العنوان تقارير استخبارية فرنسية وبريطانية خطيرة تكشف التدخل الأجنبي في السودان
الكاتب محمد جمال عرفة
تاريخ النشر الثلاثاء 04-فبراير-1997
مشاهدات 98
نشر في العدد 1237
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 04-فبراير-1997
السودان
- ضباط إريتريون وأثيوبيون يقودون قوات المتمرد قرنق وجنود مرتزقة بالمئات
- واشنطن تعترف بوجود مرتزقة من أنجولا وسيراليون، وسفارة أمريكا في السودان تنفي!
نجحت قوات الحكومة السودانية تعاونها قوات المتطوعين الشبان «الدفاع الشعبي» في إيقاف العدوان العسكري على شرق البلاد ناحية الحدود الأثيوبية والإريترية، وعلم من مصادر دبلوماسية سودانية في القاهرة أن القوات الغازية أصبحت محصورة في مساحة محدودة من كل الجهات بواسطة القوات السودانية، وأنه فور انتهاء ضربات الطيران المكثفة ضد حشود المتمردين في الشرق والجنوب سوف تتقدم قوات الحكومة لاستعادة المدن الحدودية المحتلة، وقد بدأت بالفعل القوات الحكومية تقدمها باتجاه مواقع القوات الغازية يقودها الوزراء السودانيون وحكام الولايات بأنفسهم، ونجحت في تطهير بعض الجيوب الصغيرة والتحكم في كل الطرق الموصلة إلى مدينتي «الكُرمُك» و«قيسان» على الحدود مع أثيوبيا، في الوقت الذي بدأت فيه قوات الغزو تلغم المناطق التي أخلتها لمنع تقدم الجيش السوداني إلا أن القوات السودانية أعلنت عن قتلها ما لا يقل عن ۳۰۰ جندي أثيوبي ومتمرد غير تقديرات أخرى تشير إلى أن ضربات الطيران السوداني في الشرق والجنوب أسفرت عن قتل وجرح ما لا يقل عن ۱۵۰۰ من عناصر التمرد والمرتزقة.
أيضًا علمت المجتمع، من مصادر سودانية مطلعة أن سبب التأخر في رد العدوان هو دراسة الموقف جيدًا على الجبهة والتركيز على الضربات الجوية وحشد القوات والتعبئة، فضلًا عن الأخذ في الحسبان أن هناك مدفعية وصواريخ أثيوبية على الحدود تقصف الأراضي السودانية إلى عمق ۱۰۰ كيلو متر وتشكل غطاء لهؤلاء المعتدين، وقال مصدر عسكري: إن الاستخبارات السودانية لديها معلومات أكيدة عن مشاركة خبراء صهاينة في منطقة الحدود يشرفون على حماية قوات الغزو ووضع الخطط لها، وأن أثيوبيا حصلت على أسلحة حديثة تعمل بالليزر ورادارات ومدافع هون من إسرائيل هي في الأصل من المخزون الأمريكي الموجود في إسرائيل، كما أن هناك نشاطًا غير عادي وحركة هبوط وإقلاع كثيفة لطائرات إسرائيلية في قاعدتي «رور أحباب» و «مكسملاري» في إريتريا تجلب ذخائر ومعدات عسكرية تنقل فيما بعد للقوات المعتدية، فضلًا عن أنشطة أخرى في قواعد «حالب» و «فاطمة» و«دهلك» قرب البحر الأحمر التي تقدم تسهيلات للطيران الإسرائيلي والأمريكي.
وقال المصدر السوداني: إن بإمكان القوات السودانية التقدم بسهولة في الشرق وطرد المعتدين بسبب الطبيعة المنبسطة للمنطقة وكونها سهولًا لا غابات وأحراشًا، وبالتالي فهي مكشوفة أمام الطيران السوداني، كما أن القوات المعتدية لا يمكنها التقدم تجاه الدمازين أو خزان الروصيرص؛ لأن هذه المنطقة أيضًا تقع في سهل مكشوف، وبها قاعدة عسكرية سودانية جوية كبيرة وحشود كثيفة تجعل من الصعب دخولها خصوصًا في ظل انكشاف القوات المعتدية وصعوبة سيطرتها على مناطق كبيرة لصعوبة نقل الإمدادات في هذه الحالة.
وسخرت المصادر السودانية مما أعلنه المتمردون والمعارضون أن هدفهم ليس الزحف على الخرطوم، ولكن فتح عشرات الجبهات العسكرية لإرهاق الحكومة وتهيئة الأجواء لانتفاضة شعبية داخلية، مشيرة إلى أجواء الجهاد التي تعم البلاد، وخروج مظاهرة مليونية تريد الدفاع عن أرض السودان، وذلك فور احتلال المناطق الحدودية في الشرق بدلًا من هذه الانتفاضة أو الثورة الشعبية المرتقبة.
أدلة مؤكدة على التورط الأجنبي
نشرت مؤخرًا تقارير هامة للغاية في العاصمتين الفرنسية والبريطانية تكشف حجم التورط الأجنبي في معارك السودان، وارتباط ما يجري هناك بمؤامرة شاملة ضد وحدة السودان ومنابع النيل، والسعي للسيطرة على مداخل البحر الأحمر وشبه الجزيرة العربية وإقامة منطقة عازلة بين الشمال السوداني المسلم وجنوب القارة الأفريقية الغني بالماس والمعادن الثمينة.
إذ سربت المخابرات الفرنسية - المتضررة من انحسار النفوذ الفرانكفوني في شرق أفريقيًا ووسط أفريقيًا لصالح النفوذ الأنجلوسكسوني البريطاني والأمريكي - تقارير خطيرة للصحافة الفرنسية عن حجم المؤامرات في منطقة البحيرات العظمي والسودان، وكان أبرز ما نشر في هذا الصدد تقرير نشرته صحيفة «لوفيجارو»، يوم ١٥ يناير الماضي، وتقرير آخر نشرته الدورية البريطانية الأسترالية «المعارضة للحكومة البريطانية» وهي International - EIR يوم ٢١ يناير فضلًا عن تقارير أخرى متفرقة في الصحافة العالمية هي ملخص عدة تقارير للمخابرات الفرنسية سلمت إلى مصر والسودان وعدد من الدول العربية المطلة على البحر الأحمر، وتكشف عن تورط المخابرات البريطانية والأمريكية والإسرائيلية في التخطيط للمعارك التي دارت وتدور في أكثر من بلد إفريقي خصوصًا شرق ووسط القارة الأفريقية، والسعي لإقامة إمبراطورية لقبيلة التوتسي «وهم أقلية» على أرض الصومال والسودان وإريتريا وأثيوبيا، وفصل جنوب السودان من أجل إخضاع مصر والسودان اللتين تعتمدان على مياه النيل القادمة عبر الجنوب، والهيمنة على القرن الأفريقي وبالتالي مداخل البحر الأحمر وشبه الجزيرة العربية.
وقد نشرت الصحف المصرية الرسمية أجزاء من هذه التقارير الفرنسية خصوصًا ما يشير منها إلى أن ما يحدث في شرق وجنوب السودان هدفه تقسيم السودان وتزويد الموساد الإسرائيلي لمتمردي الجنوب بالسلاح لإقامة منطقة عازلة بين الشمال السوداني المسلم العربي والجنوب، ومنع تقدم الإسلام تجاه الجنوب، واستغلال الدور الأوغندي في هذه المؤامرة في الجنوب ودور أثيوبيا وإريتريا في الشرق، فضلًا عن إلهاء مصر في الجنوب ومشاكل السودان لإبعادها عن الشرق الأوسط والتأثير في أحداثه وهو ما يصب في صالح إسرائيل.
المخابرات الفرنسية: مرتزقة يحاربون مع قرنق
تحت عنوان «أفريقيا: إمبراطورية جديدة للقوات المرتزقة» كتبت «كارولين دوميه» مراسلة مجلة «لوفيجارو» الفرنسية في جمهورية جنوب أفريقيا يوم ١٥ يناير الماضي تنقل معلومات خطيرة عن المخابرات الفرنسية، حول التورط البريطاني والأمريكي والإسرائيلي في أحداث القارة الأفريقية وسعيهم لتغيير هيكل النفوذ هناك لصالح الدول الثلاثة أو ما تسميه فرنسا زيادة النفوذ الأنجلوسكسوني على حساب النفوذ الفرانكفوني الفرنسي، ورغم أن التقرير يسعى أساسًا لرصد الصراع بين هذه الدول الغربية على النفوذ في القارة الأفريقية ومساندة كل فريق لأنصاره هناك، إلا أنه مليء بتفاصيل خطيرة حول حجم المؤامرة على السودان، إذ نشرت مراسلة لوفيجارو تفاصيل هامة عن شركة للمرتزقة يرمز لها بحرفي «EO » مقرها جنوب أفريقيا، وأنشئت منذ عام ١٩٨٩م بواسطة رؤوس كبيرة في أجهزة الاستخبارات، ودعم مالي كبير تورطت فيه عدة شركات ورموز سياسية واقتصادية من علية القوم من بريطانيا وكندا وغيرها، هذه الشركة وظيفتها الأساسية هي «إشعال الحروب» في أي شبر في العالم «لأنها عابرة للقارات»، ومستعدة لتقديم الدعم العسكري وتوفير مرتزقة من جنسيات مختلفة لشن الحروب وقيادتها لصالح من يدفع، إلا أن غرضها الأساسي ليس الربح السريع وكفى، وإنما تنفيذ عمليات بالأجل لحين إسقاط نظام ما مثلًا، ثم الحصول من النظام الجديد الذي استأجرها على الثمن ونفوذ ومشروعات اقتصادية أخرى مقابل خدماتها، وتشمل عملياتها أيضًا التجسس وتأمين نظم حاكمة معينة مقابل المال أو الماس أو الذهب، ولها سابق خدمة في ٣٤ دولة في العالم، وبالطبع كان لهذه الشركة دور في الصراعات التي تدور في زائير ورواندا وبوروندي وأوغندا، حيث تساعد قوات التوتسي «الأنجلوفوانية» ضد قوات الهوتو «الفرانكفونية» لصالح النفوذ البريطاني والأمريكي والإسرائيلي هناك، وقد شاركت هذه الشركة في دعم أوغندا ودعم أثيوبيا وإريتريا والمعارضة السودانية ضد حكومة الخرطوم حتى أن هناك قاعدة أساسية لهذه الشركة قرب الحدود الأوغندية السودانية لنقل المرتزقة وتسليحهم وتوجيههم في المعارك ضد القوات السودانية، وجزء كبير من دعم قوات التمرد السودانية في الجنوب بزعامة جون قرنق «جارنج» يأتي عن طريق هذه الشركة.
وقد اعترف المتحدث باسم الخارجية الأمريكية «نيكولاس بيرنز» بوجود هؤلاء المرتزقة بالفعل ضمن القوات التي اعتدت على الحدود السودانية في الشرق ودعا «الدول الإفريقية المجاورة للسودان إلى وقف استخدام وحدات مرتزقة تقاتل في هذا البلد»، وأضاف: «ندرك أن هناك مجموعات مرتزقة.. ونصيحتنا لأنجولا وسيراليون ولجميع الأطراف في شرق السودان هي عدم استئجار مرتزقة أو جلب أسلحة وإنما محاولة توجيه الموقف إلى نتيجة سلمية عن طريق المفاوضات».
ضباط أجانب يقودون المتمردين
أيضًا كشفت صحف بريطانية وتقارير إستراتيجية عن حجم التورط البريطاني - الأمريكي - الإسرائيلي في أحداث السودان، فقد نشرت صحيفة «التايمز» البريطانية في ١٧ يناير على لسان مراسلها في نيروبي «سام كيلي» أن هناك تنسيقًا بين قادة المليشيات السابقين الذين تحولوا إلى رؤساء دول الآن في إريتريا وأثيوبيا وأوغندا ورواندا، بهدف ضرب أعدائهم والقضاء عليهم، وأن الرئيس الأوغندي ذهب إلى بريطانيا مؤخرًا للقاء يضم هؤلاء القادة ولأخذ تعليمات جديدة من المخابرات البريطانية بشأن كيفية التحرك ضد السودان.
وقال مراسل الجريدة: إنه رغم النفي الأثيوبي والإريتري لتورطهما في أحداث شرق السودان، إلا أن الضباط الإريتريين والأثيوبيين ومسؤولي المخابرات في البلدين شوهدوا يقودون جنود قرنق في العمليات! وأضاف :أن العمليات التي تقودها بريطانيا الآن في شرق السودان - بشكل غير مباشر وعن طريق المرتزقة - تشبه ما حدث أثناء غزو الإمبراطورية البريطانية لشرق أفريقيا عام ۱۸۹۸م بقيادة لورد كتشز، حيث أجبر البريطانيون الفرنسيين في ذلك الوقت على التخلي عن بعض المناطق لصالحهم مثل «فاشودة» الأمر الذي أزعج الرئيس الفرنسي الحالي جاك شيراك بسبب انهيار نفوذ بلاده في شرق ووسط أفريقيا على أيدي المرتزقة الموالين لبريطانيا وأمريكا، أي الأنجلوسكسون.
وحول نفس الأمر كشفت النشرة البريطانية الإستراتيجية EIR أن هناك تنسيقًا بين الجانبين الأمريكي والبريطاني للإطاحة بالنظام السوداني الحالي حيث تقوده مخابرات البلدين، ولكن تحت لافتات إنسانية، إذ تتحرك المخابرات الأمريكية تحت لافتة «لجنة اللاجئين الأمريكية» وتتحرك البريطانية تحت لافتة «منظمة التضامن المسيحي»، ويقود الأولى «روجز وينتر» الذي يشغل منصب مدير لجنة اللاجئين بالخارجية الأمريكية، وله صلات استخبارية بقوات المرتزقة الأفارقة وعلاقات جيدة بجون قرنق زعيم متمردي السودان وبول كاجام زعيم متمردي التوتسي في رواندا سابقًا وحاكمها الفعلي حاليًّا، أما الثانية فتقودها نائبة رئيس مجلس اللوردات البريطاني البارونة «كارولين كوكس» التي لا تفتأ تندد بحكومة السودان «الأصولية» ، وتدعو للإطاحة بها.
وقد أشرف كل من يونتر وكوكس على العديد من المؤتمرات واللقاءات التي عقدت لنصرة متمردي السودان ورواند، وألقوا كلمات في الكونجرس الأمريكي والبرلمان البريطاني حول ضرورة التدخل لإسقاط حكومة السودان الحالية ومساندة خطط المعارضة السودانية العسكرية، كما تدخلوا لإلغاء ديون إريتريا وأثيوبيا لدى صندوق النقد الدولي، لإقناع رئيسي البلدين بقبول التعاون معهما لقلب نظام الحكم في السودان، وفتح قواعد عسكرية فيها للقوات المعارضة لحكومة السودان، بل شراء أسلحة حديثة تستخدم للعدوان على السودان، وتقول النشرة البريطانية: إن كوكس ووينتر كثيرًا ما تفاخروا بدورهما في التدخل في شؤون السودان، وأن الأولى رعت مؤتمرين للمعارضة السودانية في مجلس اللوردات البريطاني، وفي أسمرة عاصمة إريتريا لتحديد خطة التحرك العسكري ضد حكومة السودان، كما أدلت بعدة شهادات أمام الكونجرس الأمريكي كلها كاذبة بهدف استدرار عطف الكونجرس مع المعارضة السودانية ضد الحكومة، وأن الهدف هو إزاحة هذه الحكومة الأصولية ومنع امتداد الصحوة الإسلامية من الشمال إلى الجنوب؛ بما قد يهدد نفوذ المنظمات المسيحية التبشيرية المنتشرة هناك خصوصًا في كينيا وأوغندا وجنوب أفريقيا، وزيمبابوي، كما كان لكوكس ووينتر فضل توحيد المعارضة السودانية الشمالية مع قوات قرنق وتنصيب قرنق زعيمًا على المعارضة العسكرية.
وارتبط بذلك تشجيع المرتزقة على القيام بمذابح في البحيرات العظمى ضد قبائل الهوتو «ذات الجذور الإسلامية» وضد قبائل الأشولي المسلمة شمال أوغندا، كما كان أول شيء فعلته قوات المرتزقة فور دخولها شرق السودان هو اغتصاب الطالبات السودانيات المسلمات وحرق المصاحف والمساجد وقتل الكثير من الأبرياء.
معالم المؤامرة إذًا واضحة وخيوطها الأجنبية لا تحتاج أضواء باهرة لكشفها، والمسألة ليس مقصود بها حكومة السودان وحدها، ولكن حصار الصحوة الإسلامية ومنعها من الوصول للجنوب، ويكفي أن نشير هنا إلى أن السيد «وينتر» قال في محاضرة أمام مركز الدراسات الإستراتيجية في القاهرة في يوليو ١٩٩٦م :إن السودان ينبغي أن يتبعثر إلى أجزاء وأن ينفصل الجنوب عن الشمال، وقال: إن تحالف قرنق مع المعارضة السودانية لحزبي الأمة والاتحادي «مؤقت» لأنه لا يثق فيهما وأن المطلوب هو تفكيك السودان!.