل بذلوا جهودًا طويلة لإقناعهم، ولكن قدر الله غالب.
الحرص دومًا على عدم الصدام مع الحكومات المتتالية، بل فتح قنوات الحوار والاتصالات، وعدم قطع شعرة معاوية أبدًا.
الاهتمام بالمجتمع والتأثير الإيجابي فيه لإحياء قيم الإيمان ومعرفة الله والحرص على طاعته وقيم العمل والإنتاج والإيجابية، والحرص على الوقت وغيرها، والعمل من خلال مؤسسات المجتمع نفسها لنشر الفكرة الإسلامية.
العمل العلني وسط الناس والانفتاح على المجتمع مع الحفاظ على خصوصيات الكيان الإخواني.
ولقد أثمرت هذه القواعد ثمارًا طيبة ولم يشوش مسيرة العمل الإسلامي إلا الذين رفضوا الالتزام بهذه القواعد، فلم يرتبطوا ابتداء بمنهج الإخوان ولم يقتنعوا رغم المحاورات الطويلة «التي شاركت فيها شخصيًا طوال السبعينيات»، فاتجهوا اتجاهات مختلفة كان أبرزها:
الانقلابات العسكرية.
تغيير المنكر باليد والقوة، ثم الدخول في دوامة الضغط على الحكومة من خلال العمل العنيف المسلح والاغتيالات واستخدام أوراق النصارى والسياحة وغيرها.
العزلة والهجرة وتكفير المجتمع.
المدرسة المتشددة والرافضة للمعاصرة وذات الرأي الواحد، وعدم احترام التخصص الفقهي، كالمدارس الفقهية وتعددها، واستيعاب الاختلافات.
كانت نتائج تلك المرحلة أن حدث تمايز في الحركة الإسلامية بين تلك المدارس المختلفة، وباعدت الأحداث الدامية بين الإخوان كتيار عريض له امتداداته الشعبية الواسعة، وعلاقاته السياسية المتشابكة، وبين بقية الفصائل الأصغر والأعلى صوتًا.
ثم جاءت مراجعات «الجماعة الإسلامية» الأخيرة، وكان الإخوان من المرحبين بها، وكان التركيز على أمرين أساسيين، إضافة إلى ضرورة مراجعة أسباب العنف وعلاجها.
الأول: إنهاء ملف العنف بصورة تامة، مما يحجم أي اتجاه نحوه في المستقبل.
الثاني: المطالبة بغلق ملف الاعتقال السياسي وتفريغ السجون من الاف المعتقلين على ذمة احداث العنف.
ولم يستدرج الإخوان لعقد مقارنات بينهم وبين غيرهم، لأن الظروف والملابسات مختلفة، كما لن يدخل الإخوان في جدل عقيم حول صراعات أو خلافات مع الاتجاهات الأخرى، لأن مبدأنا الثابت مع كل الاتجاهات الإسلامية هو السعي للتقريب بينها، والحوار الجاد معها في إطار المحبة والولاء لله، والأخوة الإسلامية الصادقة، والعمل من أجل نهضة الأمة الإسلامية.
عندما حاول البعض الربط بين مراجعات الجماعة الإسلامية ومبادرتها لوقف العنف ومطالبة الإخوان بمراجعات أخرى، حول مسيرتهم الدعوية، لم يكن ذلك التوقيت مناسبًا ولا سليمًا، لأن الإخوان حرصوا طوال العشرين سنة الماضية على التمايز تمامًا، وعدم الدخول مع الفصائل الأخرى، في أي خلافات أو صراعات إلا ما ندر ولظروف خاصة جدًا، وهذا الربط المفتعل ليس في صالح مبادرة وقف العنف ولا المراجعات ولا الجماعة الإسلامية نفسها، وليس في صالح الإخوان ولا الدعوة الإسلامية من باب أولى.
عندما خرج الإخوان من السجون في السبعينيات، لم يكن لديهم ما يعتذرون عنه، بل كان النظام وقيادته الجديدة هي الحريصة على الاعتذار للإخوان عن سنوات القهر والمحن والأرواح التي أزهقت في عنابر السجون، أو على أعواد المشانق، والمفكرين والعلماء الذين أهينوا وعذبوا وأذلوا، والبشر العاديين من المعتقلين أو المسجونين أو أسرهم الذين عانوا الأمرين، طوال سنوات الديكتاتورية، وتمثل ذلك في قانون العفو العام الذي عاد بموجبه كل الإخوان إلى أعمالهم ووظائفهم، وفي أحكام القضاء المتتالية التي عوضتهم بعض التعويض المادي عما لحق بهم، وكان الإخوان أوفياء لمبادئهم ولمجتمعهم، فلم يكونوا أبدًا مع التكفير ولا العزلة والا العنف، بل كانوا ضد تلك الاتجاهات على طول الخط وحاولوا جهد طاقتهم صرف الشباب عن هذه المسارات العقيمة، ورفضوا أن يدخلوا في مواجهات عنيفة مع أي اتجاه آخر.
محاور التجديد
تحدث جمال سلطان عن محاور ثلاثة للتجديد يتبناها تیار داخل الإخوان، وهي:
المحور الأول: «الغلو التنظيمي»
والحديث عن الغلو التنظيمي أو نرجسية التنظيم أو القسوة التنظيمية، أو التطرف العاطفي عند النظر إلى الجماعة، كل ذلك ينطبق على كل الجماعات والحركات خاصة في حال قوتها وعنفوانها.
ولقد نقل الكاتب رد الجماعة على هذه الظاهرة في حديث الشيخ فيصل مولوي، وهو فقيه وقاض وقيادي كبير في الإخوان، وهو ما يمثل رؤية الإخوان، والخروج عن تلك الرؤية غالبًا ما يتم في ظروف وملابسات مثل:
السعي إلى ضم أنصار جدد.
الدخول في جدل مع اتجاهات أخرى.
الحرص على وحدة الصف تجاه الضربات الأمنية.
عدم قدرة قيادة ما على إقناع الأفراد بوجهة نظر الحركة.
ويهمني هنا أن أؤكد قضية مهمة جدًا، وهي أن الارتباط بين الإخوان رباط أخوي ودعوي وديني، وأنه لا توجد عقوبات رادعة تمنع أحدًا من الخروج أو ترك الحركة كلية، صحيح أن هذا يمثل في حد ذاته لكل من عايش الإخوان شيئًا أشد من العقوبات، إذ ينقطع عمن أحبهم ويحبونه، وينشغل عنهم وينشغلون عنه في ظل جفاف الحياة وصعوبة العمل الدعوي المفتوح، في بلاد مثل مصر، بينما لا يمثل الأثر نفسه في بلاد أخرى، يجد المختلفون فيها مساحة للحركة والنشاط، وكذلك لا يترك نفس الأثر في نفس من لديه نشاط دعوي خاص، بل قد يحرره من قيود تفرضها عليه التزامات الحركة.
ولن يكون هناك حل شامل لهذه الظاهرة إلا بحرية الحركة للإخوان والجميع حيث يكون المناخ صحيًا لعلاقات صحية، وهذا ما يعرفه الإخوان في القرى والبلاد، إذ يخفف من الغلو التنظيمي ما يعيشه أهل هذه البلاد من أخوة صادقة وهؤلاء هم أغلبية الإخوان الذين يستغربون مثل هذا الحديث.
لا يمكن بحال من الأحوال إسقاط ظاهرة على كامل الإخوان بقراءة متعسفة لمقال واحد حتى لو كان لقيادي من الإخوان، ولقد فاصل الإخوان كحركة وجماعة من أراد أن يعتبر الإخوان جماعة المسلمين، وأصروا على أنهم جماعة من المسلمين، ومن أراد القول بذلك لا يلزم إلا نفسه وبالتالي خرج عن الجماعة عدد لا بأس به من قيادات تنظيم ١٩٦٥م، فكيف يعود الإخوان مرة أخرى إلى المضمون السلبي لهذه المقولة؟!
فكرة الإخوان إسلامية صميمة، منه تستمد وضوحها، وهم يعتبرون ذلك ثروتهم الفكرية الحقيقية، وهم يعتبرون أن الإسلام قادر على استيعاب كل نافع ومفيد من الدعوات والأفكار الأخرى، لذلك هم وطنيون وقوميون وشرقيون وعالميون بالمعنى الواسع للإسلام. ويحرصون على تنقية هذه الأفكار والدعوات من كل الشوائب التي تتنافى مع جوهر الإسلام وصميمه.
ويطالب الإخوان من يريد محاسبتهم على أفكارهم وطرائق عملهم أن يحاسبهم على أسس إسلامية، لذلك ليس مع العجيب أن تختلط في أذهان البعض الفكرة مع التنظيم، وعندما يحدث الانحراف فإن مسؤولية الإخوان أن يعالجوه، وأن يردوا عامتهم إلى التفكير السليم وأن يضبطوا الحماس الزائد بنور العقل السليم.
كل التجليات والسلوكيات العملية التي سردها الكاتب كنتيجة لهذه الظاهرة مرذولة ومحاربة من الإخوان ولا يوافقون عليها إطلاقًا.
حالة الجزائر
واجتهاد الإخوة في الجزائر ليس محل تأييد على طول الخط كما يقول الكاتب، ولقد سمعت بأذني مرات عديدة انتقادات شديدة لبعض تلك الاختيارات، لكن ذلك لا يمنعني من التقييم السليم لمجمل نشاطهم إذ تصدوا لمحاولة استئصال الاتجاه الإسلامي كله وعملوا على إبقاء الهوية الإسلامية ضمن المنظومة الوطنية الجزائرية، وشاركهم في ذلك على تباين في مواقف أخرى عبد الله جاب الله «زعيم حزب الإصلاح الأمين النهضة سابقًا». وأطالب الأخ جمال سلطان أن يقوم الحدث الجزائري تقويمًا شاملًا بل وأن ينظر إلى مجمل التجربة الجزائرية منذ ۱۹۸۸ وحتى الآن حتى يكون حكمه صائبًا ولا يقع فيما يحذرنا منه من أخطاء.
المحور الثاني: الحوار الداخلي:
من لا يعرف الإخوان قد يتصور أنهم لا يعرفون حوارًا بل يعملون بالريموت كنترول وبالتعليمات أو بالسمع والطاعة، وقد راجع تلك المقولة كاتب ليبرالي هو د. وحيد عبد المجيد وكتب في مقال له بجريدة «الحياة» جعل عنوانه: «الإخوان المسلمون أكثر ديمقراطية من كثير من الأحزاب العربية».
والإخوان يعرفون الحوار الداخلي والنقد الذاتي والمراجعة المستمرة لأنفسهم كأفراد وتشكيلات وهيئات إدارية، بدءًا من ورد المحاسبة الفردي اليومي الذي يتعود عليه كل أخ مرورًا باللقاءات الأسبوعية التربوية والمنتديات الشهرية الفكرية واللقاءات الإدارية الموسمية، وأحيانًا تظهر بعض آثار هذه الحوارات في القضايا الساخنة أو المواقف السياسية، لكن غالبيتها لا يعرفه إلا الإخوان، لذلك يستغربون إسقاط بعض المواقف الفردية وتضخيمها كظاهرة خطيرة.
والذي أراه يوميًا أن مكتب المرشد مفتوح لكل أخ لديه مسألة أو قضية، ولعل الرسالة التي أشار إليها الكاتب عبر الإنترنت واضحة الدلالة، وحوار المرشد كذلك في بعض المواقع على الشبكة دليل آخر، والغريب أن يتصور البعض أن أي حوار لا بد أن يفضي في النهاية إلى تبني رأيه الخاص، والأعجب هو أن يتصور البعض أن أي فكرة تستطيع أن تمر قبل تمحيصها وبحث الأسانيد الشرعية لها ثم النقاش الداخلي في مؤسسات الحركة حولها واتخاذ القرار السليم بصددها، والأشد غرابة أن يتخذ من ذلك ذريعة لمفاصلة الحركة والابتعاد عنها ثم بعد ذلك يلومها على طرد الكفاءات النادرة والطاقات المبدعة.
في ظني أنه ليس كل فرد مهيئًا للعمل الجماعي بقيوده التي قد تشتد أحيانًا وتهون حينًا، ولذلك أثر البعض من أصدقاء الإخوان بل أثر الإخوان أنفسهم أحيانًا أن يبقى أولئك في دائرة الأصدقاء والأنصار، وحرص الإخوان أكثر من ذلك على أن يخففوا من القيود الحركية عن بعض النماذج التي يصدق عليه وصف الندرة.
والذي أتصوره أنه لا بدّ من علاقة سليمة بين الحركة كجماعة وهيئة لها لوائحها وقيودها وبين أفراد ممن انتسبوا إليها أو إلى فكرتها، علاقة تحافظ على سلامة الحركة واحترام القواعد الإدارية وأيضًا على حرية الإبداع والفكر لدى أولئك.
المحور الثالث: العلاقة مع السلطة والحكومات:
هذا ملف شائك ولا يحيط به إلا الذين عاصروه وعايشوه عن قرب، والحكم على هذه العلاقة تاريخيًا قد يكون مطلوبًا، إلا أنه يحتاج إلى جمع شهادات عدد كبير.
ما يعنيني الآن هو الموقف الحالي، وأعتقد أن ما عايشته خلال ربع قرن أو يزيد مع الإخوان يدلل على أنهم أصحاب رؤية ومنهج وليس كما يقول الكاتب أو ينقل عن آخرين.
هذه الرؤية تنبني على الاعتبارات التالية:
الإخوان كيان مستقل متميز لا يذوب في شيء آخر.
الصدام مع الحكومات مرفوض، والحوار معها مطلوب والتعايش معها ضروري.
الإخوان لا يتخلون عن حقوقهم كمواطنين لهم كامل حقوق المواطنة ويدافعون عن حقوق كل مواطن في العيش الكريم.
الإخوان يشاركون في كل المؤسسات السياسية في إطار احترام الدستور، رغم القوانين الظالمة التي تقيد الحريات ولا يقدمون أنفسهم كبديل.
أما تقويم علاقة الإخوان مع الحكومات المختلفة منذ ما قبل ثورة يوليو وحتى الآن فقد لا يكون بالصورة التي يطلبها البعض، ولابد من إدراك الظروف التي يعاني منها الإخوان وجميع القوى السياسية وهي بلا شك استثنائية جدًا، وفي الحقيقة المطلوب من الجميع أن يتقدم برؤيته البحثية أو بالخبرة التي حصلها، ولا أدري ما الذي يمنع من ذلك. هناك بلا شك حاجة إلى مزيد من الحوار حول تلك القضايا وغيرها ولا يوجد حجر على أي ملف من الملفات، فلا داعي للتلويح بقضايا تستدعي في الذهن اتهامات لا يقوم عليها دليل، فهذا رمي بالباطل واعتقد أن الإخوان أعقل من أن يتستروا على أي انحرافات أو فساد مالي أو خلقي، أما المخالفات الإدارية البسيطة فهي واردة في كل مكان.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل