; التراث في رؤية عصرية.. الفخري: في الآداب السلطانية والدول الإسلامية | مجلة المجتمع

العنوان التراث في رؤية عصرية.. الفخري: في الآداب السلطانية والدول الإسلامية

الكاتب محمد حسن عبدالله

تاريخ النشر الثلاثاء 26-يناير-1988

مشاهدات 69

نشر في العدد 853

نشر في الصفحة 42

الثلاثاء 26-يناير-1988

ستبقى القضية الحاضرة دائمًا، الشاغلة لاهتمامنا جميعًا محكومة بمبدأ التجديد، من خلال منظور محدد للتجديد، يقوم على الوعي بالقديم، وعيًا علميًا دقيقًا، يتخلص من الأخطاء الشائعة، وأسر الأقوال المشهورة، والرضا بأن ما قيل عن القديم فيه كفاية، وينبغي التوجه إلى المستقبل لأن المستقبل في هذا القديم ذاته، لا بمعنى العودة إلى الوراء، أو تجميد حركة التاريخ، وإنما بمعنى أن القديم هو الأساس وهو الخاصة المميزة، وهو التجربة الشعورية واللاشعورية، ودورنا المنوط بنا هو المعرفة، والتحليل والانتقاء، أي انتقاء العناصر الصالحة في هذا القديم لننميها ونطورها، ونجدد شخصيتنا من خلالها، لتبقى هذه الشخصية بأصالتها وتميزها. لم يكن من هذه المقدمة بد، كي أضع تحت الضوء جانبًا من كتاب قديم، ألفه محمد بن علي بن طباطبا، في القرن السابع الهجري، أما الكتاب فهو «الفخري في الآداب السلطانية، والدول الإسلامية».

 

والمؤلف يجمل محتوى كتابه بقوله: «هذا كتاب تكلمت فيه على أحوال الدول وأمور الملك، وذكرت فيه ما استظرفته من أحوال الملوك الفضلاء، واستقريته من سير الخلفاء والوزراء». لن تصرفنا إشارته إلى الاستظراف عن الشعور بجدية الكتاب، ورصانته العلمية، لم يكن الاستطراد بذكر النوادر والأخبار غريبًا على عقلية المؤلف العربي في أي فن حتى في الطب والفلسفة، وحتى في كتب الفقه. وقد قسم ابن طباطبا كتابه «الفخري» إلى قسمين، تكلم في أولهما عن الأمور السلطانية والسياسات الملكية - حسب تعبيره - وخواص الملك التي يتميز بها عن السوقة، والتي يجب أن تكون موجودة أو معدومة فيه، وما يجب له على رعيته، وما يجب لهم عليه.

 

أما القسم الثاني فقد تكلم فيه على أشخاص الخلفاء، وأهم أعوانهم من الوزراء والقادة، بدءًا بالصديق رضي الله عنه، ثم بالدولة الأموية على ترتيب خلفائها، ثم العباسية كذلك، مع اهتمام بالقوى المتغلبة على أطرافها، والمنافسة لها، حتى سقوطها. لقد وضح لنا بعد هذا الإجمال لقسمي الكتاب أنه انتقل بين منهجين: معياري، ووصفي، في الأول تكلم عن مبدأ الملك، وأسباب رقي الأمم، وهو هنا ينطلق من رؤية موضوعية، تتطلب الكمال بصرف النظر عن الوقائع الماثلة والواقع الذي جرى، فقد أجل فيه القول واحتفظ له بالقسم الثاني الوصفي، الذي يسجل ما حدث، كما حدث مع شيء من التعليق.

 

ونستطيع أن نقول إن هذا الجزء الأخير تاريخ صريح له أشباه ونظائر في كتب أخرى نقل ابن طباطبا عنها، وأشار إليها. أما الجزء الأول فإنه أدخل في النظريات السياسية، ولهذا نقدمه إلى المهتمين بالعلوم السياسية، فيضاف مثل هذا الكتاب إلى ما يتجه إليه الاهتمام عادة من كتابات الفقهاء وأصحاب الفرق الإسلامية. قد يكون جانب النظرية عند هذا الفريق الأخير أكثر صلابة في الأسس المذهبية أو الفكرية التي يقوم عليها، ومع هذا يبقى «للفخري» وما احتواه دلالة خاصة أنه يعبر عن الرأي العام المثقف في نظرته إلى تشكيل الدولة الإسلامية، وتصويره لعلاقات القوى المكونة لها. وهنا نلاحظ أن المؤلف أعطى أهمية عظيمة لشخص قائد الدولة، أو الملك، وعلق عليه أهم أسباب التقدم والازدهار والنصر الذي يتحقق للدولة، ككل، في كافة الميادين، وأرجع إليه جل، إن لم يكن كل أسباب التدهور والاضطرابات التي تلحق بالبلاد في عصره، فكأن ابن طباطبا أخذ بالرأي المشهور الذي يجمله القول بأن المجتمعات كالسمك تفسد من رؤوسها، فإذا كان الرأس صالحًا صلح كل شيء والعكس صحيح ولم يأخذ بالرأي الآخر، الذي تبلوره العبارة: كيفما تكونوا يُولَّ عليكم. ومع هذا فإننا نلمح اهتمامًا بالمجتمع، ماثلًا في مقدمة الفخري أو لنقل: اهتمامًا بالثقافة السياسية وضرورة إتاحتها للجميع، حكامًا ومحكومين، كبارًا وصغارًا. يقول ابن طباطبا: «وهذا كتاب يحتاج إليه من يسوس الجمهور ويدبر الأمور، وإن أنصفه الناس أخذوا أولادهم بحفظه، وتدبر معانيه، بعد أن يتدبروه هم، فما الصغير بأحوج إليه من الكبير». بل يمضي المؤلف إلى خطوة أبعد، حين يرى أن التربية السياسية أهم من التربية الاجتماعية، لسبب محدد تبرزه كلماته. يقول: «وهذا الكتاب إن نُظر بعين الإنصاف رُئي أنفع من الحماسة التي لهج الناس بها، وأخذوا أولادهم بحفظها، فإن الحماسة لا يستفاد منها أكثر من الترغيب في الشجاعة والضيافة، وشيء يسير من الأخلاق.. وهذا الكتاب يستفاد منه هذه الخصال المذكورة ويستفاد منه قواعد السياسة وأدوات الرئاسة. فهذا فيه ما في الحماسة، وليس في الحماسة ما فيه». فصاحب الفخري إذا يرى أن التربية السياسية بطبيعتها اجتماعية أو متضمنة للأخلاق الاجتماعية، دون العكس، وهذا صحيح بالطبع، ودقيق في تصور العلاقة بين السياسة والنظام الاجتماعي وبين السياسي أيًا كان موقعه والجمهور الذي يسوسه ويُدبر أموره.

 

يهتم المؤلف -كما ذكرنا- برأس الدولة ويسميه «الملك» اختصارًا وخروجًا من تعدد الألقاب في عصره، وفي غير عصره، فيقول: إن الملك الفاضل هو الذي اجتمعت فيه خصال، وعُدمت فيه خصال ويجعل «العقل» أول الخصال المطلوبة، فيه تُساس الدول، بل الملل، وهذا شرط منطقي، يأتي بعده العدل، ثم العلم ويتوقف عند صفة العلم، كي يبين خطره، والنوع المطلوب منه للملك. قال بعض الحكماء: الملك إذا كان خلوًا من العلم كان كالفيل الهائج لا يمر بشيء إلا خبطه، وليس المراد بالعلم في الملوك التبحر أو التخصص في فرع من فروع المعرفة والإغراق في تتبع مسائله، فهذا التخصص إلحاد ليس مطلوبًا منه، بل هو ضد تفتح عقله وفكره وتنوع قدراته. قال معاوية: ما أقبح بالملك أن يبالغ في تحصيل علم من العلوم. وإنما المراد من العلم في الملك هو ألا يكون له أنس بها، إلا بحيث يمكنه أن يفاوض أربابها فيها، مفاوضة يُدفع بها الحال الحاضر، ولا ضرورة في ذلك إلى التدقيق. بعبارة عصرية إن ثقافة رأس الدولة ينبغي أن تتنوع في حدود المستوى الذي يجعله قادرًا على مخاطبة أهل الاختصاص والفهم عنهم. ويمضي صاحب الفخري يستكمل الصفات الواجبة، فيذكر الخوف من الله تعالى، والعفو عن الذنوب، وحسن الصفح عن الهفوات، والكرم والهيبة والاطلاع على غوامض أحوال المملكة إلى آخر الصفات المستحبة، ليمضي عنها إلى الصفات العكسية. وهذا الاهتمام العظيم بقمة الهرم الاجتماعي له أسباب يذكرها ابن طباطبا، أسباب نفسية مركوزة في طباع البشر، فالملك ليس مجرد شخص إنه قدوة. ومثال: تحت عنوان «الناس على دين ملوكهم» يقول: «وأعلم أن للملك أمورًا تخصه يتميز بها عن السوقة، فمنها أنه إذا أحب شيئًا أحبه الناس، وإذا أبغض شيئًا أبغضه الناس، وإذا لهج بشيء لهج به الناس طبعًا أو تطبعًا ليتقربوا بذلك إلى قلبه». ويحيلنا المؤلف على المشاهد من أحوال الناس زمن الخلفاء الراشدين، وكيف ساد الخلق الإسلامي، ثم كيف تحول الأمر في زمن بني أمية إلى العصبية للعروبة، ثم.. كيف أصبح الميل إلى الشرف، وحياة البذخ تيارًا غالبًا في العصور العباسية.

 

ويفطن ابن طباطبا إلى معنى قريب مما بُني عليه كتاب «العقد الاجتماعي» المشهور، فيذكر أن من الحقوق الواجبة للملك على الرعية التعظيم والتفخيم لشأنه في الباطن والظاهر، كما أن من حقوق الرعية على الملك حماية البلاد، وتحصين الأطراف، وحفظ الأمن، ثم يقول في عبارة جامعة رائعة: «فهذه حقوق تلزم السلطان تجري مجرى الفروض الواجبة وبهذه الأمور تجب طاعته على رعيته».. هذا قليل من كثير كتبه صاحب الفخري في كتابه عن شخصية الملك، فإذا قُرئ الجزء التاريخي الخاص بدول الإسلام من عهد الراشدين إلى سقوط بغداد، وانقضاء العصر العباسي يستطيع المتأمل والباحث أن يجد معالم نظرية سياسية عن أساس الملك، وقانون التطور في علاقات القوى، التي يتكون منها المجتمع وعلى أي أساس كان صعود الممالك، ولماذا هبطت بعد حين؟!

 

 

 

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل