العنوان التجربة اليابانيّة في شعر الأمراني (1 – 3)
الكاتب أ.د. حلمي محمد القاعود
تاريخ النشر الاثنين 01-أغسطس-2016
مشاهدات 42
نشر في العدد 2098
نشر في الصفحة 70
الاثنين 01-أغسطس-2016
ينطلق الأمراني في شعره من منطلق إيماني ويؤسس لمنهج رباني في التعامل مع قضايا الأمة ومشكلاتها عبر صياغات فنيّة حرفيّة تنبئ عنها موهبة ساطعة
الثقافة البانية كما يفهمها الأمراني ومن معه تهتم بمجابهة مخلفات الثقافة السائدة السقيمة التي تكلّست وصار بعضها عادات وتقاليد يصعب تغييرها
يعد الشاعر حسن الأمراني المولود عام 1949م من أهم شعراء المغرب المعاصرين، وأبرز دعاة التصور الإسلامي في الأدب والفكر، ويمثّل مع زملائه من شعراء وجدة (المنطقة الشرقية في المغرب على الحدود الجزائرية) طليعة شعراء السبعينيات في المغرب الأقصى بخصائصهم الإنسانية والفنية والجمالية، وقد كان ضمن هذه الكوكبة الشاعرة عدد لا بأس به من الشعراء من بينهم: محمد علي الرباوي، ومحمد فريد الرياحي، ومحمد بنعمارة، ويحيى عمارة.. وهم من أكثر شعراء المغرب ارتباطاً بشعراء المشرق، واهتماماً بالقضايا العامة التي تشغل العرب والمسلمين وفي مقدمتها القضية الفلسطينية وتجلياتها في المقاومة والحلم بالعودة والتحرير.
كما كانوا أكثر تفاعلاً مع حركة التطور الفني التي تجري في المشرق بالنسبة لجماليات القصيدة الغنائية والشعر الموضوعي (القصصي والمسرحي) وشعر الأطفال.
قاد حسن الأمراني حركة التفاعل مع المشرق من خلال مجلة « المشكاة « التي احتضنت الأفكار والرؤى والتصورات والقراءات التي تناولت الشعر الحديث وقضاياه في شتى ربوع الوطن العربي الكبير، ويمكن القول: إنه استطاع مع زملائه اختراق الحصار الذي فرضته التيارات الأخرى (الماركسية والليبرالية) على التوجّه الإسلامي في المشهد الأدبي والثقافي من خلال المشاركة في النشاط العملي عبر المناسبات الأدبية والفكريّة التي تقدم برامجها في العواصم العربية، فضلاً عن الكتابة والنشر في الدوريات والصحف الأدبية العربية في كل مكان.
ويعد الأمراني من أغزر شعراء المغرب إنتاجاً وخاصة في الجانب الإبداعي (الشعر)، فقد أصدر حتى الآن ثماني عشرة مجموعة شعرية، هي: الحزن يزهر مرتين: 1974 - مزامير: 1975 - البريد يصل غداً: 1975 – (ديوان مشترك) - القصائد السبع: 1984 - مملكة الرماد: 1987 - الزمان الجديد: 1988 - ثلاثية الغيب والشهادة: 1989 - كاملية الإسراء: عام 1992 - جسر على نهر درينا (ملحمة الإسلام في البوسنة): 1992 - يا طائر الحرمين: 1995 - سآتيك بالسيف والأقحوان: 1995 - سيدة الأوراس: 1995 - المجد للأطفال والحجارة: 1996 - أشجان النيل الأزرق: 1998 - نبض الخافقين: 1999 (بالاشتراك) - القس واليمامة 2000 - شرق القدس، غرب يافا 2002 - لو كان قلبي معي: 2005.القصائد اليابانية 2015.
كما أصدر مجموعة من الدراسات ذات الصلة بالشعر والأدب والثقافة، منها:
المتنبي في دراسات المستشرقين الفرنسيين - سيمياء الأدب الإسلاميـ بديع الزمان سعيد النورسي، أديب الإنسانية - نحو ثقافية بانيةـ المتنبي وفيكتور هيجو: درس افتتاحي بكلية الآداب والعلوم الإنسانيةـ المنهج الحضاري في تحليل النص الأدبي - النص وحدود التأويل - ما الأدب ؟ - رسالة الأدب والشهود الحضاري - النص ومحيطه..
هذا الإنتاج الثري رافقه نشاط علمي للأمراني في مجال التدريس العام والجامعي، ومشاركات ملحوظة في العديد من الروابط الثقافية والمؤتمرات الأدبية في عددٍ من البلدان الأفريقية والآسيوية والأوروبية، فضلاً عن نشاط بارز ومؤثر في مجلة «المشكاة» التي استمرت في الصدور زهاء ربع قرن من الزمان، وتوقفت لظروف مالية، وما زال الرجل يعمل حتى اليوم ويواصل رسالته الأدبية والثقافية مع أنه يخطو في السابعة والستين، ويقترب نحو السبعين، أطال الله عمره ومتعه بالصحة.
ينطلق الأمراني في شعره من منطلق إيماني، ويؤسس لمنهج رباني في التعامل مع قضايا الأمة ومشكلاتها، عبر صياغات فنية حرفية تنبئ عنها موهبة ساطعة، ولغة شعرية عذبة مفعمة بثروة هائلة من التراث والثقافة العالمية القديمة والمعاصرة، والنزوع الصوفي الصافي الإنساني الذي يسع العالم على اختلاف رؤاه؛ حيث يتفاعل مع الظواهر المختلفة في هذا البحر الصاخب من الرياح الفكرية العاتية، والأمواج الثقافية المتلاطمة، من خلال مشروع الثقافة البانية الذي يحتضنه في وعي ويقظة، وإدراك لما هو إيجابي وما هو سلبي، وما يضيف إلى الأمة وفكرها وثقافتها وأدبها...
فهو مثلاً يشارك في مشروع الثقافة البانية الذي يقدّم نفسه بديلاً شرعياً حضارياً، في بحر صاخب من الرياح الفكرية العاتية، والأمواج الثقافية المتلاطمة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وإعادة التوازن لسفينة الأمة التي أوشكت على الغرق والضياع. وتستمد هذه الثقافة البديلة شرعيتها وقوتها من كونها ثقافة ربانية وإنسانية بالإضافة إلى خصائص أخرى مهمة، وهي ثقافة ربانية لأنها تستند إلى الفطرة، وتنبع من تصور إسلامي وإيماني قوي، دستوره الأساسي كتاب الله تعالى وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم. كما أنها ثقافة إنسانية، لأنها تؤمن وتهتم بالإنسان بوصفه مخلوقاً كرمه الله تعالى، ولذا فهي تسعى جاهدة لخدمته وإرشاده إلى ما فيه خيره، وخير أمته والبشرية جمعاء (انظر مقالاً لمحمد الكوش في مجلة الثقافة البانية الإلكترونية 6/4/2016).
ولأن التصور الإسلامي عالمي منذ بداياته؛ فإن الثقافة البانية تسعى لتكون عالمية أيضاً، إذ إن رسالتها لا تقتصر على مخاطبة مجتمع بعينه، أو الأمة الإسلامية وحدها، بل هي موجهة عموماً إلى سائر الناس في شتى أرجاء المعمورة.
إن الثقافة البانية كما يفهمها الأمراني ومن معه تهتم بمجابهة مخلفات الثقافة السائدة السقيمة التي تكلّست، وصار بعضها عادات وتقاليد يصعب تغييرها. إلى جانب مواجهة ثقافة أخرى هدامة، تحملها أطراف لا تتعاطف مع قيمنا وحضارتنا، وتتجلّى في دعوات مشتبه بها، منها ما يطعن مباشرة في بعض المبادئ والتشريعات التي أقرّها القرآن الكريم والسنة المشرفة. وغالباً ما تأتي هذه الدعوات تحت غطاء الدفاع عما يسمّى القيم الكونيّة، وحق الاختلاف وحقوق الإنسان.... إلخ.
الثقافة الهدّامة تُهاجم أيضاً اللغة العربية، لغة القرآن الكريم، بذريعة حق إعطاء الأولوية للغات الأم، وترقية اللهجات العامية.
مشروع الثقافة البانية يواجه مثل هذه التحديات الخاصة بالقيم والحضارة الإسلامية، والتحديات الواقعية التي تعاني منها أمتنا، مثل الفقر، والبغاء، والعنف، والاقتتال، والتطبيع، والتنصير وما إلى ذلك من الأمور الشاذة ويجعلها من الأولويات التي يجب أن يعالجها..
ولعل هذا المشروع كان من وراء مواقفه العديدة تجاه ما يفرض على الأمة من مسلّمات في مجال الشعر والأدب بعامة، وأقرب الأمثلة على ذلك ما قيل كثيراً وتم ترويجه على نطاق واسع حول قصيدة الشاعر الفلسطيني محمود درويش المعروفة باسم «حالة حصار» التي تعالج ما يتعرض له أهل فلسطين من محنة دامية على يد العدو الصهيوني، حيث الدبابة الإسرائيلية لا ترقب في فلسطيني إلاً ولا ذمة. تجرف الـــمـواثيق والعهود، وتهدم البيوت والمؤسسات، وتقتل الأطفال والشيوخ والنساء والرجال، وتضع أحلام الراغبين في السلام على محك التجربة المريرة، وتسد بدخانها أفق الانتظار. يكتب الأمراني دراسة إضافية بعنوان: «الأساطير المـؤسسة لقصيدة حالة حصار»، يستعرض فيها الواقع الفلسطيني تحت الاحتلال الصهيوني، الذي تتصدى فيه عزيمة الفلسطيني المجاهد للدبابة الصهيونية، في ظل صمت العالم وخذلان الأقارب.
ويذكر الأمراني أنه عندما نشر محمود درويش قصيدته: (عابرون في كلام عابر)، فعلت القصيدة فعلها، لأنها كتبت بلغة يفهمها العدو والصديق على السواء، كانت دعوة لليهود إلى أن يغادروا أرض فلسطين، ويرجعوا إلى البلاد التي جاءوا منها، أو إلى أي جهة شاءوا، شرط ألا يقيموا بيننا:
«وأقيموا حيثما شئتم ولكن لا تقيموا بيننا»
وعندها قال الصهاينة ودعاة السلام من بينهم، عن القصيدة: (إنها قصيدة مرة كالموت)، وشككوا في تقدمية محمود درويش الذي طالما تغنّى بالسلام الموحَّد والموحِّد.
ويستطرد الأمراني للحديث عن أمريكا عندما ضاق الطوق عليها، وطلبت لأزماتها متنفساً، فأعلنت مع أتباعها الحرب ضد ما تسميه «الإرهاب»، وضمت لائحة الإرهاب على الطريقة الأمريكية عدداً من الشعراء والأدباء، منهم على سبيل المثال السفير غازي القصيبي، الذي كتب قصيدة شعرية يمجّد فيها الشهيدة البطلة آيات الأخرس، فحاكموه بالمظاهرات والمقالات مما أدى إلى عودته إلى بلاده وترك منصب السفير في لندن.
ويشيد الأمراني بمهارة درويش الشعرية التي أبهرت العالم العربي، ولكنه يرى أن قصيدة «حالة حصار» محيّرة لأنها تكاد تنبني على أساطير اليهود المعاصرة. وربما كانت بعض مقاطعها قابلة للتأويل، وحسن الظن يدفعنا كما يقول الأمراني إلى أن نميل بهذا التأويل الميل الحسن، إلا أن مقاطع أخرى تتأبى على التأويل، لتصب في نهاية الأمر فيما يخدم المطبّعين على أقل تقدير، إن لم نقل ما هو أكثر من ذلك.
شعرياً، يبدو محمود درويش ماهراً في قصيدته (حالة حصار)، عليماً بأسرار فنه، خبيراً بصناعته الشعرية، ممتلكاً أدواته، متمرساً بالكتابة الجارحة (جارحة لمن، هذه المرة؟)، أما فكرياً فيبدو الشاعر متحمساً للسلام، ولكن أيّ سلام؟ وبأيّ ثمن؟
السلام الذي تدعو إليه القصيدة سلام جارح فعلاً، وهو يقوم على عدد من الأساطير اليهودية، من ضمنها أساطير يونانية.
يتبنى الشاعر محمود درويش الأسطورة اليونانية بما فيها من وثنيات تتعارض مع الرؤية الإسلامية حيث تطوي صفحة الإيمان تماماً، وينتقل إلى تقديم الأساطير اليهودية، ويفاجئنا بدعوة جنود العدو الذين يقيسون كل شيء بمنظار دبابة إلى أن يدخلوا بيته «ويشربوا معنا القهوة العربية، ليستعيدوا كينونتهم الإنسانية، ويشعروا أنهم بشر مثلنا؟».
في قصيدته (عابرون في كلام عابر) كان الشاعر يدعوهم إلى أن يرحلوا، وأن يحفروا قبورهم في أي أرض أخرى، غير الأرض الفلسطينية، فما معنى أن يدعوهم الآن إلى شرب القهوة العربية؟
فكيف تكون دعوة الأعداء إذاً إلى الدخول والخروج في الوقت ذاته؟
هل هذا انعكاس لاضطراب الموقف العربي الحالم بسلام لا يعرف الطريق إليه؟ اضطراب يشي به الموقف المتردد بين روح وثّابة تنطق به عبارة: «اخرجوا من صباحاتنا»، وروح هيّابة، ترتدي رياء لباس الحكمة، وهي تدعو الخصم إلى مصالحة عسى:
«نجد الوقت للتسلية
نلعب النرد، أو نتصفح أخبارنا
في جرائد أمس الجريح»
وتتحاور الأزمنة، بصورة متنافرة، تشي من جديد بعمق الاضطراب بين الأمس والغد:
كلما جاءني الأمس قلت له:
ليس موعدنا اليوم، فلتبتعد
وتعال غداً
يشوّه درويش صورة الإيمان الذي يحرّك الاستشهاديين والاستشهاديات، ويجعلهم يسترخصون أرواحهم في سبيل الله، طلباً لمرضاته، هذا الإيمان تنفيه القصيدة عنهم، بل تسخر منهم بصورة علنية، فليس هناك غير حب الأرض، وليس هناك غير بهجة الحياة على هذه الأرض، وأما ما سوى ذلك كله فليس غير أضغاث أحلام، بل إن الشاعر لينكر زغاريد الأمهات، احتفالاً باستشهاد أبنائها، ويعتبر الترويج لذلك نوعاً من التضليل، لأنه يعكس شعوراً مخالفاً للشعور الإنساني، وهو الحزن... الحزن فقط أمام الموت والقتل...
« الشهيد يحذّرني: لا تصدّق زغاريدهن
وصدق أبي حين ينظر في صورتي باكياً»
ويعلّق الأمراني: ما أدري أيكون هذا عزاء أم دعوة إلى التخاذل!
أخطر ما في القصيدة أنها تتبنى الأساطير الصهيونية المعاصرة، وفي مقدمتها الهولوكست لتؤسّس حلم السلام الموهوم، وتدغدغ عواطف الجندي الصهيوني، لعلّه يتذكّر ما نزل به من ألوان العذاب على يد النازيين، فيرتدع عن إنزال العذاب بالفلسطينيين، ويقتنع ببناء مجتمع السلم.
يسلّم درويش بأسطورة غرف الغاز، التي تتسرّب إلينا في قصيدته هكذا:
(إلى قاتل) لو تأمّلت وجه الضحية
وفكّرت، كنت تذكرت أمك في غرفة الغاز،
كنت تحررت من حكمة البندقية
وغيّرت رأيك، ما هكذا تستعاد الهوية
وهذا وهمٌ صارخ لأن أطفال اليهود في فلسطين المحتلة يشحنون بأسطورة غرف الغاز ليزدادوا حقداً على من حولهم.. وليقبلوا بعدما يكبرون على القتل دون قلب،
والأخطر من ذلك أن الوهم يذهب بالشاعر لينسج من خياله أسطورة جديدة، تجعل الذئب والشاة أخوين، تملكهما الوداعة والمحبة والتسامح:
على طللي ينبت الظل أخضر،
والذئب يغفو على شعر شاتي
ويحلم مثلي ومثل الملاك
بأن الحياة هنا..لا هناك.
ويواصل درويش أحلامه الكاذبة على هذا النحو ليتصوّر أن ابن الضحية الفلسطيني يقع في شباك الغرام مع بنت الجلاد اليهودي وينجبان...إلخ. وهكذا يمكن أن يتحقق السلام المأمول بأن يعيش القاتل الذي صار له قلب يخشع وعين تدمع ويمتلك الآلة الجهنمية الموجهة ضد السنابل مع ضحاياه في الأرض المحتلة!
وهكذا يكشف الأمراني اضطراب الرؤية وفسادها في قصيدة الحصار لمحمود درويش، لأنها رؤية بائسة، وساذجة وغير منطقية ولا تتسق مع الرؤية القرآنية التي تصف اليهود بأنهم أحرص الناس على حياة!
لقد أطلتُ في تلخيص موقف الأمراني من قصيدة الحصار لدرويش، لأبيّن حرصه على الرؤية الإيمانية التي ينطلق منها في رؤيته للشعر والأدب، سواء ما ينظمه الآخرون أو يبدعه هو.
من خلال هذه الرؤية يعالج الأمراني تجاربه المتنوعة على امتداد شعره. وهي تجارب تدور في معظمها حول قضايا الأمة الإسلامية وفي القلب منها قضية فلسطين، وهذه القضايا تستأثر باهتمامه، لدرجة أنه يخصص لبعضها ديواناً بأكمله كما فعل بالنسبة لمأساة مسلمي البوسنة والهرسك؛ فجعل من ديوانه «جسر على نهر درينا « معرضاً يرصد فيه المأساة وتجلياتها وأبعادها.
وقد انعكس هذا الاهتمام بقضايا الأمة على أحاسيس الشاعر ولغته، ويلاحظ القارئ لشعره غلالة من الأحزان والأسى والآلام التي تفضي إلى نوع من الإحساس بالانفصال والغربة عن العالم المحيط، وكما يقول: «فريد امعضشو» في مقال له بعنوان: «الاغتـرابُ في شعر حسن الأمـراني» بتاريخ 05/05/2013:
«ومع استمرار الغربة واشتداد سَوْرَتها، يلجأ الأمراني إلى التسلُّح بما يلزم لمقاومتها». يقول:
لكِنَّ لي في كُلِّ عامٍ رِحْلَةً وتَشَرُّداً
وكأنَّني جَوَّابُ أوْدِيَةٍ وآفَاقِ
ولي في كُلِّ عامٍ غُرْبَةٌ،
مُتأبِّطاً سَيْفي
ودَمِي عَلى كَفِّي!!
وتجربة الرحلة في شعر الأمراني من أهم التجارب التي عبّر عنها، وهي حاضرة بغزارة على امتداد قصائده، وهي تتوزع بين الرحلة الواقعيّة، والرحلة الروحيّة، فقد زار مكة المكرمة والمدينة المنورة، وتركيا والرياض والهند والجزائر ومصر وغيرها من المدن التي عبّر عن الرحلة إليها في قصائد تفيض عاطفة ومودة ورغبة في الوصال البدني والإنساني. ففي قصيدته مكة يقول:
من وحي مكة تزدهي أشعاري
وتفيض لحنًا رائقاً أوتاري
الوحي منها جاءنا متلألئاً
فازدانت الآفاق بالأقمار
لم يَبق في الأرض الفسيحة بُقعة
إلا ارتوت من دافق الأنوار
فانجابت الظلمات وازدهت الدُّنا ألقاً
وزان الطِّيب خَير جِرار...
وفي قصيدته: «حدائق النور» يرحل بأشواقه وعاطفته الإيمانية، قائلاً:
أزف الرحيل بنا، فأين نُقاد
وعلى الطريق مفاوزٌ ووهاد؟
طال السُّرى والنجم أظلمَ نورُه
والصبُّ قرّح جفنه التسهاد
لكأنني أبصرت طيفك راحلاً
وتَفـرّق الأحبـابُ والـعوّاد
وبقيتَ وحدك، لا ترى إلا الذي
زرعتْ يداكَ وقد تلاهُ حصاد...
لقد عرف الشعر العربي قديماً الرحلة، وسجلها الشعراء في قصائدهم بطريقة ما، وكانت تقليداً فنياً في القصيدة الجاهلية يتحدث عنه الشاعر وهو يتحرّك مع الظاعنين، بعد أن يقف على الأطلال ويبكي الديار، ثم تنوّعت في العصور التالية ما بين رحلة إلى الممدوح، ورحلة النفس في مجاهداتها الصوفية ومكابداتها الروحيّة، ولكنها في معظم الأحوال كانت مجرد قصائد متناثرة أو أبيات هنا وهناك..
أما حسن الأمراني فقد خصّص ديواناً كاملاً للرحلة اليابانية يتناول المكان وانعكاساته النفسية والروحية والواقعية واللغوية، ويبلور أحاسيسه ومشاعره وأمنياته.>