; التخطيط الاستراتيجي للاتحاد الخليجي | مجلة المجتمع

العنوان التخطيط الاستراتيجي للاتحاد الخليجي

الكاتب علي حسن الحمادي

تاريخ النشر الأحد 22-ديسمبر-1991

مشاهدات 58

نشر في العدد 981

نشر في الصفحة 26

الأحد 22-ديسمبر-1991

  • لما خلق الله الكون جعل له نواميس منتظمة فيرتفع ويعز من أخد بها ويهبط ويذل من خالفها.
  • إن الوحدة لا يمكن أن تقوم على أرض الواقع بمجرد رفع الشعارات وتذكير الناس بها.
  • إن أزمة الخليج وما أصاب الكويت لهي تجربة قاسية ينبغي أن نقف عندها معتبرين ومتعظين.

لما خلق الله الكون جعل له نواميس وقوانين تنظمه، فيرتفع ويعز من أخذ بها ويهبط ويذل من خالفها، ولعل من أبرز السنن التي ينظم الله بها الحياة بين البشر في هذا الكون أن هناك علاقة طردية بين الوحدة والقوة، فكلما تماسكت فئة من البشر واتحدت فإن تماسكها ووحدتها تؤدي بها إلى القوة والغلبة، وكلما تنازعت واختلفت فإن مصيرها الى الفشل والضعف كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ (الأنفال: 46) وكما ذكر الشاعر:

تأبي الرماح إذا اجتمعن تكسرًا                    

وإذا افترقن تكسرت أحادا

ومن ألقى ببصره متفحصًا تاريخ الأمم السالفة والمعاصرة يتبين له صحة وصدمة هذه السنة الكونية التي قدرها وأجراها من خلق هذا الكون وهذه الحياة، فالدولة العباسية لما كانت متحدة ومتماسكة كان هارون الرشيد يقول للسحابة: «أمطري حيث شئت فإن خراجك سيصلني»، وكانت الدنيا تهابه وتخشاه، ولما فكر نقفور ملك الروم أن يتراجع عن دفع الجزية، أرسل إليه هارون رسالة شديدة اللهجة قال فيها: «من أمير المؤمنين هارون إلى كلب الروم الكافر ابن الكافرة نقفور، الجواب ما تراه بعينك لا ما تسمعه بأذنك» ثم جهز جيشًا ضخمًا وأرسله إلى نقفور حتى اضطره الى دفع الجزية للمسلمين عن يد وهو صاغر!

وتمر الأيام وتتبدل الأحوال وتتفتت الدولة العباسية، ويضعف دور الخليفة حتى قال ابن الأثير «لم يبق للخليفة إلا حكم بغداد»، وأخذ الحكام يتقاتلون على الكرسي بل وقام بعضهم بتنصيب ابنه حاكمًا على المسلمين وهو ابن سبع سنين، فلما فعلوا ذلك كانت النتيجة أن طمع بهم أعداؤهم -وهم التتار- فجاءوا إلى بغداد واستحلوا دماء المسلمين وأعراضهم حتى قتلوا مليون مسلم كما ذكر ابن كثير وغيره، وأسقطوا الخلافة العباسية، وقتلوا العلماء والقضاة والوجهاء، بل وقتلوا الخليفة -المستعصم- ركلًا بالأرجل.

مثال آخر

والتاريخ الأندلسي مثال آخر على صدق هذه السنة الإلهية وهذه العلاقة الطردية بين الوحدة والقوة، فقد كانت الفتوحات مستمرة والمسلمون ينتقلون من انتصار إلى آخر حينما كانت الدولة الأموية في الأندلس دولة واحدة متماسكة حتى أصبح النصارى في حيرة من أمرهم وفي خوف وهلع من المسلمين، ولكن لما تمزقت هذه الدولة وجاءت دولة الطوائف وحكم الأندلس أكثر من عشرين حاكمًا، كل واحد منهم يحكم بضعة كيلومترات حتى إن بقعة من الأرض لا تزيد على ثلاثين فرسخا حكمها أربعة حكام كل منهم يزعم أنه أمير للمؤمنين، وأصبح حكام المسلمين في الأندلس يتآمر بعضهم على بعض ويقتل بعضهم بعضًا، ويستعين بعضهم بالنصارى، بل إن بعضهم يتآمر على الخلافة ويدبر المحاولات الانقلابية من أجل أن يحكم ولو يومًا كما حدث لأمية بن عبدالرحمن الناصر حينما تسور سور قرطبة في محاولة لقلب نظام الحكم، فنصحه بعضهم ألا يفعل ذلك لأنه سوف يقتل، فكان جوابه «لا عليكم بايعوني اليوم واقتلوني غدًا»! فكان نتيجة هذا التفكك الذل والهوان والقتل والتشريد على أيدي الفرنجة النصارى، حتى قال صاحبهم أبو البقاء الرندي في قصيدته التي تقطع نياط القلوب كمدًا وحزنًا حيث يقول فيها:

لكل شيء إذا ما تم نقصان                          

فلا يغر بطيب العيش إنسان 

هي الأمور كما شاهدتها دول                      

من سره زمن ساءته أزمان 

وهذه الدار لا تبقى على أحد                        

ولا يدوم على حال لها شان

إن التاريخ المعاصر هو أيضًا دليل حي على صدق هذه السنة الإلهية، فلما تمزقت الدولة الاسلامية وسقطت الخلافة العثمانية وأصبح المسلمون عشرات الدول والدويلات كانت النتيجة أن ضعفت هذه الأمة وأصبحت عديمة القيمة والتأثير في المجتمع الدولي، بل وأصبح دم المسلم أرخص الدماء، فيموت يهودي أو نصراني تقوم الدنيا ولا تقعد، ولكن لموت ملايين المسلمين تصمت الألسنة ولا تتفوه وإن تفوهت فبالتنديد والاستنكار الذي أصبح لا قيمة له إن صدر من مسلم أو عربي، وفي التاريخ المعاصر أيضًا نجد أن الدول التي اتحدت كان تأثيرها عميقًا ووزنها في المجتمع العالمي ثقيلًا، فهذه الولايات المتحدة والتي تتكون من خمسين دولة «ولاية»، وهذا الاتحاد السوفيتي والذي يتكون من العديد من الولايات التي اتحدت فيما بينها وكونت الاتحاد السوفيتي، وهذه المملكة المتحدة التي تتكون من أربع مقاطعات متحدة، وغيرها من الدول التي برز دورها وعظم تأثيرها لما اتحدت، وفي المقابل نجد أن الاتحاد السوفيتي لما تفتت وانقسم إلى دول ضعف تأثيره وخف وزنه في المجتمع الدولي حتى أصبح تابعًا بعدما كان متبوعًا أصبح يستجدي العالم، فصار سخرية الناس ومحل ازدرائهم واستخفافهم.

واقعنا الآن

إن المتفحص لواقعنا الآن يجد أن الدول تسارع إلى تكوين الاتحادات والتحالفات فهذه الألمانيتان قد اتحدتا واندمجتا، وهذه أوروبا تسير بخطىً ثابتة نحو الوحدة، كما بدأ الخلاف يزول بين الكوريتين، بل إن دول الاتحاد السوفيتي المفكك تقوم الآن بتكوين الاتحادات والتحالفات فيما بين بعضها، هذا الأمر إنما يحدث نتيجة قناعة الدول بأنه لا مكان في هذا العالم المتوحش للضعيف والمفكك والمتمزق.

إن أزمة الخليج وما أصاب الكويت لهي تجربة قاسية ينبغي أن نقف عندها معتبرين ومتعظين، فلو كانت الدول العربية متحدة اتحادًا قويًا لا شكليًا، أو لو كان الاتحاد الخليجي اتحادًا قويًا لما استطاع طاغية البعث أن يسفك الدماء ويهتك الأعراض وينهب الأموال، ولما اضطررنا أن نستعين بغيرنا ممن هم من غير جلدتنا ليدافعوا عنا ويحموا ديارنا.. إن الذي لا يعتبر من تجربة الخليج فلا أظنه سيعتبر أبدًا!

إن الوحدة لا يمكن أن تقوم على أرض الواقع بمجرد رفع الشعارات أو تذكير الناس بأهميتها أو إثارة العواطف نحوها، وإنما ينشأ الاتحاد القوي المتماسك بالتخطط السليم المبني على دراسة جادة وعزم صادق ونية مخلصة.

إن المتخصصين في علم الإدارة عرفوا عملية التخطيط بأنها -في مفهومها العام- عملية وضع الأهداف ثم السعي لتحقيقها باستغلال جميع الإمكانات البشرية والمادية بأقصى كفاءة وأقصر وقت وأقل تكلفة.

كما أن علماء الإدارة صنفوا الخطط وقسموها إلى ثلاثة أقسام وهي:

1- خطة قصيرة المدى «سنة إلى سنتين».

2- خطة متوسطة المدى «ثلاث إلى خمس سنوات».

3- خطة طويلة المدى «وهي الخطة والاستراتيجية والتي تزيد عن خمس سنوات تصل إلى عشر أو عشرين سنة».

إن النجاح في أي عمل من الأعمال لا يمكن أن يتم بالعشوائية وعدم التخطيط، بل ينبغي أن يتم إنجازه وفق خطة مدروسة واضحة المعالم محددة المراحل، وهذا ما يحتاجه الاتحاد الخليجي حيث ينبغي أن يكون لهذا الاتحاد من هدف استراتيجي واضح ثم يعقبه وضع خطة استراتيجية لمدة خمس أو عشر سنوات، ثم تقسم هذه الخطة إلى خطط قصيرة المدى «تكتيكية» بحيث يعرف القادة والشعوب ما هي الأهداف المراد تحقيقها في كل سنة وما هي البرامج والوسائل العملية والتنفيذية التي ينبغي تنفيذها في كل مرحلة كما أن على الجهات المسؤولة متابعة ومراقبة تنفيذ هذه الخطط وحل ما يواجهها من إشكالات وصعوبات، وفي ختام كل عام من الخطة يتم تقييم ما تم إنجازه، وإعداد ما ينبغي إنجازه للعام الذي يليه.

إن بمثل هذا التخطيط الاستراتيجي يطمئن القادة والشعوب بل ويقتنع العالم والمجتمع الدولي أن الاتحاد الخليجي يسير إلى غاية واضحة وإلى هدف محدد معلوم سيصل إليه يومًا ما.. إن الذي ينظر إلى الاتحاد الأوربي يعرف أن هناك هدفًا إستراتيجيًا لهذا الاتحاد وهو الاندماج والوحدة الكاملة في سنه 1995م، ولذلك بين الفينة والأخرى نسمع عن خطوة عملية نحو هذا الاندماج.

إن من فضل الله على المجتمعات الخليجية أن يسر لها الكثير من مقومات الوحدة، فهذه المجتمعات تدين بدين واحد وهو الإسلام وتتكلم بلغة واحدة وهي العربية، وتسكن في بقعة واحدة، وتشترك في كثير من العادات والتقاليد، بل وتمتلك -في معظمها- نفس الثروة الطبيعية وهي النفط، وتعيش بنفس المستوى المعيشي، كما أن هناك توافقًا نفسيًا -إلى حد كبير- بين شعوبها ولا أدل في ذلك من أزمة الخليج حيث وقفت الشعوب الخليجية إلى جانب الشعب الكويتي حتى فرج الله عنه.

ومن هذا المنطق فإن هذه المقومات تعين القادة والشعوب على الإسراع نحو الوحدة الحقيقية والاندماج القوي الذي تصبو إليه الشعوب وتتمناه حتى لا تتكرر جريمة صدام ويخرج علينا من يشبه طاغية البعث، ولا نضطر أن نكون تحت رحمة غيرنا ممن هم ليسوا من جلدتنا.

وأخيرًا نقول ونكرر إن بالتخطيط الاستراتيجي الواضح المعالم المحدد الخطوات، وبالنيات الخالصة والعزائم الصادقة بعد الاستعانة بالله والتوكل عليه، يمكن أن نصل إلى هذا الاتحاد القوي فنحفظ أمننا وتقوى شوكتنا ويصلب عودنا فنحقق وحدتنا الخليجية لتكون لبنة تسعى هي بدورها لوحدة عربية وإسلامية، معيدة بذلك مجدها الذي ضاع بأيدي المسلمين أنفسهم.

وفق الله الجميع لما فيه الخير والسلام.

والحمد الله رب العالمين.

الرابط المختصر :