; التذكير والتأنيث.. والأزمة النسائية | مجلة المجتمع

العنوان التذكير والتأنيث.. والأزمة النسائية

الكاتب عبدالوارث سعيد

تاريخ النشر الثلاثاء 11-أبريل-1995

مشاهدات 55

نشر في العدد 1145

نشر في الصفحة 59

الثلاثاء 11-أبريل-1995

اللسان العربي

التذكير والتأنيث.. والأزمة النسائية

بقلم: عبد الوارث سعيد(*) 

في الحلقة السابقة تناولنا قضية «النوع»- المذكر والمؤنث-  في اللغات، ومدى علاقتها بقضية الزوجية «الذكر والأنثى» في نظام الكون الذي خلقه الله- تعالى- بحكمته، ورأينا أن العربية أقرب لغات الأرض إلى القانون الكوني، حيث اقتصرت على التقسيم الثنائي، وجعلته شاملًا لكل الأسماء وما يتعلق بها، على حين أهملته بعض اللغات، واعتمدت لغات أخرى تقسيمًا ثلاثيًا «مذكر- مؤنث- محايد».

وفي هذه الحلقة نلمس جانبًا اجتماعيًا طريفًا لهذه الظاهرة اللغوية، حيث نرصد مواقف بعض الشعوب وبعض الفئات الاجتماعية منها. 

إن تقسيم الخالق الحكيم البشر إلى نوعين وسواهم إلى زوجين متكاملين، هو مظهر من مظاهر عظمته- سبحانه- وإبداعه وقدرته: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾(الذاريات:49)، وليس فيه حط من قدر أحد النوعين أو الزوجين، والتذكير والتأنيث اللغويان أشد بعدًا عن فكرة التمييز الاجتماعي المهين بينهما في المرتبة أو الوظيفة.

قد يتسرب إلى بعض النفوس تساؤل عن أبعاد ذلك التقسيم، لكنه سرعان ما يتخلص من ذلك عند أول توضيح للمؤمن بالله، ولهذا لم يكن هذا الأمر مشكلة عند نساء المسلمين. 

لكن بعض الأفراد أو الفئات في بعض المجتمعات الأخرى- نتيجة أشكال من الخلل والظلم الاجتماعي، خاصة ضد المرأة- أصاب النساء بلون من الحساسية المفرطة، أو المرضية، فصار كل شيء يذكرهن بهذه المشكلة، حتى نظام اللغة ومظاهر المؤنث فيها، فبدأن يطالبن بالمساواة مع الرجال حتى في هذا الجانب اللغوى، لقد صار من الأعراف اللغوية السائدة في تلك البيئات أن يجمع بين ضميري المذكر والمؤنث في الجملة الواحدة تفاديًا للاتهام بالتمييز «الجنسي» فيقال في الإنجليزية 

He/She must finish his/her work before leaving

وبعض الولايات في أمريكا وكندا قننت لهذا الأمر، بحيث صار الخروج عليه يعد مخالفة قانونية تعرض فاعلها للمؤاخذة.

وقد بلغ التطرف بالحركة النسائية في الغرب- خاصة في الولايات المتحدة- ذروته في هذا المجال إلى حد الإقدام على تغيير الكتاب المقدس «الإنجيل والتوراة» ليتمشى مع فكرة اللغة الخالية من التمييز أو الانحياز الجنسي حسب زعمهن، فصدرت في اکتوبر ۱۹۸۳م طبعة من ذلك الكتاب، بدلت فيها كل الكلمات ذات الصيغ المذكرة إلى أخرى خالية من ذلك، على الرغم من أن الانجليزية يقل فيها جدًا الأخذ بقاعدة المذكر والمؤنث، وقد عرضت مجلة الـ «نيوزويك» صفحة من الطبعة النسائية وقارنتها بمقابلتها من النص الأصلي تحت عنوان «الكتاب المقدس في مواجهة الكتاب المقدس» «عدد ٢٤ أكتوبر ۱۹۸۳، ص٤٩».

وكما هي عادة عشاق جحر الضب من المسلمين، وجدنا من أخواتنا اللاتي دينهن الإسلام من تنادي بـ حذف «نون النسوة» من اللغة العربية من أجل إثبات مساواة المرأة بالرجل! وهو أمر مضحك ومبك في آن!! كما وجدنا من أصحاب الأقلام من حاول تقليد المسلك الغربي، فيأتي بغرائب حين يكتب: «إنه/ ها ....» يعني «إنه وإنها...»، ومنهن من تكتب على كتبها أو باب مكتبها: «دكتور فلانة مدير/ رئيس/ عميد...» بدون تاء، وقد تغضب إذا خاطبتها بصيغة المؤنث، وهناك من يبني على هذه التصورات الواهية المستوردة أحكامًا خطيرة، فيتهم الإسلام- مثلًا- بأنه لا يشجع تعليم النساء، بدليل الحديث النبوي: «طلب العلم فريضة على كل مسلم» «حيث اقتصر على لفظ المذكر، ولم يذكر المسلمة بالتاء»، وهذا- عذرًا- جهل بقواعد العربية وتسرع لا مبرر له، فالقرآن يكاد يكون كله على هذا النحو في مخاطبة الناس:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾(البقرة:104)، ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾(المؤمنون:1)، «إن في ذلك لآيات لأولي الألباب».. إلخ، والمخاطب في كل هذه الآيات وآلاف مثلها النوعان 

جميعًا الرجال والنساء.

(*)مدرس بجامعة الكويت.

الرابط المختصر :