العنوان الترافيك لايت الكوني!
الكاتب ا. د. عماد الدين خليل
تاريخ النشر السبت 31-مايو-2008
مشاهدات 66
نشر في العدد 1804
نشر في الصفحة 66
السبت 31-مايو-2008
في واحدة من أكبر المدن الآسيوية كوالا لامبور، عاصمة ماليزيا، أحدث عطل مؤقت في شبكة الترافيك لايت، لم يتجاوز الدقائق المعدودات إرباكًا هائلًا في المواصلات، وبالتالي في المسار اليومي للأنشطة المزدحمة المتشعبة كافة.
ماذا لو حدث عطل كهذا في مسارات النجوم والمجرات عبر الكون العريض؟ ما الذي سيتمخض عنه فيما ينذر بالويل الذي لا يحيط بأبعاده أشد الناس قوة في الخيال؟
منذ ملايين السنين (بالحسابات الضوئية)، وحركة الكواكب والأقمار والنجوم والسدم والمجرات، تمضي في مساراتها المرسومة دون أن تنحرف قيد أنملة عما أراد الله لها أن تمضي فيه: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ۚ ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّىٰ عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ ۚ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ (يس:٣٨-٤٠).
إنها إرادة الله سبحانه القادر الفعال لما يريد في هذا الكون، من يمسك بالكون ويحميه من الفوضى والتسيب والارتطام والإجهاز على كل شيء: (إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولَا ۚ وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ ۚ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ (فاطر:٤١).
ولطالما حدثنا كتاب الله في مواقع عديدة من آياته البينات عن هذا الإحكام الكوني، ولفت أنظارنا إلى المشيئة المطلقة التي تقف وراءه: ﴿أَأَنتُم أَشَدُّ خَلقًا أَمِ ٱلسَّمَآء بَنَىٰهَا رَفَعَ سَمكَهَا فَسَوَّىٰهَا وَأَغطَشَ لَيلَهَا وَأَخرَجَ ضُحَىٰهَا وَٱلأَرضَ بَعدَ ذَٰلِكَ دَحَىٰهَآ أَخرَجَ مِنهَا مَآءَهَا وَمَرعَىٰهَا وَٱلجِبَالَ أَرسَىٰهَا﴾ (النازعات٢٧-٣٢).
﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا ۖ مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ الرَّحْمَٰنِ مِن تَفَاوُتٍ ۖ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ (الملك٣-٤).
عطب في المكائن والآلات الكبيرة يمكن السيطرة عليه... عطل في شبكة الترافيك يمكن إصلاحه وإعادة الأمور إلى نصابها.. لكن العطب الكوني، إذا قدر له أن يقع فلن يكون بمقدور قوة في العالم أن تتداركه.. وستقف أقوى دولة في الدنيا عاجزة يائسة مستسلمة أمام تحديه القاهر المخيف.
فكيف بعملية بناء الكون نفسه؟ أية قدرة مطلقة تمكنت من تصميمه وإنجازه؟
﴿مَّا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ (الكهف:٥١).
هذا هو الجانب الآخر من المشهد الكبير الذي طالما لفت القرآن الكريم أنظارنا إليه خلق الكون إننا إذن أمام معجزتين كبيرتين خلق الكون والإمساك بنظامه المحكم.. وليس ثمة تفسير للمعجزتين سوى وجود الله سبحانه الذي لا يعجزه شيء في السموات والأرض، والذي إذا أراد شيئًا فإنما يقول له كن فيكون.. وكل التفاسير المادية الفاجرة، الكافرة التي سعت -ولا تزال- إلى إبعاد الوجود الإلهي عن الخلق، والصيرورة الكونيتين لا تعدو أن تكون (لعب عيال) وعبث صبيان وتخبط أغبياء، و(سخفًا طائشًا) إذا استعرنا عبارة (سوليفان) في (حدود العلم).. وهي جميعًا تدعو للسخرية والاحتقار، ولا تنطوي على أي قدر من الإقناع لكل من يملك ذرة من بصيرة أو عقل.
ومن بين مئات الشواهد الكونية وألوفها على هذا الضبط والإحكام اللذين لن يقدر عليهما سوى الله الخلاق العلام القدير سبحانه، يمكن أن نقف لحظات عند شاهد واحد: فماذا لو انحرفت الشمس عن مسارها قليلًا جدًا، فاقتربت من الأرض أو ابتعدت عنها؟
في الحالة الأولى سيحترق العالم..! وفي الثانية سيتجمد..! وفي الحالتين لن يكون بمقدور الحياة أن تستمر أيامًا، وربما ساعات فحسب!
إن هذا المصباح الهائل، والفرن الذري الكبير، وضع في مكانه تمامًا من الكرة الأرضية، ووفق حسابات مذهلة لن يحيط بها علمًا سوى الله سبحانه.. إنه يمنحنا النور والحرارة.. ويعين مع ثاني أكسيد الكربون والكلوروفيل الأخضر، على إعداد الطعام الذي نحيا عليه..
أي نظام هذا، وأي إحكام؟ وأين هو موضع الصدفة وغياب الغائية في شبكة الخلق المعجزة هذه؟
مجرد شاهدين فحسب، فكيف الحال لو استعرضنا مئات الشواهد الأخرى؟!