العنوان التحرك الأوربي ... هل يصبح حلا؟
الكاتب عبدالله الصالح
تاريخ النشر الثلاثاء 23-ديسمبر-1980
مشاهدات 78
نشر في العدد508
نشر في الصفحة 22
الثلاثاء 23-ديسمبر-1980
• المصالح الإستراتيجية الاستقلالية لأوروبا وأمريكا واحدة ولكن السياسات غير متطابقة.
• منذ عام ٧٣ وحتى قمة البندقية وأوروبا لا تحاور إلا في الاقتصاد.
• الانسحاب والحدود الآمنة والاعتراف المتبادل وتقرير المصير للفلسطينيين أهم مبادئ إعلان البندقية.
• القوة والوحدة في الموقف العربي شرط لنجاح المبادرة فلماذا لا تكون إستراتيجية للحل الصحيح على المدى الطويل؟!
بالرغم من سحر كلمة المبادرة وشيوع استخدامها في الأوساط السياسية الأوروبية والعربية منذ مبادرة السادات المشئومة إلا أن الدكتور أحمد صدقي الدجاني الذي رأس الجانب العربي في اجتماعات الحوار العربي الأوروبي التي عقدت في لوكسمبورغ في منتصف الشهر الماضي، كان محقًا عندما أطلق عليها عبارة «تحرك» فهل يثمر هذا التحرك ليؤول إلى خطوات محددة لحل قضية «أزمة الشرق الأوسط»؟ وما علاقتها بكمب ديفيد؟ أم أنها لا تعدو عن كونها حلقة في سلسلة الحلول الدولية التي تلهى بها العرب ليجدوا أنفسهم ضعفاء وقد أصبحت "إسرائيل" دولة قوية يجب التعاون معها في شتى المجالات؟.
على صعيد السياسة الدولية ينبغي الإجابة أولًا على سؤال يتعلق بمقدرة أوروبا على القيام بمبادرة منفردة لحل ما يسمى بأزمة الشرق الأوسط بعيدا عن الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفياتي، ولا يخفى أن منطقة الشرق الأوسط كما يدرك الاتحاد السوفياتي هي منطقة نفوذ غربية والسؤال ينحصر بالتالي بعلاقة أوروبا وأمريكا.
أوروبا وأمريكا
فبالرغم من تبعية أوروبا لأمريكا منذ الحرب العالمية الثانية وحتى السنوات القليلة الماضية في مجال السياسة الخارجية إلا أن الزعماء الأوروبيين في الوقت الحاضر وخاصة الرئيس الفرنسي جيسكار ديستان والمستشار الألماني هيلموت شميت وبعض مسؤولي دول السوق المشتركة يصرون في محادثاتهم مع الجانب العربي على أن أوروبا وإن كانت حريصة على التنسيق مع الولايات المتحدة إلا أنها باتت تشعر أنها قادرة على اتخاذ مبادرة بشان أزمة الشرق الأوسط فتجاوز اتفاقيات كامب ديفيد حتى ولو عارضت أمريكا! والمتتبع لتحليلات الصحف الأوروبية يجدها منذ مؤتمر البندقية في يونيو الماضي تركز على هذه الناحية.
ولكن مسيرة التحرك الأوروبي تكذب ذلك وإن كانت بطبيعة الحال لا تتطابق المصالح الأوروبية والأمريكية. فبالرغم من وحدة المصالح الإستراتيجية للطرفين في الشرق الأوسط إلا أن مصادر الطاقة في الخليج أكثر ضرورة وأهمية لدول أوروبا الغربية من أمريكا باعتبار أن الدول الأوروبية تستورد ما يزيد على ٧٠% من احتياجاتها النفطية من الشرق الأوسط كما أن التنافس الصناعي والتجاري بين دول العالم الرأسمالي أصبح واضحا خاصة بين أوروبا واليابان من جهة والولايات المتحدة من جهة أخرى.
هذه الحقائق إضافة إلى تصريحات الزعماء الأوروبيين بشأن حقوق الفلسطينيين جعلت كثيرًا من الزعماء العرب يؤمنون بالتحرك الأوروبي لدرجة أن وصفوه «بالمبادرة»، واجتمعوا في قمة عمان في محاولة لاتخاذ موقف موحد إزاء ذلك! وفي خضم التناقض والتباين في تصريحات القادة الأوروبيين والقادة العرب والتباين في التحليلات والدراسات التي تسهم في الارتباك والحيرة على مستوى القيادات الرسمية والشعبية وعلى مستوى الأحزاب والجماعات الإسلامية، في خضم هذه «الحرب الإعلامية» المكثفة يجدر بنا تأمل خلاصة التحركات الأوروبية ونتائجها.
خلفية ونتائج
الاتصالات الأوروبية بالدول العربية بدأت منذ عام١٩٧٣ بمبادرة من وزير الخارجية الفرنسي آنذاك ميشيل جوبير وأطلق على تلك الاتصالات الحوار العربي الأوروبي ومنذ ذلك الحين عقدت ستة اجتماعات كانت في معظمها على المستوى الفني أما على مستوى الزعماء فلم يعقد أي اجتماع حتى الآن.
وقد كان الجانب الأوروبي يركز في جميع الاجتماعات السابقة على الجانب الاقتصادي فيما كان الجانب العربي يركز على الناحية السياسية. وقد كانت أوروبا ممثلة في مجموعة دول السوق مترددة في التقدم بأي مقترحات سياسية باعتبار أن الولايات المتحدة كانت تتزعم ذلك.
والخطوة الأولى على طريق التحرك الأوروبي تجاه حل أزمة الشرق الأوسط كانت بيان البندقية في يونيو الماضي، وجولة وزير الخارجية للسوق غاستون ثورن في عدد من الدول العربية التي ترتبت على مؤتمر البندقية وبعد البندقية كان مؤتمر لوكسمبورغ الأخير، وعلى مستوى اجتماعات الحوار العربي الأوروبي عقد اجتماع بحث في الأمور السياسية لأول مرة في منتصف نوفمبر الماضي وقد مثل الدول العربية فيه رئيس وفد منظمة التحرير الفلسطينية، وقد فهم أن ذلك يعتبر مقدمة على طريق اعتراف أوروبا بالمنظمة ولكن ماذا حدث!
في البندقية توصل القادة الأوربيون إلى ضرورة العمل «بطريقة أكثر صلابة باتجاه السلام»! ويمكن تلخيص المبادئ التي جاءت في البيان كالتالي:
1- حق الوجود والأمن لكل دول المنطقة بما فيها "إسرائيل"، وحق كل دولة في حدود آمنة ومعترف بها ومضمونة.
2- الاعتراف بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني وانسحاب "إسرائيل" من الأراضي المحتلة.
3- الحل الدولي لمدينة القدس مع ضمان حرية الوصول إلى الأماكن المقدسة.
4- إشراك جميع الأطراف في مفاوضات لتحقيق السلام بما في ذلك الشعب الفلسطيني ومنظمة البندقية.
وواضح أن هذه المبادئ تستند إلى قراري مجلس الأمن ٢٤٢، ٣٣٨ كما تنسجم مع إعلانات سابقة للسوق الأوروبية في عامي1977 و١٩٧٨م.
ويلاحظ أن بيان البندقية قد خلا من الإشارة إلى الدولة الفلسطينية واعتبار منظمة التحرير الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني.
والآن بعد أن انتهت الانتخابات الأمريكية وجاءت بالمرشح الجمهوري ريفان هل قطعت أوروبا شوطا أبعد؟
على صعيد التصريحات السياسية والتحليلات الصحفية كثر الحديث عن مبادرة أوروبية ولكن على صعيد القرارات لا تزال الأمور تراوح مكانها.
قمة لوكسمبورغ
فبعد اجتماعات استمرت لمدة يومين في اللوكسمبرغ في بداية الشهر الحالي تركزت حول «مبادرة» أوروبية بشأن حل أزمة الشرق الأوسط وتوصل قادة مجموعة دول السوق الأوروبية إلى الاكتفاء بالتأكيد على إعلان البندقية. وقال البيان الختامي للمؤتمر. عرض المجتمعون مجمل التحرك الذي قام به التسعة منذ إعلان البندقية. وبعد استماعهم إلى تقرير أعده الوزير غاستون ثورن سجلوا نجاح المهمة التي قام بها ورأوا أن النتائج التي أدت إليها تؤكد أن مبادئ إعلان البندقية تتضمن العناصر الأساسية لحل شامل وعادل ودائم صالح للتفاوض بين الأطراف المعنيين مما يشجع التسعة إلى المضي في مساهمتهم سعيًا إلى الوصول إلى هذا الحل وتقول بعض المصادر إن ما زاده مؤتمر لوكسمبرغ عن قمة البندقية هو إشراك الفلسطينيين في الخارج وليس في الداخل فقط في عملية تقرير المصير، أما كيف يتم تدعيم مبادئ البندقية، ومتى وكيف يتم الاتصال بالأطراف المعنية من جديد فلم تحدده اجتماعات اللوكسمبرغ. لكن مصادر مقربة إلى المبعوث الأوروبي غاستون ثورن كانت قد نقلت عنه بأن خلاصة الاقتراحات التي سيرفعها للقمة الأوربية «والتي وافقت عليها» تضمنت التالي:
• يجب أن تتقدم أوروبا بمبادرة متكاملة لحل النزاع. تتجاوز اتفاقات كمب ديفيد وإطارها الضيق المحدود، يتم تنفيذها عن طريق الأمم المتحدة، والأفضل عن طريق قرار جديد يصدره مجلس الأمن الدولي.
• المبادرة ترتكز على الاعتراف المتبادل بين الفلسطينيين و"إسرائيل" ووضع الدولة الفلسطينية.
• وضع الضفة الغربية تحت وصاية دولية أوروبية -أمريكية سوفياتية مشتركة كتمهيد لانسحاب "إسرائيل" وقيام الكيان الفلسطيني الذي يمكن أن يكون مرتبطًا بالأردن.
المبادرة الأوروبية والتصور الأمريكي
ويفهم مما سبق ومما تنقله بعض المصادر الدبلوماسية العواصم الأوروبية أن المبادرة الأوروبية التي لا تزال في إطار التحرك تقترب من التصور الأمريكي للحل في عهد الرئيس المنتخب رونالد ريغان.
ففي مؤتمره الصحفي بعد نجاحه أعلن ريغان أنه يعتبر الأردن مفتاح الحل للقضية الفلسطينية وأنه ينتظر بفارغ الصبر لقاء العاهل الأردني، وإن كان أسقط من حسابه منظمة التحرير كممثل شرعي وحيد للشعب الفلسطيني
واتهمها بأنها إرهابية، إلا أنه يفهم أن هذا التصريح يعتبر دليلًا على قناعته بعدم جدوى اتفاقيات الكمب.
وفي لقائه بالرئيس الفرنسي في باريس قال كيسنجر المرشح لخلافة صول لينوفيش كمبعوث للشرق الأوسط، إن الولايات المتحدة قد أخطأت في السياسة التي اتبعتها في أزمة الشرق الأوسط وفي نفس الوقت كان كيسنجر يتنبأ بأن حل هذه الأزمة سيكون عام ١٩٨١
وبناء على هذه المعلومات ومعلومات أخرى فإن وجهة النظر الأوروبية والأمريكية تتطابقان في كل شيء عدا تمثيل الفلسطينيين فأوروبا ذكرت بالنص موضوع الدولة الفلسطينية وأن فلسطينيي الداخل والخارج هم الذين سيقررون مصيرهم أما المنظمة كممثل شرعي وحيد للفلسطينيين فلا يزال الطرفان غير معترفين بها، وعلى أية حال فإن صحت المعلومات التي ذكرناها عن جولة ثورن فإن التوصل إلى اتحاد كونفدرالي بين الكيان الفلسطيني والأردن يكون هو الحل الذي يلتقي عليه التصوران. ولكن الانتقال من مرحلة التحرك إلى مرحلة المبادرة يتطلب جهودا نشطة على مستويين، متطلبات صعبة
على المستوى الأوروبي مطلوب توحيد الآراء والتصورات من خلال اجتماعات دول السوق وهذا بدوره يتطلب توحيد مواقف تلك الدول حيال قضايا كثيرة يأتي في مقدمتها الدور الأوروبي والدور الأمريكي، والتقارب في سياسات تلك الدول الاقتصادية والسياسية خاصة وأن مجموعة دول السوق بينها خلافات عميقة خاصة بين بريطانيا وفرنسا، وعلى المستوى العربي يتطلب الأمر توحيد مواقف الدول العربية تجاه الحل بحيث إذا كتب للتحرك الأوروبي أن يصبح مبادرة لا يتعثر
الحل بالتناقض في مواقف الدول العربية. وفى هذا السبيل كان مؤتمر عمان خطوة أولى أعقبها الوساطة السعودية بين سوريا والأردن، وعلى أية حالة فإنه ما دام شكل المبادرة الأوروبية وتنفيذها مرهونًا بعوامل وحدة المواقف لدى الطرفين العربي والأوروبي فإنه من غير المتوقع أن يكتب لها النجاح. حيث أن توحيد تلك المواقف يحتاج إلى زمن طويل وإلى معجزات خاصة على المستوى العربي! وأما الطرف الآخر "إسرائيل" فمعروف أنها ترفض أي حل لا يحقق أطماعها ولا يأتي وفق تصورها ومقرراتها. ومن أجل ذلك فقد قام وزير الخارجية إسحق شامير بزيارة لفرنسا اجتمع خلالها بالمسؤولين الفرنسيين وبقيادة الحركة الصهيونية في محاولة لعرقلة أي نشاط يعارض المصلحة "الإسرائيلية ".
القوة الذاتية هي الضمان وإذا كان للمراقب أن يعجب فأشد ما يدعو للعجب هو أن يكلل العمل العربي المشترك بكل ما تطلب من تضحيات من أجل حل لا يختلف كثيرًا عن الكمب اللعين.
وتبدو الصورة مزرية أكثر فيما لو اكتشف العرب مستقبلًا أن المبادرة الأوروبية الموعودة ليست أكثر من حلقة في سلسلة الحلول الدولية التي مضى على لهوهم بها أكثر من ثلاثين عاما ولم تكن النتيجة إلا مزيدًا من التوسع اليهودي. ومزيدًا من التصدع والضعف والتفرق والهوان على الناس.
وما دام معظم حكام العرب قد أيقنوا أن تهيئة الجو للمبادرة الأوروبية يتطلب بناء قوة عربية عسكرية وسياسية واقتصادية على النحو الذي طرح في قمة عمان، من أجل استعادة بعض الأراضي العربية مقابل تكريس الوجود اليهودي بالاعتراف. فلماذا لم يدركوا أن بناء القوة العربية الذاتية المستقلة عن القوى الدولية هو الأولى والأضمن لاستعادة الحقوق وتحقيق العدل؟! ونحن نتمنى على الدول العربية ومنظمة التحرير أن يتزرعوا بالصبر الجميل ما دامت لا تستطيع القوى العربية الحالية إعادة الأمور لنصابها والأرض لأهلها، وإذا كان لا بد من النشاط على المستوى الدولي فليكن إعلاميًا وفكريًا لتنوير الرأي العام العالمي بحقيقة القضية الفلسطينية. أما الحل الحقيقي فلا يكون إلا بالسواعد المؤمنة والقوة الذاتية الفاعلة. وقد يكون هذا الطريق طويلًا ولكنه الطريق الوحيد على أية حال ولو سار فيه العرب والمسلمين منذ عام ١٩٤٨ لكان الحال غير الحال، ولكن أكثر الناس لا يعلمون فهل يعقلون مما مضى ويفقهون؟!.
تكريم العجيري
قامت مؤسسة الكويت للتقدم العلمي بالتعاون مع النادي العلمي بإقامة حفل لتكريم الفلكي الكويتي الأستاذ صالح محمد العجيري كما أمر أمير البلاد بمكافأة عرفانًا لما قدمه ويقدمه من أعمال وجهود قيمة في المجال الفلكي.
وبهذه المناسبة تتقدم جمعية الإصلاح الاجتماعي ومجلة المجتمع للأستاذ العجيري بالشكر والعرفان على ما قدمه للكويت والأمة الإسلامية من جهود لن تنسى وسيبقى أثرها في ميزان أعماله الطيبة فجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.